(14 ) خروج بنى اسرائيل من مصر نحو الأرض التى كتبها الله جل وعلا لهم

أحمد صبحى منصور
2018 / 1 / 4

(14 ) خروج بنى اسرائيل من مصر نحو الأرض التى كتبها الله جل وعلا لهم
مقدمة :
1 ـ إستقدم يوسف عليه السلام ـ وهو عزيز مصر ـ أباه النبى يعقوب ( إسرائيل ) وإخوته ، وجاءوا الى مصر فاستقروا فيها ( يوسف 93 : 100 ). وتكاثر ابناء يعقوب ( إسرائيل ) فى أرض مصر واصبحوا إثنتى عشرة قبيلة ، أو الأسباط . إزدهر أمرهم فى عصر ملوك الهكسوس الأجانب ، فالقرآن الكريم يسمى الملك فى قصة يوسف ب ( الملك )، وشخصيته تختلف عن الفرعون المصرى من ( الأسرة الرعمسية ) فى قصة موسى ، ليس فقط فى أن لقب الملك أصبح ( فرعون ) ولكن أيضا فى أن إستبداد الملك فى قصة يوسف كان هينا بالمقارنة الى إستبداد فرعون موسى . لم يعجب فرعون موسى أن بنى اسرائيل كانوا من أتباع الهكسوس ، وأن لهم ملة خاصة هى ملة ابراهيم ، صحيح أنهم كانوا يمارسون الديانة المصرية القديمة ولكن ظل معهم إلتأثر بملة ابراهيم خصوصا عدم تأليه فرعون. هذا جعل فرعون موسى يتشكك فى ولائهم ، فعسف بهم . وكانت رسالة موسى لفرعون أن يرسل معه بنى اسرائيل ليعود بهم الى الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم. وانتهى الأمر بغرق فرعون وجند واستخلاف بنى اسرائيل فى مصر ، وهى فترة مجهولة جاءت الاشارة اليها فى القرآن الكريم . بعدها عبر موسى بقومه البحر الى سيناء ذاهبا الى فلسطين .
2 ـ وقد ذكر رب العزة جل وعلا عبور بنى اسرائيل البحر مرتين . المرة الأولى حين كان فرعون يطاردهم ، قال جل وعلا عن هذا العبور : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) يونس ). عادوا الى مصر وتملكوها ، واستخلفهم الله جل وعلا فيها الى حين ، ثم أتى الوقت الذى يجب أن يعودوا فيه الى الأرض المقدسة التى كتبها لهم . وكانت المرة الأخرى حين عبر ثانيا بهم الى سيناء متجها الى ما يعرف الآن بفلسطين . عن هذا العبور قال رب العزة : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141).
3 ـ من الآيات السابقة نعرف أن معظم بنى اسرائيل كانوا متأثرين بالديانة المصرية القديمة بحيث أنهم بمجرد أن عبر بهم موسى الى الضفة الأخرى وجدوا معبدا فرعونيا فإشتد بهم الحنين للديانة التى عاشوا عليها فسألوا موسى أن يجعل لهم إلاها مماثلا ، فرفض موسى وذكّرهم بفضل الله جل وعلا عليهم إذ أنجاهم من فرعون وفضّلهم على العالمين .
4 ـ كانت هذه بداية سيئة تنذر بمتاعب ستحدث منهم وهم فى سيرهم فى سيناء . هذا مع أن الله جل وعلا أراهم من آياته ونعمائه وهم فى صحبة موسى وقتها . ونعطى بعض التفصيلات :
أولا : فى سيناء :
1 ـ طلبوا من موسى ان يروا الله جل وعلا جهرة فعوقبوا بالصعق ، ثم أحياهم الله جل وعلا وعفا عنهم لعلهم يشكرون : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) البقرة )
2 : فى طريقهم داخل سيناء إحتاجوا ماء فأوحى الله جل وعلا لموسى فضرب الحجر بعصاه فأنفجرت منه إثنتا عشرة عينا ، لكل سبط أو قبيلة عين خاصة بها ، كما كان الغمام يظلهم يقيهم من حرارة الشمس ، كما أرسل لهم طائر السلوى يقع بين أيديهم يذبحونه ويأكلونه ، وأخرج لهم مادة (المنّ ) مثل شهد العسل يأكلونه طازجا . قال جل وعلا :( وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) البقرة ) ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) البقرة )، وقال جل وعلا : ( وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) الاعراف ).
3 : لم يعجبهم لحم السلوى ولم تعجبهم حلواء المنّ ، وإشتاقوا الى الطعام الشعبى النباتى المصرى ، وهو ما يعرف الان شعبيا ب ( الكُشرى ) ومطاعمه مشهورة فى القاهرة والمدن المصرية ، وهو خليط من العدس والحبوب ( الفوم ) والبصل وبعض البقوليات . رد عليهم موسى بأنهم يستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ) (61) البقرة ). وحتى الآن فإن ( الكشرى ) المصرى هو ( الكوشير ) اليهودى .!
4 : أمرهم الله جل وعلا أن يسكنوا قرية فى سيناء حيث يتوفر لهم الأكل الوافر والعيش الرغد ، وأمرهم أن يدخلوها ساجدين لله جل وعلا شكرا يسألونه جل وعلا أن يحط عنهم ذنوبهم . أطاع المؤمنون منهم ، وعصى الظالمون وبدلوا الكلمة فقالوا إستهزاءا ( حنطة ) أى يطلبون الكشرى المصرى . عاقبهم رب العزة بعقوبة آلمت فرعون وقومه من قبل ، وهى الرجز ( الدمامل ). قال جل وعلا : ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) البقرة ) ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) الأعراف )
5 : فى كل هذا كان من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون : ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) الأعراف ).
أخيرا
1 ـ ثم حان وقت المواجهة ، دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لبنى اسرائيل . خطب فيهم موسى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ (20) المائدة ) . هنا يذكرهم بنعمة الله جل وعلا عليهم إذ جعل فيهم أنبياء ( يوسف وموسى وهارون ) ، وجعلهم ( جميعا ) ملوكا على مصر حين إستخلفهم فيها ، وبهذا أنعم عليهم بما لم ينعم به على أحد من العالمين .
2 ـ كانت هذه هى المقدمة لما سيطلبه منهم بعدها ، وهو دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم وألّا يرتدوا على أدباهم فيصيبهم الخسران : ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)المائدة ).
3 ـ ولأنهم تعودوا الاعتماد على موسى وعصاه ولأنهم عاشوا فى ظل الارهاب الفرعونى فقد جبنوا عن دخول فلسطين لأن فيها قوما جبارين ، وانهم لن يدخلوها حتى يخرج منها أولئك الجبارون مقدما : ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) المائدة ).
4 ـ لم يكونوا كلهم جبناء . كان منهم شجعان، تكلم منهم رجلان:( قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)المائدة ) .
5 ـ ولكن الأغلبية إتخذت القرار ، أنهم لن يدخلوا الأرض المقدسة ما دام فيها أولئك الجبارون ، وطلبوا من موسى أن يذهب هو وربه ليقاتلا لأنهم سيظلون فى مكانهم قاعدين :( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) المائدة ).
6 ـ فى قولهم : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا ) إختلط الجبن بالكفر بسوء القول عن رب العزة . لذا يأس منهم موسى فشكاهم الى ربه جل وعلا ، ألا يجعله وأخاه مع أولئك الظالمين، وأن يفرّق بينه وبينهم : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) المائدة ) .
7 ـ بالتالى هنا فراق بين موسى وهارون ومعهما القوم المؤمنون من بنى اسرائيل وبين الأغلبية الفاسقة منهم . وقد حكم الله جل وعلا علي أولئك الظالمين أن هذه الأرض المقدسة اصبحت محرمة عليهم وأنهم سيظلون يتيهون فى الأرض أربعين عاما حتى ينتهى هذا الجيل الفاسق الذى لا فائدة ولا أمل فيه : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) المائدة ).
8 ـ خلال هذه الفترة زار موسى وهارون مكة للحج الى البيت الحرام ، والحج أحد شعائر ملة جدهم ابراهيم ، ولم تؤمن قريش برسالة موسى وإتهموه وأخاه بالتظاهر بالسحر . وفيما بعد كانوا يقسمون بالله جل وعلا لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من بنى إسرائيل ، قال جل وعلا : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) فاطر ) ، أى لما جاءهم خاتم النبيين كفروا . لذا قال جل وعلا يذكّر قريش بكفرهم برسالة موسى وهارون من قبل : (فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) القصص ).