الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الثاني

صادق إطيمش
2017 / 4 / 21

إحتضار المواطن في اسواق التزوير لأحزاب الإسلام السياسي

لم يمر تاريخ العراق بانتشار ظاهرة التزوير بالشكل الذي انتشرت فيه هذه الظاهرة اليوم في زمن حكم احزاب الإسلام السياسي وتحكمها بالبلاد والعباد بشكل بدائي متخلف جعل من هذه الظاهرة المقيتة نسقاً يبدو وكأنه طبيعي جداً ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بتدين الحاكمين ومنسجماً مع تعاليم فقههم المتدني حتى الحضيض.ولو اقتصرت هذه الظاهرة المعيبة على نطاق محدود لإنتشارها وبين فئات بسيطة من الناس لكان وقع مسبباتها ونتائجها اهون على كل ذي لب بالرغم من ان وجودها اساساً لا يشكل إلا علامة من علامات انتكاس المجتمع ككل وليس للفئة التي تمارس هذه الفعلة القبيحة فقط. إلا ان ما يجري اليوم على ارض وطننا والمتعلق بالفساد الإداري والمالي وما يترتب عليهما من فساد اخلاقي واجتماعي وسياسي وما ينتج عن كل ذلك من تدهور اقتصادي وتخلف علمي وارتداد ثقافي جعل العراق ضمن الدول الثلاث الأخيرة في سلم التطور العالمي، هذا الموقع الذي اكدته كثير من المنظمات الدولية المهتمة بتقييم مسيرة الدول القائمة اليوم في المجتمع الدولي عموماً. إن ذلك كله يجري بعلم وتخطيط ومساهمة وتنفيذ قوى تدعي انها تلتزم بدين يحرم عليها ذلك وباخلاق تنهاها عن اي شكل من هذه الممارسة وبورع وخوف من رب يحاسبها على هذا النوع من الأعمال التي تقع في مصاف الكذب والخديعة والإبتزاز. إنها قوى الإسلام السياسي الحاكمة في العراق التي شرعنت هذا النمط المُخجل من التعامل مع واقع الحياة في جميع المفاصل التي تشكل الأساس الفعلي للعلاقات الإجتماعية سواءً بين الناس انفسهم او بينهم وبين الدولة التي يعيشون ضمن حدودها الجغرافية واستناداً إلى قوانينها وتعاليمها. ولم تقتصر جرائم التزوير التي تمارسها هذه القوى الإسلامية جداً !!! والورعة حتى النخاع !!! على نطاق ما ما تتحكم به من مؤسسات ومكاتب واسواق، كسوق مريدي للشهادات العلمية المختلفة مثلاً،بل ان عصابات الإسلام السياسي الحاكم قد تجاوزت حدود العراق متجهة نحو الجارة الكبرى الإسلامية جداً ايضاً!!! والتي لم تتوان عن منح مريديها في العراق كل ما من شأنه ان يجعل من هذا المريد وبين عشية وضحاها خريجاً اكاديمياً لامعاً او حامل شهادة تتيح له اخفاء جهله حتى لحروف الهجاء تمهيداً لأن يجعل منه فقهاء السلاطين إمعة يوجهونها كيفما يريدون في جميع مؤسسات الدولة العراقية الخاضعة لحكمهم وتحكمهم.
لقد اصبحت ظاهرة التزوير وكل ما يرتبط بها من مكاتب خاصة لذلك ووسطاء لهم اذرع اخطبوطية تتحرك في جميع مرافق الدولة العراقية ، ونؤكد هنا على عبارة جمييييع مرافق الدولة العراقية، بكل حرية وامان متسترين بكل ما يوحي به لهم فقههم الشيطاني وتدينهم الذي يضعونه كواجهة للخداع والإبتزاز واللعب على الذقون ، تراهم مبسملين محوقلين في حديثهم،إلا انهم لا تأخذهم في سرقة المال العام وحقوق الناس لومة لائم ، يجيدون لعبة الإثراء الفاحش ويتقنون قوانين اللف والدوران لجعل كل الوثائق المزورة التي يتبنونها او التي يسعون لنشرها مستمسكات لا يرقى اليها الشك الذي يتجاوزونه بترديد بعض الهمهمات الدينية الموحية بالورع والتعبد الذي تنطبق عليه النكتة العراقية المتداولة بين الناس اليوم والتي يتضمنها جواب الطالب الذي سأله مدرس اللغة العربية عن ادوات النصب فذكرها على انها الجبة والعمامة والمسبحة واللحية والبقعة السوداء على الجبين.
الطامة الكبرى في النتائج المترتبة على سريان نسق التزوير هذا والذي اصبح جزءً لا يتجزء من العمل في كل مؤسسات الدولة، وليس ظاهرة طارئة، هو ان المواطن البسيط الذي لا دخل له في كل معطيات التزوير هذه واصبح مغلوباً على امره في تحمل نتائجها الكارثية وكأنه هو المعني بتزوير الوثائق والمستمسكات المطلوبة لإجراء اية معاملة رسمية، وكأنه هو المسبب لكل ذلك لتشمله إجراءات مكافحة التزوير الذي تمارسه صراحة وعلانية جموع الرواد لأحزاب الإسلام السياسي والأحزاب المحاصصاتية التي تشاركها سرقة قوت الفقراء وخيرات الوطن. وبما ان هذه الفئات الماسكة باجراءات التزوير عصية على المؤسسات الرسمية ذات العلاقة بحيث لا يستطيع الموظف المعني ان يناقش صحة الوثائق المقدَمة له إن كان صاحب المعاملة ممن يمتلكون ادوات النصب المذكورة اعلاه والمثبتة بهويته الحزبية المنصوص عليها انتماءه الطائفي ايضاً والمزينة بختام المسك من خلال الإنتماء العشائري او المناطقي، فإن الواقعة التي ستنال المواطن الخالي من هذه المواصفات ستكون اشبه بالإحتضار البطيئ حينما يُطلب منه ان يبرهن على انه لم يقدم وثائق مزورة وذلك من خلا ابتكار ما يسمى ب " صحة الصدور " لهذه الوثائق.من الطبيعي ان لا يجرأ اي موظف في الدولة ان يطالب المزورين الأساسيين والنصابين الإسلاميين حتى النخاع باثبات وثائقهم من خلال صحة الصدور هذه، إذ ان اتصالاً هاتفياً واحداً ومن خلال الهاتف النقال سيجعل من هذا الموظف الذي تجرأ على ذلك شذر مذر على الفور.وهذا يعني ان المواطن الذي سيتحمل تبعات خداع واضاليل المبسملين المحوقلين عبر اجراءات قد تستمر لأشهر عدة، إن لم تتوفر لديه السيولة المالية الكافية لتجاوز اجراءات صحة الصدور هذه.وهذا مظهر آخر من مظاهر الإحتضار التي سنتناولها في مجال آخر من هذه المعايشات في المجتمع العراقي، مجتمع سيطرة الإسلام السياسي واحزابه الفاشلة، هذه الأحزاب التي سيكون لنا حديث معها في الحلقة القادمة.
الدكتور صادق إطيمش