نصف ساعة من المشي

هاله ابوليل
2018 / 1 / 5

لنطرح جانبا موضوع الرثاء والإحساس الغارق بالأسى , من مناظر بشرية لأشباح تنقصها السعادة - شاحبة وكئيبة تعترض طريقك ,وهذه الطريق التي تعرفها وتحفظها أكثر من خريطة بلدك التي لم يتسنى لك زيارة أجمل آثارها التي تقرأ عنها بالنشرات المخصصة للسياح .وهي قاب قوسين منك وأدنى ولكنك تفكر بأن المال الذي ستنفقه هناك سيكون نوع من التبذير الذي نهى الله عنه حيث أن أولوياتك في الحياة أهم من رؤية حجارة عفا عليها الزمن كما تريد أنتأن تراها وليكن معلوما للقارىء بالنسبة لي أنا أراها ثروة حجرية لا تقدر بثمن ) هذا عوضا عما سينتابك من شعور بانك مستهدف وخاصة جيبتك 0 التي سينظر إليها بكونها كنز لابد من إنفاقه وإنك لبخيل إن لم تفعل ذلك نعم , سيزيدون سعر كوب الشاي الذي لا تساوي تكلفته قروش بما لا يقل عن النصف دينار ( يا للهول كيف يفكر هذا الرجل !!) وستشرب كوبا من العصير هو عبارة عن مسحوق رخيص ببودرة ملونة لا غير وسيقبضون منك ثمن تثليجها وأنت ترى البحر من بعيد لأنك لن تدفع خمسة عشر دينارا ثمن جولة بحرية ستبدد دراهمك لذا عليك أن تنسى فكرة الرحلات و فكر معنا في إستثمار وقتك في أمور تجلب لك الحظ والمال لكي تحظى بشيخوخة محترمة
ففي النهاية ستكون آخرتك مثل كل العجائز ظهر محودب وعكاز و رجل ينشف علاقات الشاي لكي يعيد تدويرها بحجة أن لها طعما تستسيغه , لذا فعليك - إذا ما تورطت و اشتريت كوبا من الشاي بمثل ذلك السعر الذي أرعبك سابقا أن تحتفظ بالكوب فقد تعيد إستخدامه , لذا فاحترس .لئلا يخدعوك !

هذه الطريق التي أتحدث عنها والتي إستغرقت حتى قطعتها نصف ساعة أو أكثر لا يهم , هي طريق مرصوفة بالوجوه الكئيبة التي تمشي على أرضيأت متسخة, مليئة بالأوراق المبللة من كتب مدرسية ممزقة لم يدفع ولي الأمر ثمنها لكي يحترمها ويتركها لأولاده الآخرين . وعلينا أن نكون حازمين بمسألة تمزيق الكتب المدرسية وعلى وزير التربية أن يكف عن التنظير !!
ولا تنسى كم الأوساخ المرماة على قارعة الطريق بعد ليلة ماطرة مليئة بالطين اللازب والوجوه الكالحة -الناشفة و البعيدة عن الصحة والخدود المتورمة من الشبع . وهنا على وزير النظافة (هل يوجد وزير للنظافة !! لقد سمعت بأن هناك وزارة للسعادة فلماذا لا يوجد وزارة للمطلقين مثلا لكي أنظم إليها و اصير عضو ا فعالا في منظمة محترمة!!
عليه الكف عن سرقة المواطنين بأخذ ضريبة النظافة من المواطنين وعمال الوطن الذين باتوا يفرحون بهذا اللقب ولكنهم في أول مواجهة مع الواقع ستتم معايرتهم بقسوة بمناداتهم: يا زبال
فنحن في مجتمع لا ينسى ولن ينسى و كيف ينسى !
هؤلاء عمال الوطن – المكافحين لا يهتمون بإزالة كل كيس مزقه قط جائع , نثر محتوياته على الأرض بلا ضمير وهرب لتبقى بعد هروبه كل تلك القاذورات في الشارع لا يرفعها أحد لأسابيع برائحة لا تزكم الأنوف لكل من يمر بجانبها فهل تم إفهامهم أن لا يرفعوا تلك الأكياس المفتوحة خوفا من البرستيج الذي يجلل مهنتهم .

نعم , .هي نفس الطريق التي ستصادفك فيها ! سنح وملامح لشباب مراهق ضائع و عيون زائغة كانت تشم الآغو كأرخص طريقه لجلب الخدر و لكي تنسى ولا أعرف ما الذي يريده مراهق من نفسه أن يكرهها على نسيانه
ما الذي يريد أن ينساه يا ترى فقد قضى اغلب عمره طفلا بلفاعه لمدة عشر سنوات ثم كبر لخمس سنوات فقط , فما تلك السنوات الخمس المرهقات لديه !
مراهق لم يرى شيئا بعد في حياته و يريد نسيانه في سن مبكرة . يا لعظمة ذلك النسيان ! وقوته !

ثم ستصادفك جوارب مرثية بخيط مختلف معلقة على أسيجة الشبابيك التي وضعت لحماية البيوت من اللصوص الذين لا يزورون مثل هكذا بيوت قديمة و مهترئة و متعفنة من قلة النظافة حيث تسكن الغرف أشباح من البشر القذرة التي تنام بجوارب متسخة و برائحة تزكم الأنوف .إنهم عائلة الأفلام التركية الذين لا يجدون وقتا للإستحمام ولا لتطهير البيت من الروائح العالقة به من الرطوبة والإتساخ , جدران مليئة بالسخام الأسود ونوافذ مكسورة وصنابير حمامات تنز قطراتها الملوثات من الماء في كل ثانية في سمفونية عذبة لا تروق للإذن التي إعتادت على مدار نصف قرن على الإستماع لأغاني وطنية ذات رتم عالي و لا تمس للوطن بشيء أو أغاني شعبية تلوث السمع والذائقة مثل أغنية "والله ولعبت يا زهر" أو تلك الأغنية التي نسيت اسمها للتو وللحظة .
لنطرح كل ذلك جانبا ودعونا نفكر بعدم طرح جانب الرثاء ولا الإحساس العميق بالشفقة التي تمتلك روحك الشفافة بالشعور بالآخرين وبمصابهم الحزين لأنهم لم يروا من بلاد الله الجميلة و الوسيعة - التي تشرف على البحار النظيفة والجزر الوديعة والشوارع النظيفة , فيعتقدون إن هذه البلاد هي أجمل البلاد من باب ما بثته الأغاني الوطنية في جذور وعصب أسماعهم من أن الوطن هو أغنية وطنية ترددها في المناسبات وأن الوطن مهما كان يعاني من سوء خدمات هو الوطن الذي يسكننا والذي يسكن فينا ,حتى ليسهل علينا قطع شجرة عمرها أكبر من تاريخ ولادة الوطن , لذا لا نتورع عن رمي قاذوراتنا في الشارع وعلى الآخرين بضمير مستريح , فالوطن يسكننا ونحن نسكن فيه
فيا لقوة هذه العبارة الجزلة التي امتلكت جوارحي للحين وللتو وللحظة .

وها أنت تسير بطرقات شعبية تمتلأ بها المدينة و مثخنة بأكياس قمامة عفرتها القطط السائبة في وطن تعشقه حد التضحية بروحك فيما لو جاء غريب واعترض على ما فيه من سوء وستتناول عينيك كل شيء ثابت في الشارع مثل الأضواء المكسورة على أعمدة طويلة بينها أسلاك مليئة بالنعال القديمة و الكنادر السوداء والحفايات المشقوقة والجزم لسبب تجهله
وسترى السيارات القديمة التي ينال أصحابها بعضا من شرور الحسد لأنهم يملكون عربة بأربع عجلات , ولكن هناك بائع البقالة الذي يرتجف عندما يرى قميص اخضر ينتمي لمؤسسة عسكرية , فيعتقد انه سيتم القبض عليه , فربما يحتفظ بثلاجته بدجاجة ميتة أو بحلويات منتهية الصلاحية أو ربما يخبأ أنواع من الدخان المهرب أو ربما يبيع مخدرات في كوب طويل العنق داخل علبة كرتونية متفق عليها لشباب مراهقين يجربون معنى - العطوس ,وكيف أن لها مذاق المخدر المنعش بعد ارتشاف كمية من ماء الأرجيلة بطعم التفاح .

دعونا ننسى ذلك الشعور المقرف في شوارع غارقة بالماء بعد يوم كامل من فتح حنفيات و صنابير البلدية التي تفتحها في يوم واحد لكل منطقة , حيث يغتسلون و يتحممون و يغسلون شعرهم بماء ساخن وشامبو رخيص ولا يتركون صابونة إلا وقد قضوا عليها وهم يفركون جلدا خشنا مليئا بالروائح المعتقة بالسعي وراء لقمة العيش في مطاردة حياتية يومية لا تنتهي .
ولا ننسى باعة الأعشاب التي تكثر في الشتاء بحيث يشجعون على فوائد تلك الأعشاب الخضراء التي أخرجتها الطبيعة بدون أي رعاية إنسانية بحيث تشتريها النسوة بسعر بخس ومهادن .
حيث تحوس الأمهات أوراق العلت و الخبيزة - قصيرة الأوراق أو السبانخ الذي يوضع مع أوراق الملوخية الناشفة لتكوين طبق لازب و قديم و لا طعم لديه بمذاق المراهقين الذين يعشقون الوجبات الجاهزة من الماك والكنتاك والبرغر وغيرها من طعام غير صحي ولكنه ذو إقبال منقطع النظير .
وبحيث يجد الشباب في هذه الأيام - طبق الأعشاب الخضراء بانتظارهم وذلك لقلة سعره ولغلاء اللحم الذي قد لا تجده في البيوت إلا نادرا حيث تتبرع به احدى الجمعيات الخيرية في محاولة من القائمين عليها بتوزيع كميات قليلة منه على الفقراء المسجلين في كشوفات تنقصها الدقة والأمانة ,حين يتم الإستيلاء على ما تبقى من الذبيحة لبيوتهم وهم شاكرين آية " القائمين عليها " وحقوقهم في أحقية سرق الأضحية .

وكما قلت , دعونا ننسى كل هذا الكلام الذي لا معنى له ولندلف إلى أول بؤر الفقر- التي يجدها الساسة والمسؤولين و الرفيعي المستوى مكانا وجيدا للحصول على المعونات الدولية وذلك لإحتضانهم الطويل الأمد لملف المهاجرين واللاجئين والمعثرين , حيث تصادفنا السيدة العجوز- الثمانينية - التي كانت تكبر زوجها بعشر سنوات وتحظى بحياة زوجية مريحة كما تدعي مع زوج قطعت رجلاه في حادث لا تعرفين عنه شيئا , وابن أشعل النار بجسده ومضى إلى دار الخلود تاركا أربعة من أولاده برعاية العجوز و زوجها .
ولكن قبل أن نتم ما كتبناه عن قوم - فقير انتزع من أرضه بقوة السلاح ورمي في بلد آخر وطلبوا منه أن يعتني بنفسه بعد أن وعدوه ببطانيات للشتاء و طرود ومعلبات منتهية الصلاحية عليه أن يأكلها قبل نفاذ صلاحيتها بيومين , على أن ينسى بيته وصخرة جلوسه و زيتوناته وأشجار التين التي كان يأكلها بالخبز في أيام الصيف اللاهبة بالعطاء والأمنيات .

لنترك غدر ذلك الزمان قليلا والخيانات ودعونا نتكلم عن الفقراء الآخرين في الأحياء الشعبية الغارقة بموجة مطر ملأت الشوارع بالقذارة - هؤلاء الذين لم يرموا في بلاد غير بلادهم ويعيشون عيشة الكفاف وينظرون للغنى والثراء نظرة من ملأ قلبه شعور اليأس من عدالة الدنيا وتوزيع الحظوظ . فيفكرون بهجرة البلاد ولكن عباراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي لا تخلو من حنين مفتعل حيث يرد عليهم الشاعر " بابلو نيرودا" بتساءل خطير مفاده " لماذا أخترت الهجرة مادامت عظامك تسكن ...... "
الوطن " !
وسيقول : إنها الرفاهية والأبراج والحياة الجميلة , وهذا يعتبر لاجىء رفاهية ومال وبعيدا عما يقال من حركات اللجوء التي مبعثها المال فإما أن تكون لاجئا للمال وصامتا عن بث مشاعر الحنين المزعجة لغيرك ممن يعانون شظف الحياة أو عد أدراجك لتسكن عظامك ثرى بلاد لم تشعرك يوما بأنك عزيز فيها .
فهل تعلم يا عزيزي الباكي كم سعر القبر في بلادك !
لذا فخذ هذه النصيحة الجيدة " إذا أتيح لك الموت غرقا كوليمة لأعشاب و حيوانات البحر حيث أنت مهاجر , فستخدم الوطن الفقير أكثر مما ستذرفه من دموع الحنين الكاذبة ولا تعد أدراجك إلى هنا , استمتع بالحنين الكاذب يا ولدي !هل تسمع
ودعونا لا نهتم بأمرهم مرة أخرى, فأسوأ ما قد يعترضك في حياتك هو لاجى المال الذي يركض وراءه ويتغنى بالحنين ليلا ونهارا ! .في حين أن دولتهم تمارس الإقصاء و ترمي لهم بالفتات و قد تسرق البطانيات إياها - لتمنحهم نوعا من الرعاية العزيزة لأبنائها المميزون -الذين يشعرون بالبرد لعل ذلك يطيّب خاطرهم ولو لحين ّ.ولكنهم رغم ذلك يقفون في طوابير الهجرة و يهاجرون !
دعونا نترك هؤلاء ولنمضي قدما نحو مجموعة أخرى فقيرة ولكنها تتظاهر بالثراء
فهؤلاء اشد مرضا من غيرهم لأنهم يعيشون عيشة الأغنياء الموسرين وبداخلهم فقر شديد الاصفرار يجعل حياتهم مملة من كثرة النفاق والخداع أنهم فقراء - جوعى – قدماء لا يملكون سوى المال للأسف !
أما تلك العجوز التي تجلس على العتبة ,ستصادفك في كل مكان , في الحواري الشعبية و في المخيمات و في القرى و البوادى , ستجدها تجلس في كل مكان مدقوقة بتجاعيد الأيام السالفة وفي قلبها ذكريات منقوشة بحبر الزمن الذي لا يمحى إلآ بالموت , و كما قلت وليس لفئة أن ترى نفسها بأفضل حال من الأخرى , فالمرض والجوع والفقر والتهميش - لا تخلو منهم لا زنقة زنقة ولا دار دار ولا حي حي ولا حارة حارة ولا بيت بيت , فالحمد الله على المساواة ,
فمظلة الفقر تظلل الجميع بنفس المظلة ,وقد قيل قديما " المساواة في الظلم عدل " ومادامت المساواة بالظلم بنفس الإتساق ونفس الرتم , فذلك هو العدل - المشفوع بالتحسرات والأمنيات .
عجوز تلبس ملابس طويلة بقدمين متشققتين وأردية وألفعة ملونة , ينقصها الانسجام ويحدث أن ترتدي جوربا طويلا والأخر قصيرا وليسوا من ذات اللون , فمن يهتم !
إنهم غير مطالبين بإظهار التناسق والجمال , فالروح المملوءة بالكمال لا تستهويهم , إنهم فئة يبحثون عن خلاصهم بانتظار أن تمتلأ حجرتهم برفاتهم يوما ما وما أشد تلك الساعات من الانتظار , حيث لا يفكرون بعدد السيارات التي ستمشي بجنازاتهم أو بعدد الناس الذين سيمشون بأرجلهم وراء نعوشهم .
وإذا ما سألت سيدة عجوز تنتظر شيئا على قارعة الطريق فأن ما تريده حقا هو الستر ولا أعرف ما الذي تخبأه عجوزا في ماضيها - فعلته كانت يوما صبية غمزت لابن الجيران فجاء مقبلا لا مدبرا وهو يفكر بعشرات من المشاريع التي لم يتحقق منها شيء.
وان عجائز الماضي كلهن كن يرتكبن ذات يوم محاولات لإغواء البشرية لشبان طموحين يفكرون بتأسيس بيوت قائمة على الحب ثم ينسون الحب لقاء ما يسمى بالألفة والتراحم , فيتزوجون من فتيات عاديات الجمال ويحمدون الرب علنا على أنهن حظين بزوجات عاقلات في حين أن زوجاتهن لا يكففن عن البحث عن الحب عبر وسائل التواصل العديدة حيث اللايك يعني أحبك وكم عدد اللايكات والمحبين !
وهذا ليس بالشيء المستهجن ففي حين أن لكل رجل حبيبة . فلابد أن يكون لكل زوجة , معجب سري
هذه هي العدالة التي تنصب نفسها إمبراطورية على مملكة المساواة بذات الحدود والإتساع !
ولنكن صادقين فكل ما تطلبه السيدة العجوز من هذه الدنيا الستر ليس بالمعنى السابق الذي كتبته المؤلفة كنوع من التحذلق بل بمعنى النأي عن العوز و الحاجة ومد اليد للآخرين ,وهذا مطلب قد نرسله لوزيرة التنمية بحيث تمتد شبكة الآمان الإجتماعي لكل عجوز و عجوزة ! ( يكفي ذكر كلمة عجوز لأنها تصلح للجنسين ) وفي القرآن آية " إمرأتي عجوز " ولم يقل امرأتي عجوزة بتاء التأنيث المهمة .
المهم أن تمتد شبكة الأمان لكل عجوز - تجاوزوا الستين , بغض النظر عن وجود أولاد لهم , فهل سنفرد صفحات لنتحدث عن عقوق الأولاد الموجود في مجتمعات فقيرة في ظل رواتب معظمها لا يتجاوز الحد الأدنى للمعيشة , تستهلك ثمن أجرة بيوت وثمن أقساط مدارس و فواتير ستتصاعد وغلاء المعيشة والخبز الذي سيصبح سعره أربعين قرشا
فمن أين سيأتي الشاب الذي يعمل بخمسمائة دينار , يذهب نصفها أجرة بيت بدون مصعد , وفواتير كهرباء وماء وطعام أغلبه من حشائش الأرض الخضراء وعدس مجروش وأدوية للرشح و وجع الأسنان !
بربكم , كم سيتبقى معه من الراتب لكي يرسل لوالديه- العجائز من مال !

ولنمضي قدما بعد أن نطرد قصص الخيانات الزوجية و نطرد عجائز الحي المملات اللواتي يقصصن الحكاية نفسها عشرات المرات, بملل اكبر .
ولنقف أمام تسريحة شاب مراهق , متفاخرا بعضلات جسده المكتنزة أمام الناصية - تاركا عيناه تتجول في الحي بانتظار ما ستسفر عنه من أحداث يمكن أن لا تحدث أبدا ولكن قد تخرج احدى الصبايا بكيس القمامة لرميه أو تتراكض وراء اخيها الصغير في حركة للفت انتباهه , وهو لن يخسر شيئا فها هو يراقب مؤخرات الصبايا المارات وهو يمط نفسا من غبار الدخان الرخيص الذي سرق ثمنه من محفظة الأم التي تخبأها تحت الفرشة الشتوية . والتي ستتغاضى عن اتهامه بسرقتها لكي لا يحلف يمينا كاذبا كالعادة.
فسوف تدعي إنها أضاعت الخمس دنانير في مكان تجهله وهي الامرأة التي لا تغادر بيتها إلا لفتح الباب لجارة مملة و بخيلة اعتادت على توفير قهوتها بالشرب من قهوة جيرانها .
وهذا الشاب الذي يدخن - الآن و يشنف أذنيه لسماع أي خبر جديد لكي يسليه ويجعله يضحك , عندما يلمح أخته قادمة من بعيد , فانه سيأخذ بيد صديقه و يمضي بعيدا في محاولة منه أن لا يترك أحدا يقترب بعيّناه من أهل بيته و عائلته في حركة غريبة من البشر حيث يحللون لحم حريم غيرهم ويحرمون لحمهم على الغير .
وهكذا تمضي صباحات المراهقين الذين تركوا المدرسة مبكرين أو الذين عادوا للتو من دروس الرياضيات المملة لكي يقفوا على ناصيات الشوارع بانتظار مرور صبية لكي يرشقوها بعبارات بذيئة, تخفف من نار طيشهم الذي لا يحتمل في سن تجاوزوا فيها سن الزواج ولم يجمعوا المهر الذي لاتحتمل مطالبه مما سبب لهم الملل ومللهم الكثير من رتابة الحياة الخالية من الفرفشة والكثير مما لا يقال والذي لا استطيع التكهن به - نظرا لضيق الوقت المسموح لي والذي إستهلكت نصفه في سرد وقائع حياتية لا تهم أحدا غيري حيث تعيش في بلد تخلو من التنويع البشري وتزاوج الثقافات الذي يجعلك تحصل فيه على زوجة روسية مثل القمر بخاتم ذهبي وتصبح عروستك في حين بناتنا اللواتي لا يخلون من المكر واللعب على الحبال واللايكات من تحت لتحت , يكلفك الإرتباط بها عشر الآف دينار , مع شعر منفوش و ركب سوداء وبطة رجل وسيقان أرجل الدجاجة الحمراء

ونظرا لشعوري بالملل من وصف مراهقين لا يزالون لا يعرفون من الحياة سوى نوع الجل الذي سيجلدوا به شعرهم المنكوش الزاقف مثل أبر النيص ولمن لا يعرفه , حيوان يشبه القنفذ وطعم شواءه لا يعوض فقد طبخته يوما بمرق من ماء الأوكسجين وحبيبات التوفو التي لها مذاق لا مذاق له على الإطلاق .
وان أجمل الفتيات هي الفتاة التي تلبس حذاء احمر اللون في حين أن ذلك أصبح من الأشياء المنقرضة إلا إذا قررت السوبر ستار " سبيرز "أو كيم كردشيان أو راغب علامة إعادة إحياء ذلك اللون للأقدام المتسخة لمراهقين لا يجدون قيمة للحياة فيذهبون للسيجار والمخدرات التي أصبحت تشترى مثل علكة عاشور تلك العلكة التي كان يشتريها رئيس البلدية قبل أن يصبح رئيسا للبلدية وتكثر تجارة المخدرات في زمانه فيعلكها المراهق بنشوة وحشية تعانق السماء مع إعتذاري للسياب في سرقة جملته الأخيرة تاركين واجباتهم المنزلية بلا عمل .

وفي يوم الأحد لن ينجو احد مما ذكرنا , حيث تنتظرهم واجبات لم يحلوها و المعلمين بانتظار ذلك التهاون لكي يظهروا مواهبهم الرفيعة في فنون العقاب وإن كان قد مضى زمن الذي كانوا يعاقبون فيه العاصي بجعله يقف على رجل واحدة طيلة 45 دقيقة بالتمام في حين أن الذي يراقبه من الطلاب وما أكثرهم , يستحق عقابا مضاعفا حيث فاته كل الدروس وهو يحرص على أن المذنب لم يريح رجليه قليلا ومثل هذا يوجد في الحياة بكمية كبيرة تفوق ما يوجد بها من طماطم بائتة وطرية لدرجة انك تحب ان ترميها بالقمامة غير مأسوف عليها وغير مأسوف عليهم طبعا

و ها هم يتسكعون في الطرقات , سيصادفك شاب على مشارف الثلاثين , يبيع الخضرة في بكب مستهلك وذاوي , ينادي بسماعة قوية حسب بضاعته كل يوم .
تسير مركبته في الشارع نفسه حيث تقطن صبية أعجبته و ينتظر مرورها , فتمر الأخت الكبيرة والأم والعمة والخالة وكل الأقارب ولا تظهر محبوبته أبدا , حيث وقع عليها حكم بالإقامة الجبرية , لأنه وصل لمسامع أخيها الذي يصغرها بالعمربخمس سنوات ويمارس عليها دور الوصي وولي الأمر - خبر بعيد عن الصحة, بأنها قابلت شابا في إحدى الشوارع الفرعية و أخذت منه وردة حمراء
وجاري البحث حتى الآن عن مكان اختفاء الوردة المزعومة في كتب الصبية التي ربما جففتها مثل نساء العصر الماضي حيث كان للوردة قيمتها المعنوية وليس مثل صبايا هذه الأيام التي تركض وراء هدايا الآيفون أو الذهب الذي لا يبلى وكل ذلك توكيدا لما وصل لمسامع الأخ الغيور حرصا على شرفه الرفيع من الأذى .

هذا الشاب الثلاثيني البائس الذي ما يزال يعيش في بيت العائلة , يفكر بجدوى الحياة المملة وجدوى الحياة القادمة وهو يرى النسوة يساومنه على بضع دراهم لا تساوي شيئا بنظره , ولكنه مستعد لسلبها من بين أيديهم وذلك كله من أجل ألا يقال ضحكت عليه النسوة !
يبيع خضرته ويمضي عائدا لبيته - اقصد بيت عائلته وهو يشتم بسره نفوس البشر و رزالتهم و مقايضتهم و طرق النساء الخفية في سرقة الخضروات , حيث يأكلن الفاكهة الغالية الثمن , بينما هو يزن للنساء الآخريات
أكوام من الفجل الأحمر بدون رائحة . وهل للفجل رائحة !
ونظرا لاتفاقنا الضمني بعدم التحدث عن تآكل الطبقة الوسطى وعن قلة اليد والفقر و ما تحدثه تلك من مشاكل في الصحة النفسية و سوء الأحوال المعيشية التي تودي بصاحبها للاكتئاب الذي هو مرض العصر بلا شك حيث يشيع القول لدى المختصين النفسيين الغارقين في عزلتهم أن الاكتئاب يجب مقاومته بكل الطرق ولا تجد طريقه فعالة لذلك
لأن الجوع الذي هو سبب كل المصائب يفتك بالبشرية كلها , فلا يوجد شعب يمكن أن يقول إنه مات من التخمة ! وفي كل شعب لابد أن تكون فيه جماعة فقيرة ليسهل استخدامها في الإعلام ولكي تشحد من منظرها البائس عليها الدول الغنية
نعم , لابد أن تظل هناك جماعات جائعة وذلك من أجل تفاوت الطبقات البشرية فقد خلقكم الله هكذا لكي تملئوا فجوات كل الطبقات , طبقات يعلو بعضكم على بعض !
" فالفقر لا يمكن إنهاءه بوثيقة يوقعها زعماء العالم الأثرياء الذين يعيشون ضمنيا على ضرائب مفروضة على الفقراء , بل إنهم يسافرون لدول العالم ويترفهون بالمنتجعات الفخمة و يتزلجون على الثلج في سويسرا من أموال الفقراء التي تم نهبها بضرائب مستحدثة غريبة وعجيبة - تم تخصيصها لهم ليرفهوا على حساب الشعب .
ولكنهم للحق ومن أجل إخبار الناس العاديين بمستوى عاطفتهم الجياشة فإن تلك الأقوام الرفيعة الشأن ,عندما تخبرهم عن نسبة الفقر في العالم ستنزل دمعة أو دمعتين من أعينهم الذابلة بسبب مصائب العالم التي لا يحتملونها , وهي دموع غالية لأنها لا تقدر بثمن , إنها فضة لا تقدر بثمن - لقد نزلت من أعين النخبة العظيمة التي قدر لها بقوة الرب أن تكون هي النخبة وهي النبل وهي العراقة وهي القداسة وهي فوق كل شيء علينا أن نثق إننا محظوظين لأننا تحت هؤلاء الذين هم كل شيء و نحن لاشيء .
فدمعة الملكة - التي تحارب الفقر تساوي مليون دمعة مما تعدون و دمعتين من أعين الأميرة المنهمرة من بؤبؤها الذي إرتعش لمصاب الناس الفقراء والتي تجلس بقصرها والخادمة تهذب أظافر قدميها بالشمع الذي لم تعرف عنه النسوة العاميات ولن تعرف !
تجلس لتخاطب مدير حملتها الإنسانية في الأمم المتحدة لإيجاد أماكن آمنة للكلاب الضالة , وهي تبكي لأن شعوب آسيا غمرتها الفيضانات في حين أن نصف شعبها يعيش في أماكن أشبه بالمزابل وفي أحسن الأحوال في قرى متآكلة نخرها المرض لعدم وجود مشافى مجانية قريبة للمرضى المسنين الذين يحتاجون للذهاب إلى المدينة لكي يتعالجوا
ويموتوا بسلام كأفضل كلاب ضالة أنجبتها البلاد .
فهل يعقل أن لا يكون هناك جوع !!
أقصد, هل يعقل أن لا يكون هناك دموع !!

"ففي السماء رزقكم وما توعدون " والسماء هذه الأيام بخيلة فهل يعقل أن يمضي ثلاث أشهر حتى الآن مما نسميه فصل الشتاء بثلاث زخات مطر فقط ! ولماذا لا تثلج , بربكم لماذا لا تثلج !
نحن بأمس الحاجة لنلمس البياض ونغرق في صفحة البياض ونلمس رقة أن تذوب قطرات الثلج في صفحة إيدينا , فهل نصلي صلاة استسقاء وثلوج , لعل الرب يفرحنا مادمنا لن نفرح بأشياء أخرى- لن تأتي مهما حاولنا أن نستقدمها !
وهذا يجعلنا نناقش ذلك الإنسان الذي يغالب أحزانه ويخفيها ليس كونه نبيل المشاعر وعظيمها بل لأنه يخشى شماتة الناس رغم رفعة المرض ونبله - إلا أن البشري يخفيه لأنه يعتقد أن الناس ستسخر منه وستقول أنظروا ما الذي حدث له , لقد وقع على وجه , يا لمآساته الشخصية !
إنه يعاني الآن , ياللبؤس الحاصل له ! لولا إنه يستحق ذلك لما وقع هكذا ّ
ولأن الإنسان اكبر ممثل فسيحاول إيهام الآخرين بأنه في أحسن حال وهذا غير صحيح فهو يعاني من الأمراض- حتى أن مرضا خفيفا قد يقعده ثلاث أيام في الفراش .
فيا لبؤس الإنسان الضعيف ! يعتقد انه قوي ذو جبروت ومجرد جرثومة لا ترى بالعين المجردة تجعله كائنا هشا بلا قيمة , ولذلك فأشد حالات الإنسان هشاشة عندما يمرض
لذا ستجده غارقا في الحزن والتأملات التي لن يتسنى له التفكير بها سابقا نظرا لشعوره المتعالي بقوته المهولة , حتى كأنه صار يفكر بمصير الأرض والإقتلاع الجائر للأشجار المعمرة , حتى الإحتباس الحراري صار يهمه !
وهكذا ستجد ان دموعك لا بد ستنهمر لأن البشر وملامحهم تذوي والروح - تلك الروح الهائمة التي لا تجد لها قرار ولا تجد لها مسكن ! ما هي إلا أشباح خلف النوافذ
ولوحات مهاجرة في طريقها للخارج هربا من سوء الحال .
ولذلك فعليك أن تتخطى الحزن والشعور بالشفقة لأنه لا يوجد حل لهم وأفضل الحلول ما يحدث لهم فعليا
أن تمطر
فسوف يلتمون حول المدفأة الوحيدة بالتماس الدفء المنشود و عندها قد يحدث أن يروي احدهم طرفة مسلية أو قصة طريفة فتتحرك الشفاه و تعلن عن سعادتها المكبوتة ويحدث أن الصبية التي وقع عليها عقوبة منع التجوال و الإقامة الجبرية أن تضحك و تفتر شفاها عن أسنان مفقودة بسن مبكرة و يا للعجب كيف خسرت صبية أسنانا في مثل هذه السن ّ!!
وستصنع الوالدة حساء العدس و ستزيد شهيتك طريقة تقطيع البصل والفجل الأحمر و ستخلو المائدة من الفجل الأبيض لسبب تجهله
ولكن أوراق الجرجير التي يجب على المرأة أن تخبأها تحت السرير والتي لا أعرف لماذا يخبأوون الخبز تحت الرز أيضا , ستجعل الرجل يفكر بقضاء ليلة دافئة في حال لو نام أشقياؤه مبكرين - الذين لا ينامون ولا يجعلونه يعيش الحياة كالآخرين .
أما النساء اللواتي يحظيّن كل صباح بمعانقة لطيفة , فهن أحسن تكّيفا ولطفا من الأرامل والمطلقات المحرومات حيث يشعر أطفال الآخريات المحرومات بنوع من الثقل في الحياة , سببه اكتئاب الوالدة المحرومة.
وحتما سيأكل الجميع - حلة العدس المطبوخ بالكركم الأصفر , ساخنا - يخرج من أعلاه بخار كثيف يشيع الدفء بالجلسة العائلية , ولن يخلو الأمر من شكوى من أولئك الذين يحتفلون بكروشهم أكثر مما يركضون وراء نبضات قلوبهم حيث للعدس سمعة رديئة بإقترانه بالفقراء لا يحبذها أنصاف الموسرين وغيرهم من فئات الشعب التي تدعي الثراء وبيوتهم مرهونة بقروض طويلة الأمد تمتد لثلاثين عاما للذي سوف لن يموت وسياراتهم مرهونة على البنوك .
وفي منتصف الليلة الباردة سيتدثر الجميع بالأغطية و يغرقون بالأحلام , أما الصغار منهم فسيأخذون معهم قصص الغول الشرير وأبو رجل مسلوخة , وقد ينقعون الفراش بحمام ساخن من الخوف وفي أحسن الأحوال قد يتذكرون سماجة مؤلف قصة السندريلا – ابنة الشعب الفريدة من نوعها - ذات القدم التي لا تأتي بمقاس أي صبية غيرها في محاولة من الكاتب لتعجيز أهل المدينة وطموح فتياتها من الطبقة العليا , وهو بالمناسبة كاتب فاشل ولا يجد له قراء سوى من شخص يأكل على جريدة قديمة , قد يجد عنوانا مثيرا لشعر ركيك مثل:"
مشوار , سنمشيه معا ذات صباح , لن يعكر صفو جولتنا شيئا يقال
سنمشي بصمت وأرجلنا ستخبرنا بما يقال ! ( ولا علم لي حتى الآن بكيفية كيف أرجلنا ستخبرنا )

وكلما أسرعنا
كلما اقتربنا من الشمس ( يبدو لي إنها مركبة فضائية ولا أنا غلطانة !!!
يا لها من مفاجأة منعشة - تلك التي تنتظرنا في أخر المشوار !
وفي النهاية , لا شيء يحدث !
والمشوار
انتهى بجلوس السيدة في بيت متصدع الأركان بلا حب يشيع بجدرانه ولا فتاة تردد كما الأفلام " يوجد الكثير من الحب في هذا المنزل"
رغم إنه يوجد حب ولكن لا يوجد بطيخ !
حتى بلا نقود وبلا معيل .
ولم يحدث أن اقتربوا من الشمس بتانا
كونها كانت تمطر بلا سبب .
ثم ستنحرف قدماك نحو إحدى الأزقة في الحارات , و ستجد أحد الصغار الذين كبروا بدون هرمونات , و كان هو أصغر أولاد الحوريات - اللواتي يسمّيّن باسماء لا تليق بجمالهن
هذا الصبي يكتنز بداخله كمية من السموم تظهر على صفحات وجهه الغير مريحة - التي يقابل بها الناس - لتغرقها بالشؤم والنعيق
فستجد نفسك تبتعد عنه بعد أن تترحم على روح والدته المسكينة بانجابها كتلة الكراهية هذه التي تمشي على الأرض .وتفكر بجدوى إنجاب عشرة من الأطفال المتشابهين في الخلقة والخلق في حين أن طفلا واحد ا يكفي.
و ستصادفك بدون ميعاد مسبق - أميرة فتاة حقيقية من الفقراء , تجمع الخبز المرمي في الطرقات, فتتساءل كما الآخرين عن سبب جمعها للخبز اليابس .
وما الذي يدفع أميرة فقيرة تسمى أميرة - اعتباطا , فليس لها من اسمها نصيب
أن تجوب الطرقات بحثا عن زيتون مرمي على الأرض فتجمعه أو خبز يابس مرمي عند أكياس القمامة, فتلمه . صدقا لقد خطر ببالي هذا السؤال مرارا ولكن بدون تكرارا
ما هي تكلفة بيعه وهل يحقق أرباحا كثيرة ! وما الذي جعل منها تجارة رائجة ! حيث تشيع في الأسواق والحواري والمخيمات و القرى وقد سمعت من احد زوار معرض أبو ظبي للكتاب الأوروبيين المتكلمين عن تاريخ المدينة يستهجن مثل هذا المنظر الذي يشوه مدينة القدس ولم يتبق لنا سوى مستشرقين أوغاد يتحدثون عن مدينتنا
خسئت المؤتمرات التي تأتي بكم يا رجل !
لايعجبهم منظر نشر الخبز اليابس لتجفيفه تحت الشمس ثم رصه بأكياس الخيش وبيعه
لمن ! لا اعرف , من يشتريه ! ربما تجار المواشي !
ثم تصادفك نساء قرويات قادمات من الريف بحثا عن بضاعة رخيصة و جوارب ملونة كل عشرة منها بدينار, كصفقة ناجحة لسيدة أنجبت إحدى عشر صبيا في تسع سنوات .
يحملن أكياس سوداء تخفي المشتريات أو ملونة من محلات مكدسة ببضائع يعتقدن إنها رخيصة في حين أن هناك محلات في المولات , تمنحك بضاعة جيدة في مواسم التخفيضات بسعر اقل من تلك المحلات , ولكنها طبيعة البشر حيث يعتقدن جازمات أن الأسواق الشعبية أرخص !!
وهذا يصب لصالح التجار طبعا , فلو فكرت للحظة لوجدت أن أغنى أغنياء البلد , هم من التجار - بائعي الملابس الشعبية في الأسواق المكتظة بالبشر – لهؤلاء الباحثين عن صفقات يعتقدون إنها رخيصة
ولنعيد ما كتبناه لكي تعرف النسوة أن مواسم التنزيلات في المحلات المرموقة , تعطيك ملابس بسعر اقل و خامة أنظف , وهذا عن خبرة قديمة وليس من باب الترويج لتلك المحلات !
ولنترك تلك الفئة الباحثة عن صفقات رخيصة من أموال سرقنها من جيوب أزواج مغفلين أو يدعون الغفلة للخلاص من ألسنة نساءهم الحادة , ولنذهب , للنسوة الفقيرات اللواتي لا يجدن شروى نقير , فستجدهن ينتظرن انتهاء السوق من الزائرات القادرات على الدفع , فينزلن وهن خجلات ببضع قروش لشراء طماطم مفعوصة و مكدسة بماءها النازف الذي يصلح شرابا للعصير أو حبات من الكوسا المصفرة والذاهبة في الذبلان , لعمل صينية كوسا بالطماطم المهروسة - لا تكلفهم سوى نصف دينار
وهذا ما يسمونه الفقر والله .
تقول لاجئة سورية صادفتها في إحدى الباصات
إن زائري المعونة , يقيّمون حالتهم المعيشية وقدرتهم على الإنفاق بأكل البطاطا !!!
فإذا كانت تطبخ السيدة - البطاطا أكثر من مرة بالأسبوع , فهم لا يستحقون الدعم , وهذا غريب ورب الكعبة .
فمتى كانت البطاطا بوزن التفاح الأمريكي الأحمر الذي يشتهيه أبناء الطبقة الوسطى الذي نخرها السوس أو أغلى مثلا من حبات الكاكا التي لا يعجبني اسمها بالمناسبة وإن كان هذا لا يهم أحدا غيري ولكن لأن سعرها الذي يتخطى التوقعات حيث يبلغ سعر الواحدة ما يقترب من الدينار ! .
وهذا اغرب ما سمعته منذ أشهر و مازلت حائرا بطريقة ربط البطاطا بالاكتفاء المعيشي - وهذه لوحدها تستحق مقالا حاد اللهجة لكل الذين يسرقون معونات اللاجئين بحجج واهية لكي يستولوا عليها بطرق يعرف الجميع كيف تحدث !
فيا لحقارة البشر الذين يتاجرون بقوت أبناء السبيل والمهجرين الفارين من القتل ليموتوا جوعا في بلاد المسلمين !!

تترك وراءك مصائب البشرية من بشر يتاجرون بقوت الشعوب لكي تتفاجأ بمنظر شاب خرج لتوه إلى الشارع حيث لا توجد شرفات فسيحة تكفي لإرتشاف قهوة الصباح .
بشاب يجلس في البيت , بنفس البيجامة الرثة التي ينام بها , ثم يصحو بها ثم ينام بها مكدسا كميات من العرق المفيد لجثته ثم يخرج لكي يقول للشمس: مرحبا
فتهرب الشمس وراء غيمة هربا من رائحته, يحدق بك كأنك قادم من كوكب آخر , بعين مغمضمة و عين مفتوحة بدون أي داع لذلك , ولكنها العادة الملعونة !
وفجأة يظهر شخص ثالث - عاطل عن العمل وعن الحياة حيث لا تستهويه النسوة ولا الدخان , بل يخرج لسرقة المزيد من الأوكسجين لا غير
ويرمي بعظاته عن الحياة وخاصة عن ألمانيا التي تركها خلفه لأنه لم يستطيع العيش بدون رائحة الشوارع التي بللها المطر و رائحة الشتوية الأولى في حارته و رائحة التراب المغمس بالطين اللازب , ولك أن تتخيل وجهك معفرا بوجبة الطين تلك ( يالها من تجربة رائعة لا تفوتها! ) فيما لو سقطت على وجهك . ولك أن تعزي نفسك من هذه المصائب الصغيرة فيما لو كنت من الذين يعملون من الحبة قبة بأنك كنت على موعد في صالون مشهور لعمل مساج الطين المجاني - هذا دون أن تتكلف ولو بدرهم فضي واحد .
هكذا يعلمونك كيفية التمتع بصحة نفسية قوية بحيث تدوس على المحن بتفكير إيجابي وبطاقة إيجابية فلا تسمح " للبوزتيف انيرجي " بالتسلل لداخلك ,فأنت قوي أقوى مما ترى نفسك فيكفي أن تشعر بأنك قوي وهذا يكفي .فأنا مدربة باراسكيولوجي وأعمل دورات في التنويم المغناطيسي ستجعلك تنام ولا تصحى وهذا في حقيقة الأمر هو ما ينقصك ! وهذه هي نصيحتي لأشكالك من البشر المزعجين .
ثم يقول الرجل الذي تركناه في الأعلى باستهجان : من قال : أنغيلا ميركل أنثى !
هي رجل بلباس أنثوي ( يصر على رص رأس أسنانه لسبب نجهله )
يا لقوة الله , كيف حدث ذلك , حيث تبدو ببدلتها الزرقاء في المترو - حيث تركب السيدة الأولى المترو , نعم . المترو مثل الآخرين , وليس كما يحدث لدينا سيارات دفع رباعي فخمة لمعاليه و سعادته و عطوفته وبطاقات بنزين تستخدمها الزوجة لمشاويرها لفلل الصديقات و المولات ولتوصيل أولادهم للمدارس مع سائق بأجر يتعدى الآلاف سنويا - رغم أن صاحب المنصب ليس من ذوي الاحتياجات الخاصة ولديه رخصة قيادة
فيا لغرابة ما يحدث في البلاد العربية المهترئة !
فمدير مجلس قروي - حديث العهد كان قبل فترة يستجدي أصوات الناس , ويشتري خمس حبات من علكة عاشور بخمس قروش و يتجول في شوارع البلد برجليه , يجعل عشر سيارات حماية تتبعه في مشاويره في طرقات البلدية وكأنه بطل قومي يخشى إغتياله , ربما هو جيفارا يجبل مع العمال الخلطة الإسمنتية لصب الشوارع من الحفر و ها هو يساعدهم أثناء مروره وهو يتجول في طرقات المدينة لذا فله أعداء كثر يخشون نجاحاته ولابد من حمايته , فيتصل برئيس شرطة البلدية لتأمين طرقاته التي سيمر بها كل يوم في الساعة الحادية عشر صباحا وعند عودته للبيت أيضا مع تأمين حياة أبناءه بوضع شرطي على باب مدرسة كل حفيد له فهو رجل مهم
مهم جدا
جدا لدرجة أنه لا يوجد أهم منه وعليكم أن تصدقوا تلك الأهمية فإغتيال الرجل المهم - لا سمح الله ,- سيتسبب في تدمير المدينة وسيبكي سكانها لمدة 365 دقيقة بالتمام والكمال , وسنذهب بدموع الشعب لتعئبة خزانات البلد الفارغة حيث توقف المطر ولم تعد تمطر بحب كما في السابق , إنها مثل المحب الذي أضناه الهجر فكف عن الشكوى والتذمر وبقي الألم في داخله عصيا عن الفلتان عن البوح عن الإنهمار (أعتقد إني غير موفقة بهذا التشبيه ولكن لا بأس , لابأس )
ربما لا تكفي صلاة إستسقاء واحدة , ربما يحتاج لتنظيف دواخلنا من التلوث الأخلاقي الذي يعشعش فيها لكي يهطل المطر فنغتسل من أمراضنا الجوانية من حقد وغل ولؤم و حسد وغيرة ثم ستغتسل الحياة من شرورنا .من قال أن الإنسان طيب ! قل من قال !
ومادام المجال متاح لقرصة أذن , ف يالكم من أوغاد سارقين لأموال الشعب , هل نسيت جدتك التي كانت تدرس القمح بيد قوية تدير الرحى بقوة ثلاث رجال من جيل هذه الأيام في حين يدها الثانية تغمس لك زيت الزيتون المعصور بأيد مباركة و تلقمك اللقمة تلو اللقمة لتصبح سيدا لا يشعر بمآسي الفقراء أمثال جدته المكافحة كيف لك أن تنسى كيف عاشوا في تلك الأيام بكل ذلك الفقر وقلة اليد والمرض ولكنهم كانوا مخلصين وأصحاب كرامة لم يكونوا يتراكضون وراء المعونات والمساعدات كانوا يكتفون بتغميس زيتونهم وزيتهم وثمار حديقتهم ويبوسون اللقمة ويشكرون الرب
فمتى ستخجلون وتعيدوا الأشياء لطبيعتها
!
عليكم أن تخجلوا وتنزلوا إلى الأرض حيث الفقراء و المعثرين حيث الشعب الكادح الذي ينتهي راتبه في منتصف الشهر و يكمل طعامه بحوس الأعشاب الخضراء والطماطم النازفة
إخجلوا و تذكروا ماضيكم الفقير والبريزة التي كنتم تحلمون بها كمصروف
أعيدوا سيارات الدولة وأموال الدولة وبطاقات بنزين الدولة ,وأصرفوا من رواتبكم كما هم الشعب
فيكفي سرقة من قوت الشعب وضرائب الشعب
هل كانت ميركيل تسرق !
لابد أن روح ميركل إستحوذت على مشاعري وأنا أراها تركب مع العامة في وسائل النقل العامة بدون لاند روفر ولا مرسيدس
يالميركل , كم أنت عظيمة أيتها الرجل الحديدي !
تركبين المترو مثل أي ألماني يحترم شعبه ولا يجدون بذلك أمرا يستحق الإستهجان , بل نحن من نستهجن ذلك لكي نكرس مقاعد التفاخر لمن يعانون من عقدة نقص المناصب - ذلك المرض اللعين الذي ينخر بشعوبنا فيعتقدون أن المنصب تشريف وليس تكليف .

أما ذو العينان المبطنتان باللاشيء - ذلك الرجل الذي يركب البكب الممتلىء بالخضراوات ويشغل شريط الاستماع بتسجيل صوتي مزعج يعلن فيه بصوت أجش مزعج للهواء قبل الإنسان
انه يبيع العشرة كيلوات من الطماطم نصفها - المتروس بالقعر فاسد
كل ذلك بدينار فقط يا للرخص و يشكون من الغلاء هؤلاء الشعب الماكر الذي يشبع ! وكيف سيشبع مادام هناك حيتان تبتدأ بسرقات صغيرة ثم تغتنى غناء فاحشا بسرعة مثيرة
تسمعه النسوة فينزلن وحدانا وزرافات , فتتلفع النسوة باليانس الذي بات الجميع يرتديه حتى في المشاوير الطويلة مثل المستشفيات بعد أن كان محصورا في الحارة و بين الجيران فقط . في محاولة للقضاء على آخر معقل من معاقل الحفاظ على الهيبة والذوق الذي نتلمسه من نسوتنا الذاهبات في طريق الإحتشام الغير مكلف .
ينزلن لشراء صناديق الطماطم المغرية لعمل معجون طماطم بيتي كسيدة تهتم بصحة عائلتها بدلا من تلك العلب التي تباع بعلب حديدية ,وكلها مواد مضافة وحافظة واصبغة لا نعرف تأثيرها على الجسم بعد فترة
المهم وبعد إنسحاب النساء بصناديقهم , قد تسمعه يقول بفرح طفولي لا يليق بجثته الضخمة حيث يزن فوق المائة كيلوغرام بدون أن نوزن الرأس الكبير الذي يحمله والذي لا يعمل أبدا .
يقول بنشوة وحشية تعانق السماء : الله جبر
ثم يعود هو نفسه بعد أن يبيع خضرواته الناضجة و يجلس في ناصية الشارع بإنتظار الحظ الذي لا يأتي .
يقف مثل هؤلاء الذين يقفون على رأس الشارع ليس لهم هم ولا مواهب سوى مراقبة المارة بحواجب مرفوعة أو أحيانا بطعجة من الفم كإشارة على إستخفاف أو سخرية مكبوتة .

يمر بائع الذرة المسكين - الخمسيني الذي خسر أمواله في صفقة غير مثمرة مع أبناء جاحدين , يجر عربته التي تعاني من كسر دائم في عجلها الدائر كل يومين مما يبدد أرباحه و يرمي بظلال الحزن على رجل فاقد الحظ
يجلس لنصف ساعة , ليرتشف كوبا من الشاي بمنزل مكدس بأقارب الزوجة الذين يتوافدون ليلا ونهارا في حركة تشبه حركة الأجرام السماوية وعلى الجانب الاخر ,تطالعك أرملة حقودة وبخيلة (يصبحن بخيلات بعد موت الزوج بخيلات لدرجة القرف )
تجلس وحيدة على ناصية الشارع تراقب أكياس النساء العائدات من السوق محصية ما بذروه من أموال في الإنفاق ثم تترحم على زوج بخيل - افتكره الرب مبكرا و تنتظر أن يدس لها احدهم مبلغا من المال لأنها أرملة ,في حين أن أمنياتها تتفوق على مبلغ المال فهي تريد معجبا يطالعها كأنثى تستحق أن يراها أحدهم مصدرا لأحلامه و أن يتشبث بها احدهم كزوجة يطلبها بالحلال لبيته .
وهنا لا يسعني سوى إرسال نصيحة لها أن تكف عن سرقة حظوظ غيرها فهناك أكثر من مائة ألف عانس لم يجربوا الزواج وهم أحق منك يا سيدة
فعلا يا لك من امراة متطلبة , اركني في بيتك وربي عيالك ولا تنتظري زوجا لن يأتي أبدا .
وأعرف إني سأنال قسطا من اللعنات من كل أرملة تصلها رسالتي و ستنالني اللعنات و يطاردني سوء الحظ الملازم كالعادة لأنني أتكلم عن حظوظ وأمنيات بشرية بتحسن الأحوال وها أنا أجهض كل أحلامهم بعريس مثل القمر يبدد سواد ليلهم الأسود ,وأنا لا اهتم .
فعندما أجد شخصية بحاجة لفرك أذنها لكي تفهم ما يجري , فلن أتوانى عن ذلك والآن دعونا من التنظير ولنكمل جولتنا في سوق الخضرة حيث البائعون يعرفون المرأة التي تعزم على الشراء من تلك التي تتلكأ أو تلك التي تحصى الأسعار لتشعر بلذة الانتصار رغم أنها لن تشتري من احد , ولكنها روح المغامرة الفريدة التي تجعلها تقارن الأسعار كموظف في البلدية وربما يكون لديها رغبة في إصدار مخالفات بهذا الشأن .

تشتري العجوز ضمة من أوراق البقدونس و النعنع و الكزبرة و هي تفكر بعمل وجبة لذيذة تزينها باوراق هذه العشبة الأخيرة ذات الرائحة اللاذعة ثم تمضي قدما نحو منزلها حيث تسكن ابنة شقيقها التي تمثل دور الأم التي ماتت منذ زمن , تقيم ولائم من أطباق الملوخية المخلوطة بالسبانخ الخضراء المفرومة مع تقديح الثوم عليها بكميات كبيرة تجعل من أنوف الجيران تقدح الجدران القريبة
وهي لا تتوانى عن طبخ المقلوبة والبرياني لعائلتها التي تأتي بكامل حمولتها من الأطفال الرضع والصغار والذين يثيرون جوا من المرح والدعابة حتى يسقط صغير فتتوقف النساء عن الثرثرة وتدعي احداهن أن عينا شريرة طرقت الصبي وتسببت بوقوعه ,وهكذا تنتهي السهرات بغسيل عشرات من الأطباق و وجوه تمتلأ بالنعاس الشفاف وأحاديث سرية بالداخل لا يعلمها إلا الله وحده
فالقلوب البشرية مثقوبة بالغريب والعجيب ولا يوجد ما يسمى بطيبة القلب إلا مجازا .
تنام الخمسينية , وهي تشعر بأنها جسدت دور الأم المتفانية المعطاء , تنام وهي تغمض الجفن عن وجع يديها المتشققتين وأصابع قدميها المتورمتين و نبضات قلبها المتسارعة
تنام وهي تشعر أن روح والدتها تسكن بداخلها ولا تستيقظ إلا عصر اليوم التالي وهي تشكو من الآم لا تحتمل و المتاعب التي لا مجال لإحصاءها , في حين أن زوجات أخيها المراوغات قد شتمن مائدتها العامرة بالأطايب وقلن إنها تملح الطعام بأكثر مما ينبغي لكي لا يأكلن ما يكفيهن
ولكنها بالمقابل ,وعندما تسمع بذلك تعايرهن ببيئاتهن الفقيرة ,مسترسلة بخطاب الكراهية الأزلي
يا لحقارة نساء الأخوة النذلات
أما تلك العمة – الأرملة - التي توقف النساء لتسألهن عن أزواجهن فيتهربن منها وهن يلعن الطرق المودية إليها.
فما الذي تبغيه هذه الأرملة من أزواجهن وهل تخطط لاصطياد احدهم وهناك يسري خوف في الأجواء تخشاه النسوة يعم كل طبقات الجو ويسمم الأجواء
فتجتمع النسوة و يجلسن في الغرف المضاءة جيدا يتحدثن عن أرملة الطرقات التي تحصي مشوارهن وعدد زوارهن وكم طلعاتهن وربما تعد عليهن مرات النوم مع أزواجهن لذا لابد من ذكر عيوبها أمام أزواجهن حتى لو تم إبتداع كل تلك الأكاذيب وأول تلك الأكاذيب هو إنها سيئة السمعة لكي لا تهفو أنفسهم الرخيصة نحو زوجة سيحصلون عليها بدون مهر عوضا على أن الساع للأرملة وأولادها له الجنة
فيا لعظمة تلك التضحية من أجل الدخول بالجنة وزوجة مجانية لن يدفع لها مهرا , وهل هناك من يدفع مهرا لإمرأة مستعملة !

وقد يكون من أزواج تلك النسوة الساذجات , زوج احداهن بائع شعر البنات- الأعرج الذي لا يستهوي حتى النساء العجائز القواعد منهن خصيصا ولكنها كزوجة محظوظة لم يمت زوجها بعد و أحسن حالا من أرملة الطرقات , فهي تخشاها كالآخريات وتتداول قصصها مع الإشاعات و تضع يدها على قلبها في كل مساء خشية أن تسرقه أرملة الطرقات حتى لو كان زوجها بائع لشعر البنات !

وحيث الباعة يراقبونك و يفكرون بكمية ما تحملين من نقود , وإذا كنت ستشتري البرتقال أم الفقوس , و على اهبة الاستعداد لمعرفة أن كنت فقير الحال أم من هؤلاء - الحديثي النعمة الذين شبعوا بعد جوع وهم كثر وتجدهم يرتادون المولات وهم يملئون العربات بكل شيء حتى الأشياء التي لا يعرفون كيف تطهى , ولكنهم يملكون المال وهذا جيد لتحقيق سعادتهم بالامتلاك .
الباعة يعرفون كيف يميزوا بين الشاري البخيل و الشاري الذي لا يساوم وبين الشاري الذي لا يحاتف على التعريفة ( لقد انقرضت هذه العملة يا سيدة ّ )! يا ترى أين خبأت تلك العملة !ومن الذي خبأها ! وكيف اختفت فعليا من الأسواق وهل قامت دراسات بحثية ممولة من الخارج بمعرفة مصير تلك الدراهم المعدنية التي قد تؤذي صاحبها فيما لو فكرت يوما باهدائها لشخص , برميها عليه كنقوط في الأعراس مثلا
رغم أن هذه العادة الجميلة أنقرضت في ظل التضخم الإقتصادي رغم جاذبيتها في تلك الأيام )
ولكن عليك أن تجد مجلة بحثية عريقة تقبل نشر بحثك قبل أن تتورط بحقيقة اختفاء تلك العملة من الأسواق ومكان اختفاءها )
الرجل في السوق ذلك العجوز ذو الوجه الصغير جدا مثل كرة جولف صغيرة جدا , و الذي تمتلأ بوجهه ندبات السنين الغائرة , يحدق بك بثبات و هو يزن لك كيلو الباذنجان و يجعلك تدير ظهرك , ليضع لك باذنجانا باهتا وطريا وتالفا لكي يرمش ميزانه بالعدل !
أما بائع الخبز الذي تنز قطرات عرقه على الخبز , فيمسحها بكوع قميصه و يمضي قدما في وزن الكيلو لك و هو يفكر كيف وصلت إليه وأية داهية جلبتك للمحل
فلا يوجد بعينيه أي بريق مرحب فعلى ما يبدو انه يريد خسارة المخبز على رؤوس أصحابه الذين يكرههم من باب أن أصحاب المصالح مكروهين هكذا ببساطة . فكل ذو مال محسود
وبعد أن صار سعر الخبز أربعون قرشا سيجعلك ذلك تحاتف على اللقمة وستصبح ربطة الخبز هدية ذات قيمة اقتصادية مطلوبة بين المحبين ولها معاني سامية لا معنى لها أن لم تكن سامية
وعلى كل معجب سري أن يضع علبة عطر Poison
داخل ربطة خبز بشريط أحمر موشح بكلمة Dior ومكتوب عليها عيد حب دائم و مديد و ما تنحرمي من ربطة الخبز يا حبيبتي السمراء !
هكذا ستصبح عبارات المغازلة في عيد الحب القادم .
ثم لا تنسى ان تضع سماعات الأذن على أذنيك لكي تنسى مشوار الباص و كنترول الباص الذي يثرثر عن عشرة أشخاص حتى موتهم بعد خمسين سنة
ولكي لا تزعجك عجلات الباص المهترئة و صياح الناس بالشوارع وبائع المشبك الذي يبيعك كيلو العوامة أغلى من الكنافة وهو يشيد بأن مسحوق العوامة الرخيص الذي يقليه أزكى من الكنافة ,وذلك كله ليدوس على ذائقتك و تتخلى عن الجبن لصالح مشبك مبروم و حبات من العوامة الغارقة بعسل الماء المحلى بقطرة ليمون مسيلة للدموع
و صحتين
ملاحظة أمن وحي المشي في الشارع :
يكتب عوام الناس على السيارات التي يركبونها عبارات مضحكة ومنها الخوف من الحسد والعين الشريرة
"عينك لا تطرقنا , قرض البنك ناهبنا "
عضة أسد ولا نظرة حسد
وغيرها




*العنوان مستوحى من حملة # أنا أيضا # هاشتاغ في توتير تصدر لأسابيع في حملة عن التحرش بالفتيات .

* *كتبت من وحي اسلوب نيقولاي غوغول
في روايته العظيمة "الانفس الميتة:
رواية ستجعلك تعيد النظر في قوة السخرية وقدرتها في إظهار عيوب ورذائل مجتمعاتنا التي نغطي حقيقتها بغربال مثقوب من شعارات حب الوطن والمثالية الكاذبة في مدينة أفلاطون الخيالية .