-معزوفة الفقد والوجع-..تجليات رومانسية وملاحظات نقدية

محمود عبد الرحيم
2018 / 2 / 9

"معزوقة الفقد والوجع".. تجليات رومانسية وملاحظات نقدية

محمود عبد الرحيم:*
"معزوفة الفقد والوجع" رواية جديدة للكاتبة رحاب عمر، يمكن نسبتها للأدب الرومانسي بكل ما تحويه من ألم ولوعة واشتياق وهجر وحب وفقد وتضحية ، وهو ما حرصت الكاتبة على تصديره للقارئ منذ العنوان وصورة الغلاف لفتاة تنتظر في غابة شبه مظلمة.
وربما هذا اللون يجذب الكتاب الجدد ظنا منهم أنه يروق لقطاعات واسعة من الجمهور، خاصة الشباب ومحدودي الثقافة، لكن يبقي الأدب الواقعي في تصوري هو الأكثر تعبيرا عن الواقع والذي يمكن تحميله برسائل عدة ذات قيم جمالية وفكرية، خاصة أن الرواية فيما أعتقد مرآة للواقع بكل تجلياته وصراعاته، بينما الشعر هو الأقرب للتعبير عن الذات وهذا الحس الرومانسي.
وإذا ما نظرنا إلى هذه الرواية في سياق أنها التجربة الروائية الأولى لرحاب فيمكن التماس الأعذار لها والترحيب بها كموهبة جديدة ما زالت تبحث عن صوتها الذاتي وتحققها كروائية، خاصة أنها بالفعل تمتلك القدرة على السرد وتمتلك ناصية اللغة مع كثير من الملاحظات الناتجة عن نقص الخبرة.
صحيح أننا يمكننا أن نتوقف عند ثلاث مستويات للغة وظفتها في ثنايا عملها الروائي الأول بعضها جيد وبعضها غير جيد.
أولا:لغة شاعرية توظف فيه المجاز والوصف الموحي ببراعة وحساسية خاصة وبجمل محملة بطاقة عاطفية مؤثرة أقرب للشعر، وهو يناسب لحظات التأمل أو استبطان الذات أو وصف حالة مزاجية ما.
وثانيا:لغة تقريرية بجمل قصير موجزة ذات إيقاع سريع لاهث، وهو أمر محمود في حالات الوصف وإيصال أكبر كم ممكن من المعلومات والوقائع.
وثالثا: لغة الخواطر بما تحويه من تعبيرات مجانية تعرقل السرد وتبطئ الإيقاع وبجمل غير مؤثرة في البناء الروائي وهو أمر غير مرغوب.
وما يأخذ على الروائية في هذا الإطار أيضا إصرارها على استخدام بعض المفردات الفصحى المهجورة في بعض الأحيان من قبيل "تبا لك"، وتحرجها من استخدام بعض العبارات العامية في سياق الجمل الحوارية رغم أن هذا يعطي للعمل بعض المرونة والقرب من الواقعية.
وعلى صعيد السرد، استخدمت أكثر من صوت بدون داعي وبما كان يحدث بعض الارتباك في استيعاب الأحداث، خاصة أن بنية الرواية بسيطة ولا تحتاج لأكثر من صوت في رواية أحداثها، ثم أن أمسكت بخيط "كانتفاضة يناير" كان يمكن أن يعطي للبناء الروائي عمقا أكثر إذا ما تم مده على استقامته وخلق نوع من الجدلية بين تداعياته وإحداثه وبين حكاية الحب والفراق، ثم أن وجود الحبيب أو اختياره السفر لتركيا دون غيرها لم تستفيد منها كإشارة مثلا على هويته مثلا الدينية أو خلفية الواقع السياسية ما بعد 30 يونيو، حيث لم تبالي الروائية كثيرا بالبناء النفسي والاجتماعي لشخصيات العمل ولا بالمقاربة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الذي يعيشونه فيه، لأن كل تركيزها كان على الحكاية العاطفية وما يرتبط بها من مشاعر الفقد وألم الفراق.
صحيح أن الروائية كانت تحاول من وقت لآخر أن تكسر رتابة هذه الحالة بإدخال علاقات موازية للأخت والزوج الأخر وعلاقات كل منهم التي بعضها يدخل في باب الخيانة الزوجية أو البحث عن التحقق في علاقة أخرى، لكن الحالة الوصفية الرومانسية هي التي كانت مسيطرة عليها بشكل أحادي فيه اجتزاء للواقع وابتسار له، فضلا عن الاستسهال في الوصول لنهايات سريعة أو عقاب أخلاقي لبعض الشخصيات أو انقلابات في الأحداث غير مبررة كالموت في حادث مثلا أو ما شاب أو النهاية السعيدة.
على أي حال، تبقي هذه الرواية محاولة لا بأس بها للكاتبة، وإن كان عليها أن تؤكد موهبتها أكثر في الأعمال القادمة وتتحرر من هذه القوالب والاستدعاءات لروايات باتت من الماضي وتاريخ الأدب كرواية "زينب".