تركيا، الى اين؟

جاسم ألصفار
2017 / 4 / 20


خرج المؤيدون للرئيس التركي رجب طيب اوردوغان الى الشوارع في عدد من المدن التركية محتفلين بالنصر بعد ان صوت المشاركون في الاستفتاء العام باغلبية طفيفة، تتجاوز قليلا 51% من اصوات المشاركين في الاستفتاء، لصالح تعديلات على الدستور التركي تمنح رئيس الدولة صلاحيات واسعة جدا. فما هي تداعيات هذا الحدث، وهل عمت الفرحة فعلا اغلبية الشعب التركي بتغييرات دستورية ليس من شأنها سوى تعبيد الطريق لسلطان سيجلس على عرشه امرا ناهيا.
بعد استفتاء يوم الاحد الماضي 16/04/2017 الذي فاز فيه الرئيس التركي رجب طيب اوردوغان اصبحت تركيا امام منعطف تاريخي خطير. ففي حالة تنفيذ التعديلات الدستورية في عام 2019م ، كما هو مخطط لها، تكون الدولة التركية قد تحولت من نظام برلماني الى نظام حكم رئاسي يتمتع فيه رئيس الدولة بصلاحيات واسعة جدا. ووفقا للتعديلات الجديدة سيلغى منصب رئيس الوزراء وتنتقل صلاحياته الى رئيس البلاد الذي يعين بنفسه نائبا له يدير شؤون مجلس الوزراء.
ويكون من حق رئيس الدولة تعيين الوزراء وكبار المسؤولين وتشكيل مؤسسات الدولة الهامة وتحديد صلاحياتها واصدار اوامر لها قوة القانون واعلان حالة الطوارئ دون العودة الى البرلمان. ومع ان التعديلات الدستورية تمدد فترة عمل الرئيس والبرلمان من اربعة الى خمسة سنوات الا انها تمنح الرئيس حق الاعلان عن انتخابات مبكرة للرئيس وللبرلمان. كما وان البرلمان وفقا للتعديلات الجديدة سيصبح مؤسسة مطواعة بيد الرئيس يزداد فيها عدد النواب وينخفض الشرط العمري لشغل منصب نائب في البرلمان من 25 الى 18 سنة. وهذا ما سيمنح الرئيس امكانية اكبر للتحكم في البرلمان من خلال زج فئة الشباب المتحمس الموالي، كما هو ملاحظ، لاوردوغان وزيادة عدد النواب الممثلين للمحافظات الصغيرة القروية المزاج والميالة بطبيعتها لتأييد الحاكم المطلق.
ومع ان الصحافة التركية الموالية لاوردوغان، وهي الاكثر سطوة اليوم، اعتبرت نتائج الاستفتاء تأكيدا لمنح ثقة الشعب "بقائده" اوردوغان وتعبير عن حب الشعب له، الا انها لم تخفي ايضا حقيقة ان اوردوغان قد سعى الى تغيير الدستور منذ انتصار حزبه (حزب العدالة والتنمية) في انتخابات 2002 وافتعاله منذ ذلك الحين لاحداث في الداخل والخارج تؤكد على حاجة البلاد لزعيم قوي يقود الامة التركية نحو "مجدها" و"رقيها"، كان اخرها الانقلاب الذي وقع في عام 2016 والذي استغله اوردوغان افضل استغلال من اجل الاسراع باجراء الاستفتاء وتحقيق الفوز الاكيد فيه.
فانقلاب يوليو 2016 منح اوردوغان فرصة العمر ليقوم بانقلاب مدروس على مؤسسات الدولة الحساسة ويجرد الجيش التركي، الامين لمبادئ اتاتورك العلمانية الغربية، لاول مرة في تاريخه الحديث من اي قدرة على التحكم في الوضع السياسي ومسار تغييره. وتبعا لذلك وبعد عملية تمشيط وحملة اعتقالات واسعة وسط المؤسسة العسكرية ازف الوقت لاوردوغان للانقلاب على الديمقراطية والتأسيس لنظام حكم رئاسي استبدادي قادر على ازاحة وشطب مبادئ العلمانية والتوجهات الغربية للدولة التركية.
وليس غريبا ان يجري الاستفتاء في ظروف غاية في التعقيد تمر بها تركيا، فاضافة الى 9 الاف معتقل متهم بموالاة انقلاب يوليو 2016 هناك عشرات الالاف ممن فقدوا وضائفهم وخاصة من بين الصحفيين ومحرري الصحف الذين وجدوا انفسهم عاجزين عن المساهمة في صناعة الرأي العام. وحتى في حدود واقع لم تصبح فيه الصحافة التركية تابعة بالكامل لاوردوغان الا ان اغلبها تصرف بحذر وخوف من العقاب، لذا فان صوت اوردوغان وانصاره الداعين للتصويت بنعم على التعديلات الدستورية كان هو الاعلى والاكثر طغيانا.
وتجدر الاشارة هنا الى حقيقة ان الظروف التي احاطت بالاستفتاء والقت بظلالها عليه كان من المتوقع ان تمنح اوردوغان وانصاره اغلبية ساحقة في الاستفتاء الا ان ذلك لم يتحقق ولم يحصل اوردوغان الا على اغلبية بسيطة تحققت بفضل المشاركين في الاستفتاء من المناطق القروية والمدن الصغيرة بينما صوت سكان المدن التركية الكبرى كاسطنبول وانقرة وازمير ضد التعديلات التي توسع صلاحيات رئيس الدولة.
وعليه، فقد انقسمت تركيا على نفسها وفقا لنتائج الاستفتاء الى مدن كبرى علمانية الاتجاه واوربية التقاليد وضواحي المدن التركية بتقاليدها المركزية الريفية الابوية ووجهتها الدينية الاسيوية. وقد سعى اوردوغان منذ 15 عاما الى تعزيز التوجه الاسيوي والانغماس كليا في احداثه في سوريا والعراق ومصر وغيرها وخلق مزاج شعبي يتجاوب مع هذا التوجه مستفيدا من حالة الاحباط التي ولدتها العلاقة باوربا.
فطموح تركيا لان تكون جزء من اوربا وسعيها الدؤوب لتحقيق هذا الطموح، قوبل دوما باشتراطات اوربية لا هدف لها سوى تبرير اعتراض بعض الدول الاوربية على انظمام تركيا للاتحاد الاوربي. ولم تتيقن تركيا بانها غير مرغوب بها في اوربا الا في تسعينات القرن الماضي عندما وافق الاتحاد الاوربي دون اي شروط وبلا تريث على ضم دول اوربا الشرقية اليه تاركا تركيا المرشحة منذ 1987 لعضوية الاتحاد الاوربي منتظرة خارج اسواره.
ومع تزايد احباط المناصرين للنهج الاوربي في تركيا صعد نجم اوردوغان الذي استطاع ان يدفع عجلة النمو الاقتصادي الى الامام دون اي عون يذكر من الاتحاد الاوربي. اضافة الى خطابه القومي، الذي كان يؤكد فيه على الحضارة التركية المتميزة واهمية انبعاثها وعلى المصالح التركية التي لا تتفق دائما مع المصالح الاوربية، والذي استطاع به توسيع مساحة التأييد له في تركيا، وخاصة في الريف التركي وبين الشباب.
وكان ثمن هذا الخطاب كبيرا، فاضافة الى المواجهات الدموية والصراع السياسي الحاد مع الاكراد في تركيا، غرقت البلاد في نزاعات وحروب اهلية خارج حدودها. فاصبحت تركيا جزء من الازمة المستعصية في سوريا وادت تدخلاتها في العراق ومصر الى تعقيد العلاقة مع هذين الدولتين. ولكن اوردوغان ليس من اولئك الذين يفكرون بثمن النصر.
ولابأس في ان اختم هذه المقالة بما ذكره استاذ العلاقات الدولية المساعد في جامعة "عزت بايصال" التركية، فاتح ياشلي، في مقابلة مع وكالة "سبوتنك" الروسية، أن الجمهورية التركية "قد اقتربت من نهايتها من حيث نظام الحكم والمبادئ التي تقوم عليها، ويوم 16 نيسان/ابريل هو بداية انهيار الجمهورية التركية، كونه يوم شرع فيه لحكم الفرد"، معتبراً أن هدف حكومة "حزب العدالة والتنمية" والرئيس رجب طيب أردوغان كان منذ البداية تدمير الجمهورية التركية العلمانية وتغيير نظام الحكم في البلاد وتصفية الحساب مع مبادئ الجمهورية التركية التي تأسست عام 1923.