قراءة في نص لإبراهيم البهرزي....

سلام كاظم فرج
2018 / 2 / 9

الصدمة الهائلة (قراءة في نص لإبراهيم البهرزي..)

سلام كاظم فرج
شاعر مثل إبراهيم البهرزي تستحق قصائده نقادا على قدر من المهنية والخبرة ويمتلكون أدواتا نقدية يشتغلون عليها لتفكيك النص وسبر غور إنزياحاته وتشفيراته ورموزه والنص الذي بين يدي ( غنوا لنضحك أيها الرفاق..) يحمل ما يكفي من الانزياحات لتجعله قمينا بقاموس شعري لكل مفردة او جملة او إنتقالة ... وما أعرفه عن ضعف أدواتي ناقدا ومتذوقا لم يمنعني من الإعجاب العالي بالنص والتفكير بإعادة ترتيله وموسقته لكي أفهمه اكثر .. وأتذوق سحر إضطرابه .. وهارمونية صوره / لواقع صادم ومضطرب.. عبقرية الشاعر تكمن هنا في نيكتيف الصورة. لا في الصورة ذاتها.... الواقع صادم بشكل مهول.. ومضطرب.. وسخيف .. سخفه قد يصل الى العبث الكلي.. لكن الصور التي يلتقطها الشاعر لهذا الواقع تحمل هارمونية عجيبة.. وتناغم بين السطر الأول .. السطر الذي جعله مفتاحا وبداية لدخول جورنيكا عراقية بإمتياز( غنوا لنضحك..) وكأنه يقول تعالوا لنبدا المشهد الأول من جحيم دانتي ..( يعتقد ان علاقته الزوجية الوحيدة مع البلاد/ حدثت صدفة في السجن....)..العلاقة الزوجية هنا متشظية الإنزياحات..وكما في قواميس اللغة تمتلك المفردة الواحدة معان عدة.. جعل البهرزي لمفردة العلاقة الزوجية معان عديدة تحار في اختيار أقربها إلى الفهم.. فما دامت هي زوجية فإنها تمتلك شرعية ما... ولكن من اعطاها هذا الشرعية؟؟
(هو) ذلك الذي يعتقد إن... وهو هنا قناع الشاعر نفسه الذي يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب.. ثمة إبهام في الفعل يعتقد.. تجعله محل شك.. فهو مجرد اعتقاد. لا يلبث الشاعر ان يدحضه وبقوة.. ويفنده في صور سريعة ومتتالية تربك الزمان والمكان..وتعتمد الفلاش باك .. لنفهم ان هذا السجن او هذه العلاقة (الشرعية ) والمكتسبة شرعيتها من مفردة الزواج تمتد في الماضي لتتجاوز الخمسين عاما..!!( هل هو منتصف تموز 1968؟... ربما..) ان قدرة الشاعر على تحويل التتابع المحض للأحداث إلى صور مدهشة تجعل الانتقال بين مفردات (الزواج..تعدد الأزواج.. ما قبل الزواج.. العشيقة.. الحبيبة.. العشيقة متعددة العشاق.. الفرق بين البلاد الزوجة والبلاد العشيقة..) أقول ان قدرة الشاعر هذه تحيلني الى فكرة غامضة أعرفها عن ( لحظة الزمن المنفلق) اللحظة التي تعني دهرا..اللحظة التي يعبر عنها لاهوتيا بالقسمة التي حدثت ولا يمكن لأحد أن يغيرها حتى الإله.. فقد حدثت وانتهت.. لكنها لم تنته في وجدان الشاعر.. وهو يحاول أن يؤبدها بالحديث عنها لاغير.. ( البلاد الزوجة هي ندم على البلاد العشيقة..).. الحديث هنا إذا عن بلاد ذات شأن.. ولحظة ذات شأن..ولكن البهرزي هنا يتحدث (عن شيء ملعون يتبعه آخر..) كما يقول مارش.. او ما يسميه الفرق بين (الأزمنة وإمارات تلك الأزمنة..) البهرزي هنا يتناول زمانا كان فيه العشق عبارة عن ( مغامرات عابرة وغزل سخيف..أيام كانت الحبيبة تسبح عارية بلا ضفاف..) هذه الأزمنة وإماراتها تعود الى ما قبل السجن.. ما قبل الزواج.. حب بسيط ساذج.. لسيدة ساذجة..(هي البلاد.. او الأمة.. ). لابطولة هناك.. ولا إدعاءات فارغة.. وحتى ان كانت ثمة بطولة فهي في كل الأحوال قد تحولت إلى (دفقة دم بين الفخذين..في سجن الصدفة والتنكيل..!!) حلم الغواية الجميل القديم والقبل السريعة الهاربة.. تحول الى رؤيا ملعونة تتبعها أخرى..فمئات من صنوف الشعب تضاجع زوجة واحدة..( كان الجميع مثلي يتذكر في فراش الزوجة الواحدة.. ) هذا الانتقال المفجع من استعمال صيغة الغائب الى صيغة المتكلم..يماهي فوضى الانتقالات المرعبة بين أحضان الرجال..وما دامت البلاد وهي تحتفل بثورة تعقبها ثورة لابد للشاعر ان يظهر بمظهر المخادع.. والماكر.. ليعود سريعا لينقل لنا خبرا مهما.. (وحين اكتشفواإنها كانت تمحض ودا...للجميع..) ووعودا باطلة.. بالإخلاص.. اكتشفوا أية عاهرة صارت نصيبهم في السجون..
هنا لا بد من البحث عن المفردات الغائبة المختبئة في النص.. تلك التي لم ترد إطلاقا . أستطيع ان أجازف لإوردها ( الأمة..المناضل.. المخدوع.. المناضل المخدوع.. الشعب.. البروليتاريا.. حثالة البروليتاريا أو البروليتاريا الرثة... السجين السياسي(سجين الرأي..) والسجين العادي( الأول والثاني والثالث والخامس والعاشر..) هنا السجين السياسي ليس مفهوما مجردا كما نعهده في كل القصائد.. البهرزي وحده وفي نص واحد أشار وكإنه إسرافيل الى أجناس متعددة ومتناقضة من السجناء السياسيين .. في أولئك الذين يعتقدون بشرعية زواجهم من تلك السيدة.. وتلك السيدة نفسها .. هي نفسها التي تهلهل الشعر والاغاني لقادة الفتوح وقادة الثورات الثلاث او الأربع أو العشر.. لافرق..
وفي صورة مرعبة وصادمة وهائلة التجريد يقول الشاعر(كان الحرس القتلة يرغمونناعلى الوقوف بالدورعلى باب المرحاض..) حيث كانت تقعي ككلبة حائض..!!!!) في السجن كانت تلك الحبيبة المتخيلة الجميلة هي التي تقعي مريضة ككلبة حائض. لا تعلم شيئا عن وجدان الشاعر ولا تعي سبب سجنه ولا تملك قدرة على فك أسره او السؤال عنه.بل هي ذاهلة عنها بحيضها الكذوب....
صورة عجيبة غير مسبوقة.. مجموعة من الرجال ينتظرون الدور لدخول مرحاض السجن وهناك رجال آخرون هم الحرس المناوب.. ولكن هناك (هي..) كانت تقعي...) الصورة (صورتها هي )هنا في ذهن الشاعر/ هي الزوجة الهائلة الأزواج.. حيث ان مفردة متعددة الأزواج تقصر عن التعبير..
لا استطيع ان أكمل قراءة هذا النص الهائل الإيحاءات.. فالإدعاء في :إستيعاب كل صوره مجازفة غير مضمونة العواقب.. لكني فقط أود أن أنوه.. ان البهرزي يمتلك القدرة كصاحب إسلوب شعري غريب وغير مسبوق في إيصالنا إلى درجة من الغرق في البحث عن مفردات لم يقلها لكنها موجودة..( الحب العذري/ مبررات الحب العذري/ خيبة الأمل..
الضياع.. اللؤم.. الغدر.. الفتك.. الإزدراء..إخلاف الظن..تأريخ الإنقلابات..تأريخ بلدة.. تأريخ قرية.. تأريخ وطن.. أمة.. شعب.. نقاء.. عهر..أغاني.. مهازل.. جد.. تضحية.. موت.. فناء..صمت .. صمت السماء. او صمت العصافير.. او صمت شجرة السدر.. ديالى.. بغداد.. عراق.. عالم.. كل البلدان.. أرض / وجود..
وبعد/ لا أحبذ الرؤية المسطحة للنص بإعتباره هجاء مرا ...فالنص اكبر من ذلك بكثير..والمعنى الكامل للنص لا يمكن إدراكه إلا بالنظر إليه بطرق مختلفة .. وقد تكون متناقضة.. فالشاعر يتعمد التشويش.. وتغييم الرؤية.. او تضبيبها ليمعن في بث رموزه المتعددة الرؤوس لمفردة او حالة واحدة. وليمعن في تبيان حجم الكارثة او حجم الصدمة الهائلة التي تفوق صدمة المسجون من اجل شرف سيدة يكتشف لاحقا انها مباحة للجميع.. وشرعية للجميع.. وتمحض ودها للجميع.. فهي العاهرة والجائرة والغادرة. والمسكينة والمغدورة . والمستباحة.. والسجين أيضا . في تشفيرات الشاعر.. هو العاشق والمخادع والمخدوع والمغدور والمهضوم الحق.. وليتحول في آخر المشهد الى اللئيم الذي يتمنى وبلؤم رهيب. أن يقع الجميع بمثل ما وقع فيه. وتلك امنية تحمل في طياتها ما يمكن ان نسميه بتنويع الأثر وتضخيم المأساة.. التي قد تشبه وهنا قد لايكون من حقي ان أقرر الخيار الذي اختاره الشاعر لفهم خاتمة نصه.. لكني أجازف لأقول إنه يشبه في تراجيديته هذه... مشهد الرجل السوي حين يرى ان شقيقه او رفيق عمره او طفله يتمنى له الأسوأ .. هنا تبلغ الصدمة غايتها..وهنا يتسامى النص كما تتسامى نيران الجحيم لتغطي كل الفواجع.. تليدها وطريفها...
................
............ النص غنوا لنضحك أيها الرفاق
إبراهيم البهرزي...
غنّوا لنضحك أيها الرفاق !
يعتقدُ أن َّ علاقته الزوجية الوحيدة مع البلاد
حدثتْ صدفة ً في سجنٍ ....
أكثر من خمسةِ عقودٍ أضاعها قبل َ سِجنهِ
في مغامرات عاطفية مع البلاد
مغامرات تتراوح بين قُبَل ٍ عابرة
وغزلٍ سخيف ٍ
وسرقة َملابسها الداخلية
أيام كانت في زمان الحروب
تسبحُ عاريةً
في نهرٍ بلاضفاف
البلاد الزوجة هي نَدَم ٌ على البلاد العشيقة :
كل تلك الرغبات الهائمة لم تعد غير دفقة دم بين الفخذين .
في سجن الصدفة والتنكيل
مئات من صنوف الشعب تضاجع زوجة واحدةً
في طهرها وطمثها
كان الجميع مثلي
يتذكر ُ في فراش ِ الزوجة الواحدة
أيام حبّه المهدورة خارج السجن
الجميع يتذكر خَفرها الممتنع وحسن سيرتها
وحين اكتشفوا انها كانت تمحض ودّا للجميع
ووعودا باطلة بالإخلاص
اكتشفوا أية عاهرة صارت نصيبهم في السجون
كانت ندبات الجَرب تتسلق ساقيها
وُشُوما تذكِّرَهُم بما صاروا اليه،
وأثر النهدين المقطوعين يعيد ذكريات الهيام الفاشل
برُمّانات ِ تشرين
كان كل سجينٍ أعزبٌ قبل مصيره هذا
البلاد تتزوجنا جميعاً حين نُسجَن ُ
بل هي تسعى لسجننا
لأجل ِ أن نكتشفَ أي َّ شعب ٍ ديوّث ٍ صرنا
فلّاحٌ لا يدري لم َ هو في السجن
ينتحرُ لان سجينا حشاشا ً يباشرُ علَنَاً
من ظنها حَرَمهُ !
جنديٌّ قاتلٌ آخرَ
كان يدري أن زوجتهُ هي زوجة الجميع
ومع ذلك يعتقد ُ انها له ُ وحدهُ
مكافئةً عن حرب ٍ خاضها مراراً لاجلها...
كان الحرسُ القتلة
يرغمونا على الوقوف بالدَور على باب المرحاض
حيث كانت تقعي ككلبة ٍ حائضٍ ،
كل الشعر والاغنيات التي يتفكرها عشاقها بالامس
صارَتْ تسيل ُ على فخذيها
بولا ً وسوائلَ زرقاء مشوبةً بالدم.
هذه الرؤيا ، رؤيا زوجة الجميع خلف القضبان
توقظنا من غربة السنينِ النائمةِ في حبّها،
ترحمُ الدولة ُ بعضا ً من شعبها حين َ تودعهم السجونَ
فلا يفيقُ المواطنُ من حلم البلاد وعسلها
إلّا ساعةَ يمُرُّ بهذا المطهرِ ..
نحن المطهّرون أيتها البلاد المأجورة
تخلَّصْنا من عبء الذكريات الجميلة
ذكرياتَ حبّك الموهوم
ننظر الان لقصائد الحب ِّ فيك
نظرة َ لئيمٍ يضحك ُ في عبّه.
هذه المعشوقة الخالدة
كانت مرَّةً عاهرتنا جميعاً
نحن ُ السجناءُ الاشرار والطيبونَ ،
أعداءُ الدولةِ لسببٍ شريف ٍ أو دنيءٍ .
لايتزوج البلادَ شرعا ً
إلا من أودعَ سجونها لمَرَّةٍ
حقّا ً أو باطلا ً
الدولة تجعلنا قواّدين على بلادنا
لأجل أن يظل الغبيُّ يغني لها خارجَ السجن
أغاني الحب العذري
ونظلُّ نضحكُ بِلُؤم ٍ وشماتة !