مصادر وتاريخ الموسيقى العربية

محيي الدين ابراهيم
2018 / 2 / 10

بقلم محيي الدين ابراهيم
كاتب وإعلامي مصري

من المدهش أو ربما من العار أن معظم تاريخنا العربي ( النوعي ) لا نكتبه نحن العرب، بل يكتبه ويجتهد فيه وفي البحث عنه وإخراجه للنور المستشرقون الأجانب!، ثم يأتي دورنا في الأخذ عنهم وعن مافندوه هم من آراء ووجهات نظر وتمحيص دون أي جهد أو إجتهاد منا، والمدهش رغم حصولنا على مايخصنا منهم ببساطة ودون عناء ننقسم إلى فسطاطين، فسطاط يلعنهم إن أخرجوا مسائل لا تروقه، وفسطاط يستشهد بهم وكأنهم أنبياء منزلين من عند الله لما وجد فيما أخرجوه للنور مايروقه، وفي كلا الحالين – حال الفسطاطين - نحن جهله متواكلون لانهتم بكبريائنا القومي ولا العربي ولا حتى الإسلامي إلا إذا أهتم به الغرب وبحث فيه وقام بتمحيصه من وجهة نظره.
ومن أهم مانمتلكه نحن العرب ( نوعياً ) ولا نعلم عنه شيئاً ولم يستفزنا انتمائنا العربي ولو استفزازاً هيناً في البحث عنه هو ( تاريخ ومصادر الموسيقى العربية ) حتى جاءنا هذا التاريخ بعد بحث عميق وتمحيص مضني استمر مدة من الزمن لمستشرق إنجليزي يدعي " هنري جورج فارمر" في رسالة دكتوراه من جامعة أكسفورد بإنجلترا عام 1902 م وساعده بالنصيحة في هذه الرساله الدكتور " ت . هـ . واير" محاضر اللغة العربية بجامعة "جلاسجو " وأشرف عليها وعلى منحه الدكتوراة الأستاذ " د . س . مرجليوث" بجامعة أكسفورد.
مترجم الرسالة هو الأستاذ الكبير حسين نصار شيخ المحققين العرب،(25 أكتوبر1925- 29 نوفمبر 2017) والذي راعى في مقدمة ترجمته لهذه الرسالة بعد أن أنتهي من ترجمتها عام 1925 م والذي نشرته فيما بعد مكتبة مصر بالقاهرة عام 1956م أن يقدم تصدير الباحث المؤلف الدكتور " هنري جورج فارمر" الذي يقول في تصديره:
راعيت في هذا الكتاب المنهج التاريخي ( المتفق عليه ) لأنه يناسب غرضي، ولم أكن لأستطيع أن أشير إلى كيفية اتصال الثقافة بالنظام الاجتماعي والسياسي إلا باتخاذ هذا المنهج.
وقسمت كل باب إلى ثلاثة فصول يتناول أولها العوامل الاجتماعية السياسية المسيطرة على الثقافة ( الموسيقية ) العامة، ويصف ثانيهما حياة العصر الموسيقية، ويذكر تفاصيل الموسيقى النظرية والعملية، وابتعدت، جهدي عن المصطلحات، وإن كنت آمل أن أتناول نظرية الموسيقى العربية وعلمها بالتفصيل وكذا من الوجهة التاريخية في مجلد ملحق بهذا.
وقصرت الفصل الثالث على تراجم المشهورين من المؤلفين والمغنيين والعازفين، وأصحاب النظريات والعلماء والكتاب. ( إنتهى هنا تصدير المؤلف )
والكتاب من خلال الفهرس كما قال المؤلف في تصديره ثلاث أبواب مقسمة إلى سبعة فصول، الفصل الأول يتحدث عن العصر الجاهلي، والفصل الثاني عن الإسلام والموسيقى، والفصل الثالث عن الخلفاء الراشدين، والفصل الرابع عن الأمويين ( دمشق – الأندلس)، والفصل الخامس عن العباسيين ( العصر الذهبي )، والفصل السادس عن العباسيين ( عصر الإنحطاط )، أما الفصل السابع والأخير فيتحدث عن العباسيين ( عصر السقوط ).
ولتقريب الصورة العامة للكتاب يقول حسين نصار شيخ المحققين ومترجم الكتاب:
" يتناول هذا الكتاب تاريخ ومصادر الموسيقى العربية منذ أقدم عصورها حتى القرن الثالث عشر الميلادي، أو حتى سقوط بغداد في القرن السابع الهجري، ولا يقتصر كلام المؤلف على ناحية من النواحي الموسيقية، ولا على إقليم من الأقاليم الإسلامية، بل يصور التطور الموسيقي من جميع نواحيه، في جميع أقاليم العالم الإسلامي.
وجعل المؤلف لكتابه خطة واضحة بحيث جعله ثلاثة أقسام، القسم الأول يتناول المنحى السياسي وتعاقب الخلفاء ونظرة كل منهم للموسيقى والفنون عامة، والقسم الثاني يعالج التيار الموسيقي من حيث تطور الآلات والكتب التي تم تأليفها والآراء التي شاعت وما ماثل ذلك، أما القسم الثالث والأخير فقد خصصه المؤلف لترجمة فاحصة عن الموسيقيين والموسيقيات، ولعل المؤلف له أسبابه المنطقية في انتهاج هذه الخطة، ومن أهم تلك الأسباب ما ساقها المؤلف نفسه عن خطة كتابه وبأنها ما جاءت على هذا النحو إلا نظراً لما كانت تعتمدعليه الثقافة العربية والإسلامية آنذاك من نظم اجتماعية وسياسية، وهي النظم التي تتجلى بوضوح في نظام "الخلافة" ومن ثم كان لزاماً على خطة الكتاب أن تتكلم عن الخلفاء والولاة قبل أي شئ، كي يدرك القارئ الأحوال الثقافية منذ بداية الأمر.
والمؤلف " د. هنري جورج فارمر" في كتابه ومنذ الوهلة الأولى شغوف بالموسيقى العربية، مدافعاً عنها، يرى أنها عربية خالصة، لم تتاثر بآثار أجنبية إلا في زمن متأخر، وهو في هذا الكتاب يرد على مخالفيه، بل ويلح بشرف في هذا الرد.
وواضح أن الكتاب عظيم الخطر في ميدان الموسيقى العربي، ولكنه إلى جانب ذلك عظيم النفع في الجانب الأدبي والاجتماعي، إذ يعطينا من المعلومات مما لا نجده في غيره من الكتب، أو مما لا نجده بمثل هذا الوضوح الذي هو عليه فيه."