الثورة والثورة الشعبية في ايران

مصطفى الفاز
2018 / 1 / 4

الثورة والثورة الشعبية في ايران
لعل المجتمع الإيراني من أبرز المجتمعات التي تساعد الباحث الدارس للتغلغل الامبريالي وقدرة هذا التغلغل على استغلال التناقضات والتمايزات الطبقية بل حتى اعتباره من المجتمعات التي تعد ميثالية في تجسيد وبناء مقولة شرق أوسط جديد.وما يقع حاليا في الجمهورية الاسلامية الإيرانية يوظف من طرف خبراء الإمبريالية والرأسمالية بشكل يعيد بناء النموذج الاقتصادي التبعي على حساب الشعب الإيراني . سوف نسوق بعض الإشارات الدالة في هذا الاتجاه:
عمقت ثورة 1979 جراح التعدد الاثني بين الفرس والأذريين الأتراك والأكراد والعرب والتركمان والبلوش و لم تكن بالمطلق بديلا ديموقراطيا لحفظ حقوق غير الفرس.من هنا لا يمكن للمسألة الدينية سواء في صيغتها الثيوقراطية السنية أو الشيعية أن تحل محل السياق الديموقراطي العلماني.
كما أن الصراع السياسي في الجمهورية الاسلامية الإيرانية من الخطأ اختزاله في مخرجات الثورة الإيرانية نفسها بين جناح محافظ وآخر اصلاحي ولو أن النظرية السياسية الشيعية قدمت نفسها كإجابة على الإشكال الفكري في مسألة الخلافة في الاسلام،فالصراع السياسي الحقيقي قائم بين توجهات سياسية عدة ماركسية وليبرالية وليبرالية قومية وأنصار التحديث والديمقراطية وبين النموذج السياسي القائم سواء كان بثوب محافظ او اصلاحي.فصورة الصراع الحقيقية غير التي يروج لها.
نستحضر ونحن نتحدث عن المجتمع السياسي الإيراني أن ثورة الخميني قامت بتصفية كوادر ونشطاء حزب تودة او حزب الجماهير الماركسي سواء بالإعدام أو السجن أو المنفى ونفس المصير لقيه أُطر تنظيم مجاهدي خلق رغم دورهم البارز في إسقاط نظام الشاه وألغيت كل أشكال حركيّة المجتمع المدني والسياسي الإيراني عبر الارتكاز على منابر المساجد والحسينيات المنتشرة في البلاد وجعلها أبواق لتمرير خطاب الثورة الاسلامية.
لقد اتجهت النظرية السياسية الدينية في الجمهورية الاسلامية الإيرانية الى بناء مجتمع مغلق حتى أن المحاولات التي رواها هاشمي رافسنجاني في مذكراته بالانفتاح على أُطر من خارج حماة الدين للمشاركة في الانتخابات البرلمانية بما فيهم قدماء المعتقلين الماركسيين هو كلام أقرب الى تمييز التوجه الديني الاصلاحي ولكن دائما في إطار ولاية الفقيه .
إن شعار الثورة الإيرانية عندما ترسخ في شكل " لا شرقية ولا غربية،جمهورية إسلامية" كان لأجل خدمة النظرية السياسية الشيعية في الحكم وتوطد الشعار اكثر بعد اقتحام السفارة الامريكية واستغلال النظام الإيراني لما وجد بداخلها من وثائق لضرب مختلف التيارات السياسية المعارضة من ماركسيين وقوميين بدعوى تبعيتهم إما للشرق أو للغرب واعتبار أمريكا الشيطان الأكبر دون ان يتمكن النظام الإيراني من ارساء دعائم اقتصاد وطني متمركز حول الذات ودون ان يتمكن من توزيع عادل لثروات البلاد ودون أن يبني نموذج في الحكم يدمج مختلف الأعراق والإثنيات.
فالتناوب السياسي المفتوح داخل الوعاء الديني المغلق بين النموذج المحافظ والآخر الاصلاحي ساهم في تعميق حدة الصراع الطبقي في ايران واستمرت معه أفكار التحرر خاصة لدى الطبقة الوسطى والمثقفون وفي الجامعات،ففي قراءة سريعة للتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية (2016) هناك تنديد واسع باستمرار قمع المجتمع المدني والمعارضين والأقليات والمرأة،استمرار قمع شديد لحرية التعبير وتكوين الجمعيات والانضمام اليها وحرية التجمع السلمي وحرية المعتقد الديني،استمرار كل أشكال التعذيب من عقوبة الجلد وبتر الأطراف والرجم بالأحجار حتى الموت وعقوبة الإعدام مع استمرار عدم السماح للمقرر الخاص الاممي من دخول البلاد،استمرار إعدام الأطفال والتمييز الممارس ضد الفتيات وضد أطفال الأقليات الدينية والعرقية وضد أطفال المثليات والمثليين وذوي الميول الجنسية وطال القمع والتعذيب الصحافيون والمحامون والطلبة والمخرجون والمنتجون السنيمائيون والفنانون والنشطاء من أجل حقوق المرأة.كل هذا يحدث والحكومة الإيرانية وقعت على المادة السابعة من الميثاق الدولي المدني والحقوقي.
لايمكن فهم السياق الاحتجاجي في إيران بمعزل عن النموذج السوسيواقتصادي الذي أرسته الثورة الإيرانية اذ من الطبيعي أن يغيب الوازع الحزبي والأيديولوجي عن سياقات الاحتجاج بالنظر إلى طبيعة المجتمع المغلق إلا أن الأسباب الاقتصادية حاضرة بقوة خاصة وأن شرارة الانتفاضات الشعبية انطلقت من مدينة مشهد الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية،يجب الا ننسى أن المسؤولين عن تدهور الأوضاع المعيشية للسكان هم ذات الليبراليون الذين تحالفوا مع الثورة الاسلامية وتولوا مناصب عليا في التدبير والتسيير وكانوا وراء الفساد الاداري والرشوة والاغتناء غير المشروع.فكانت النتيجة افلاس الابناك وانتشار البطالة وإغلاق مؤسسات اقتصادية أبوابها وتسريح العمال.
نفس الأسباب كانت حاضرة عقب احداث سنة 2009 ولكن النظام الإيراني تحجج ساعتها بظروف الحصار الاقتصادي ،بعد الاتفاق النووي زاد الوضع سوءا وتضررت الطبقة الوسطى بشكل اكبر وعجز النظام الإيراني عن تمرير نفس الخطاب الديني الوطني.
لن يستطيع هذا النظام إقناع شعبه بتصدير النموذج السياسي الديني الإيراني وهو يعيش ظروف الاستغلال والقهر والتهميش،مثله مثل كافة الأنظمة الثيوقراطية السنية او الشيعية كلاهما يسوق خطابا "للدفاع المقدس" لا يقدم حلولا للإشكالات المجتمعية والاقتصادية، والاحتجاجات الحالية حتى ولو خفتت شمعتها سترسخ في وجدان الشعب الإيراني طريقا آخر نحو التحرر.