هل ممكن للمبادئ أن تتجزأ ؟

فاروق عطية
2018 / 2 / 10

أزعم أنني كمواطن مصري غيور تنتمي بلادي لما يسمي بالعالم العربي، وكوني محب لوطني مصر ينعكس هذا الحب بالتبعية أيضا علي الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، كان لزاما علىّ وعلى كل مواطن لأي بلد ينتمي لهذا العالم مثلى، أن نتساءل هذان السؤالان: هل المبادئ يمكن تجزئتها؟ ولماذا لا يحترمنا العالم المتقدم ؟ لذلك كان لابد أن نبحث ونتقصي عيوبنا التي بسببها ينظر الغرب لنا بريبة وعدم احترام وينعتنا بالتخلف. بالقطع لديبا أمراض مستوطنة يعرفها العالم أجمع عنا، ولكننا لا نعيها، أو نعيها ولا نصدقها فنتحاشي ذكرها، كالنعامة التى تضع رأسها فى الرمال حتى لا يراها مهاجمها. وقد آن الأوان لكشفها ومناقشة أعراضها ومجابهتها بكل إخلاص حتى يمكن كتابة الروشتة الصحيحة لعلاجها.
وأكثر هذه الأمراض خطرا حالة الاسكيزوفرانيا التى تعاني منها جميع الدول العربية والإسلامية بلا استثناء. نحن ننظر دائما لأى أمر بمنظورين. إذا كان هذا الأمر يتعلق بنا كعرب أو مسلمين تكون لنا فيه وجة نظر نقيم الدنيا ولا نقعدها لنثبت للعالم صحة وجهة نظرنا. أما إذا كان هذا الأمر يتعلق بالآخرين تكون لنا وجهة نظر أخرى مخالفة تماما لوجهة النظر التى نادينا بها، وأيضا نقيم الدنيا ولا نقعدها لنثبت للعالم صحة وجهة نظرنا هذه, وهذه لعمري نظرة طفولية للأمور. وإليكم بعض الأمثلة الصارخة الدالة علي ذلك:-
- حين يحدث أبسط تعدى على الأقليات العربية أو الإسلامية فى أى دولة أجنبية، تنبرى وسائل الإعلام المختلفة فى جميع أنحاء العالم العربى والإسلامى مطالبة بحقوق الأقليات التى تنص عليها مبادئ حقوق الإنسان. وحين تهدر حقوق الأقليات الكوردية والأشورية والبابلية ولأزيدية والمندائية فى العراق، أو المسيحية والبهائية والشيعية فى مصر والسودان، أوالأمازيجية والبربرية في دول شمال أفريقيا وتحاول منظمات حقوق الإنسان التدخل، تقوم الدنيا ولا تقعد معتبرين ذلك تدخلا فى الشئون الداخلية...... وكأن مبادئ حقوق الإنسان لابد أن تكون مطابقة لهوانا..!!
- أبواق جميع الدول العربية والإسلامية لا تكف عن الجأر بما يعانيه مسليمي الروهينجا في ميانيمار (بورما). ومسلمي ميانيمار هم من ذوي الأصول المنحدرة من مسلمي الهند (بما يعرف الان ببنجلاديش) وجلبهم المستعمر البريطاني إلى بورما لمساعدتهم في الأعمال المكتبية وزراعة الأرض. وبعد الاستقلال أبقي على الكثير من المسلمين في مواقعهم السابقة. والعداء قائم ومستمر منذ الاستعمار البريطاني الذي ميز الروهينجا في العمل علي حساب البوذيين. واندلع العداء مجددا بعد هدم طالبان لتمثال بوذا بأفغانستان (2001) مما أثار البوذيين وانطلقوا لهدم المساجد في ميانيمار. وحين بدأت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقديم المساعدات لإعادة توطين الروهينجا في بنغلاديش (بلادهم الأصلية) سنة 2005، تعرض الروهينجا لانتهاكات حقوق الإنسان في مخيمات اللاجئين في بلادهم الإسلامية. وهم يواجهون الآن مشاكل في بنغلاديش ولا يتلقون أي دعم من الحكومة, ولم نسمع أبواقا تندد باضطهاد الروهينجا في بنجلاديش. وحين يذبح المسيحيون والأزيديون والمندائيون وتسبي نساؤهم وتباع بناتهم وأطفالهم في أسواق النخاسة بدولة الخلافة الإسلامية (داعش) لا نسمع من يدافع أوحتي يذكر معاناتهم في الدول العربية والإسلامية ويمتنع الأزهر عن تكفير الدواعش ويعتبرهم مجرد مارقين ولكنهم مسلمون يشهدون بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..!.
- حين طُرِدت فتاة فى فرنسا من المدرسة لارتدائها الحجاب، مخالفة للزى الموحد للطالبات، قامت قيامة جميع الدول العربية والإسلامية جميعا مطالبة بلا هوادة بحق الإنسان فى ارتداء الزى الذى يرغبه دون تدخل، معتبرين ذلك مساسا بكرامة المواطنة المسلمة، وافتئات على حقها فى الحفاظ على هويتها الإسلامية. فى نفس الوقت تحرّم بعض الدول " السعودية مثلا" على المرأة الأجنبية السير خارج الدار دون ارتداء عباءة تغطيها من قمة الرأس لإخمص القدم، كما تحرمها من ارتداء الصليب الذى يبين هويتها المسيحية. أليس لهذه السيدة الأجنبية الحق فى ارتداء ما يناسبها من زى والحفاظ على هويتها الدينية دون تدخل من آخرين ؟!!
- حين منعت سويسرا ارتفاع المآذن في مساجد سويسرا حفاظا علي الطابع المعماري بها قامت قيامة الدول العربية والإسلامية معتبرين ذلك اضطهادا للأقليات الإسلامية, وحين تُهدم وتُحرق الكنائس ويقتل المصلون داخلها في مصر والسودان وليبيا وسوريا والعراق لا يتحرك أي من الدول العربية والإسلامية مطالبين بحقوق الأقلية المسيحية في بلادهم.
- حين قتل مراهق ألماني مروة الشربين التي انتهكت حقه في استخدام أرجوحة واحتكرتها لطفلها, من حنقه حاول الاعتداء عليها فاتهمته بأنه حاول نزع حجابها ونعتها بالإرهابية فحكمت عليه المحكمة بغرامة 780 يورو. وفي الاستئناف أقرت المحكمة الحكم فثارت ضغينته وهجم عليها وقتلها طعنا بمطواة. اندلعت المظاهرات في جميع الدول العربية والإسلامية مطالبين بأقسي عقوبة علي القاتل, وحكم عليه بالسجن المؤبد واعتذرت ألمانيا عن هذا الأمر ودفعت التعويضات بالملايين. وعندما قتل متطرف يميني شاب مسيحي صاحب مطعم بالنمسا بدون سبب لم تقم مظاهرات ولم يطلب أحد بالقصاص له ولا حتي ذكرت الميديا العربية شيئا عن الأمر كأن هذا القبطي ليس مواطنا مصريا مثله مثل مروي الشربيني وله نفس الحقوق..!!
- حين يُضمّن شاعرا قصيدته آية من آيات الذكر الحكيم، أو يكتب كاتب رأيا قد يراه البعض مخالفا لتعاليم الدين الإسلامى أو تصل شخص مسيحي فقرة إعلامية يعيد بثها وبعتبرها البعض منافية للدين الإسلامي تقوم الدنيا ولا تقعد، ويتصدى من يعلم ومن لا يعلم بالفتوى، مطالبين بتكفير الشاعر أو الكاتب ومن ثم التفريق بينه وبين زوجته، وقد يصل الأمر لاستحلال دمه, ويقبض علي المسيحي الذي أعاد يث الفقرة الإعلامية ويحاكم بتهمة اذراء الإسلام. لكن حين تُهدِر مكبرات الصوت فى الجوامع والزوايا أو حتى من كاستات وسائل المواصلات، بأصوات أأمة يجهلون روح الدين الإسلامى الصحيح بسب أهل الكتاب معتبرينهم كفرة ومشركين وأحفاد القردة والخنازير، وحين يطلب المتضررون وقف ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد معتبرين ذلك تدخلا فى جوهر الدين....!!
أيضا هناك ازدواجية فى نظرتنا للرجل التى تختلف كلية عن نظرتنا للمرأة، فما نقبله للرجل نحرمه بشدة على المرأة وأن كان فى الحقيقة هو السبب الرئيسى للجرم، وإليكم هذا المثل:
- قضية السيدة زفران بيبى، هى سيدة باكستانية، زوجها نيامات خان مسجون لارتكابه جريمة. استغل شقيق زوجها جمال خان ضعفها ووحدتها واغتصبها عنوة بعد مقاومة عنيفة، بعدها شكت لوالديه فلم يكترثا، نتج عن هذا الاغتصاب حمل وولادة. اقتيدت السيدة زفران الى السجن بتهمة ارتكاب جريمة الزنا ودليلها بين يديها، حكم القاضى عليها بعقوبة الموت رجما تطبيقا للشريعةالإسلامية. أما المجرم الحقيقى فقد خرج من القضية دون إدانة، وقال القاضى : حتى يدان جمال خان بجرمه لا بد من شهادة أربع رجال مسلمين عدول يشهدون بأنهم شاهدوا بأنفسهم الجريمة...أليست هذه إزدواجية فى النظرة....!!
لابد لنا من التخلص عن هذه الازواجية فى التفكير، والنظر للأمور كانت لنا أو علينا بنفس النظرة حتى نكتسب احترام العالم لنا، وبالتالى ينظر العالم لقضايانا العادلة بكل جدية واحترام، لأنه في الحقية التي لا نعيها "أن المبادئ لا تتجزأ".