سؤال الموت: عندما نَمَتْ روح أبي، مات

لطيفة الحياة
2018 / 2 / 9

أكتب في هذه اللحظة من هذا اليوم (10 فبراير 2018)، وقد مر على هجرتك سنة كاملة يا والدي وأبي مبارك. هاجرت بعد ثمانية أيام من مشاركتك احتفالنا بعيد ميلادي الثالث والأربعون. هاجرت وتركتني في هذا العمر الرقمي وبهذا النضج القلبي الذي فيه من رحيق تربيتك الكثير الكثير. هاجرت وأنت الذي كنت تتنبأ بقرب موعد هجرتك؛ فتفصح لنا عنه بكلمات حكيمة مختصرة، تتخللها ضحكاتك الخفيفة المعبرة عن أريحيتك التامة وصدق إحساسك بما تقول.
والعجيب يا والدي وأبي أنه حتى في هذه الفترة الأخيرة من عمرك الرقمي-الممتد شهورا- كنت لنا أبا حقيقيا ومربيا قويا، إذ عشنا معك أيها الفلاح الشجاع علاقة حميمية مع الموت وإحساسك الصادق به. مما جعلها فترة خشوع رهيبة، تلقينا فيها طاقتك التي أذاقتنا طعم الموت بما تابعناه معك من مشاهد عظيمة تبرز تقبلك له وعدم خوفك منه، بل وترحيبك به فاتحا ذراعيك له دون تردد أو هروب. تعلمنا معك ومن خلالك ومن بعد موتك حكما كثيرة، على رأسها:
- من يحيا بقلب صادق يتنبأ بموعد موته وهو في كامل وعيه.
- من يستسلم للحياة دون خوف يستسلم للموت دون خوف.
- من يحيا بشجاعة وقوة يموت بشجاعة وقوة.
- من يقدس الحياة يقدس الموت.
- من يحيا بوعي تام يموت بوعي تام.
- من يستمتع بحياته يستمتع بنشوة موته دون قلق ولا غضب ولا رفض.
لا ننكر أنك كنت لنا معلما بحياتك وبموتك، لذلك أناديك والدي وآبي وأنا على وعي تام بأن "الوالد" غير "الأب" ، وأن كثير من الوالدين لم يكونوا آباء، لأنهم لم يستطيعوا تجاوز أدوارهم البيولوجية في علاقتهم بأولادهم. فهنيئا لك لأنك على الرغم من كل الظروف توفقت في الجمع بينهما، فكنت لنا والدا وأبا وكنا لك أولادا وأبناءً ربيتنا بمنهاجك التربوي المؤسس على القناعة والطيبة والعطاء اللامحدود. علمتنا ألا ننحني مهما كان الثمن، وأن لا نفني أعمارنا في اللهث وراء الأشياء والممتلكات. علمتنا أن نتحصن ضد الهشاشة والزيف والنفاق.
نعم مرت سنة كاملة ومازلت أسمي اختفاء جسدك "هجرة" وليس "رحيلا" ولا "فراقا" وما ينبغي له. فكيف له أن يكون رحيلا وأنت معنا في عالم المادة؛ حيث تحررت روحك من جسدك الذي تعب وكبر فاختار الفناء عبر التفكك من هيئة وشكل ولون محدد ليعاد ظهوره بتركيب جديد وفي هيئات وأشكال وألوان وكائنات أخرى مختلفة ومتعددة؟ وكيف له أن يكون فراقا وروحك تكاد ترافقني كل لحظة وحين، بما زرعته في قلبي من قيم وحكم؟
سامحني يا والدي وأبي على تمردي عليهم بعد هجرتك. لقد هربت من جماهير الناس التي لم توقفها غزارة الأمطار ولا طول المسافات من القدوم لتعزية أبنائك وبناتك. جاءوا ليعزوا زوجك التي لم تعد زوجك في مسكن لم يعد مسكنك وفراش لم يعد فراشك وأثاث لم يعد أثاثك. هربت منهم جميعا تاركة لهم أمي التي ألبسوها البياض حزنا عليك، وانهالت عليها النساء بالنصائح والمواعظ التي ما أنزل بها الله من سلطان. وصايا واجتهادات مؤسسة على القيل والقال، تصل بهتانهم برسول الله عبر فلان وعلان. هربت منهم جميعا تاركة خلفي إخواني وأخواتي يبددون حزنهم في السهر على تنفيذ التفاصيل الاجتماعية لاستقبال واستضافة وخدمة المعزين.
أجل يا والدي وأبي هربت من تقاليد وعادات عزائهم، فقصدت المسكن القديم حيث ربيتني أنت وأمي (السيدة العظيمة) وسط الطبيعة الحية. هربت من جفاف عباراتهم الجاهزة والموروثة عن الموت. هربت من كلمات تعازيهم الباهتة، لأنها مجرد محفوظات مكررة تجري على ألسنة مغيبة. هربت من كل هؤلاء، لأنني لم أجد في مضامين أقوالهم ما يشفي وجعي الداخلي ويجيب على أسئلتي الوجودية: ماهو الموت؟ ولماذا الموت؟
تحت تلك الشجرة الخضراء العالية والضخمة حيث كنت تجلس على كرسيك الأبيض متأملا ومراقبا، جلست وبكيت ثم بكيت وبكيت. أنظر عاليا وأقول: هاهو الكرسي نفسه والشجرة نفسها لكن أينك أنت يا والدي وأبي؟ تحت تلك الشجرة الخضراء غصت في أعماقي باحثة عن إجابات تشفي غليلي وتوقف دموعي وبكائي. تحت تلك الشجرة سألت الكرسي،سألت الطير، سألت النمل، سألت النحل، سألت كل حشرة تقترب مني. تحت تلك الشجرة صرخت عاليا: ماهو الموت؟ ولماذا الموت؟ تحت تلك الشجرة صرخت باكية: أين أنت يا أبي؟ أريد رؤيتك؟ اشتقت لك؟
لازمت الشجرة شهرين متتاليين، أتردد عليها يوما بعد يوم إلى أن شجعتني على زيارة البحر ومحادثته. وهناك بشاطئ أكادير وفي احدى الأمسيات، تمشيت حتى مكان لا ضجيج فيه ولا ازدحام. هناك جلست بسلام أفترش الرمال، أراقب هيجان البحر وتلاطم الأمواج. سحرني المنظر فأخذني بعيدا، هناك حيث تبدأ تلك الموجة تجميع نفسها وتشكيل قوتها. هناك حيث تولد شيئا فشيئا ثم تكبر وتكبر حتى تصبح سدا عاليا يتجه نحوي. لكن هيهات هيهات فما أن تقترب من الشاطئ حتى تتبدد وتختفي. أين اختفت الموجة؟ أين ذهبت؟ لماذا اختفت؟
لقد تبددت في المياه، غابت في البحر. عادت أدراجها من حيث أتت، لتعيد تركيب نفسها من جديد في موجة مقبلة جديدة. كذلك هو والدي لم ينته من هذا الكون وإن اختفى جسده. إنه فقط عاد من حيث أتى ليعيد تركيب نفسه في هيئة أخرى. فكما لم تغادر الموجة البحر لم تغادر روح والدي الوجود وان اختفى حاملُهَا (الجسد) وتفكك، فأكلت منه الديدان .
إنها رحلة عناق الروح والجسد. رحلة نمو وتدفق، يكبر الجسد ثم يكبر حتى يهرم، فيعجز عن استيعاب نمو الروح التي لا تجد سبيلا سوى التحرر منه لتتخذ أشكالا أخرى. إنها رحلة نمو ومسار وجودي تفسخ فيه الروح جسدها الذي لم يعد يستوعبها.
فالموت ليس نهاية، ولكنه ازهار للحياة وتتويج لها.