الرد على اسئلة الداعية الاسلامي ( د. هيثم طلعت ) / الجزء الثاني

رياض العصري
2017 / 4 / 20

س5 ) ماذا لو أثبت التطور أن عِرقًا بشريًا أرقى من عرقٍ آخر، هل يحق للأرقى تحويل الأدنى إلى مادة مستعملة كما نتعامل مع الحشرات والحيوانات الأدنى تطوريًا ؟ إجابة الداروينية المادية هي : نعم ، وهذا يضمن انهيار الإلحاد داخل العقول السوية والأنفس المفطورة على أن التمايز بين البشر هو بالتقوى لا بلون الجلد ولا بكفاءة العضلات.
ج5 ) وفقا لمباديء الحق والعدل لا يجوز للأرقى ان يحوّل من هو أدنى الى مادة مستعملة ... ولكن وفقا لقوانين العمل والتي هي قوانين الحياة يجوز للأرقى علميا او للأقدر ماليا ان يستخدم من هم اقل معرفة علمية او اقل قدرة مادية على العمل تحت قيادته واشرافه وتوجيهه وفقا لمبدأ الأجر مقابل الخدمة او مقابل السلعة بشرط ان لا يؤدي ذلك الاستخدام الى الاستغلال البشع او امتهان الكرامة .. وان مبدأ الاستخدام مبدأ معروف منذ القدم وحتى في العقيدة الاسلامية موجود هذا المبدأ ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ) اما مسألة التمييز بين الاعراق البشرية فذلك ليس من مبادئنا ، الجنس البشري بجميع أعراقه يتمتع بالمساواة وفقا للائحة حقوق الانسان التي لا وجود لها في العقيدة الاسلامية ، من حيث القيمة الانسانية نحن نؤمن بالمساواة بين جميع الاعراق البشرية ولا فرق بينهم حسب لون الجلد او قوة العظلات ، وان التمايز بين البشر هو في مدى الالتزام بمعايير القيمة الانسانية المتمثلة في ثلاثية ( الفضيلة ، المعرفة ، العمل ) فهل ان العقول التي تؤمن بحقوق الانسان دون تمييز حسب الجنس او اللون او الانتماء هي عقول ليست سوية ، اما العقول التي تؤمن بالفكر الذي يمارس التمييز حسب الجنس حيث ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) وكذلك استخدام لون البشرة للتمييز بين الكفر والايمان ( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) او التمييز حسب الانتماء ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فانها عقول سوية ؟ اما مسألة التعامل مع الحشرات والحيوانات ، معلوم ان الجنس البشري هو ارقى الكائنات الحية ، وبما ان الأرقى هو الأغلى ، فان من حق الانسان الذي هو سيد الكائنات الحية ان يحمي نفسه من الكائنات التي تشكل خطورة على حياته او تسبب له الاضرار الصحية باي طريقة يراها مناسبة ، وحتى العقيدة الاسلامية تؤيد هذا المبدأ ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) .
س6 ) يفترض الملحد أن الأخلاق نسبية ـ أي تحتمل أكثر من وجه ـ فمثلاً الأمانة قد تكون أفضل من الخيانة وقد تكون الخيانة أفضل من الأمانة ، ثم حين يأتي بشبهاته فإنه يقرر مسبقًا أنها مطلقة لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا الأمانة أفضل من الخيانة ، لأنه لو كانت الأخلاق نسبية فليس للشبهة معنىً ، لأنه ساعتها لن يستطيع أن يقرر أن هناك مخالفة لمعيار أخلاقي وهذا تناقض ظاهر ، فهل الأخلاق نسبية أم مطلقة ؟ فلو كانت مطلقة لانتهى إلحاده لأن هذا يعني أن الأخلاق تحمل غائية وجودية كبرى ـ إرادة الله والتكليف الإلهي ـ ولو كانت نسبية فهذا يعني أنه لا يصح للملحد أن يأتي بشبهة ولا أن يستوعب وجود شبهة أصلاً !
ج6 ) اعرض تفسيري لمسألة الاخلاق وفقا لفلسفة عقيدة الحياة المعاصرة ، فأقول بان معايير الاخلاق وفقا لهذه الفلسفة تتضمن مفاهيم ( الحق ، الخير، التضامن ) وان مفهوم الحق وكل المفاهيم الاخرى المتصلة به ( مفاهيم الحق تشمل : الصدق ، العدل ، الشفافية ، الحقيقة ، الانصاف ، الامانة ، الوفاء ، المبدأية ، الحرية ، المساواة ، عدم التمييز ، عدم الانحياز ) هي من المفاهيم المطلقة ، وان من قرر كونها مطلقة ليست ارادة الله او التكليف الالهي وانما الحس الانساني بالحق الذي نشأ عبر عشرات الالوف من السنين من التعايش الاجتماعي فظهرت ونمت مفاهيم الحق والعدل والانصاف في الضمير الانساني ، اما مفهوم الخير وكل المفاهيم الاخرى المتصلة به ( مفاهيم الخير تشمل : الرحمة ، الشفقة ، العطف ، المحبة ، المساعدة ، المروءة ، التسامح ، الاحترام ، الايثار ، النجدة ، الكرم ) فهي من المفاهيم النسبية التي تتأثر بظروف المكان والزمان ، فما هو خير في زمن ما قد لا يكون كذلك في زمن اخر ، وما نراه احسان وشفقة في مكان ما قد لا يكون كذلك في مكان اخر ، فالمثال الذي ذكر عن الامانة لا يمكن ان يؤخذ كمفهوم نسبي ، لان الامانة هي من مفاهيم الحق التي هي مفاهيم مطلقة ، وهذه المفاهيم نشأت تاريخيا مع نشأة وتطور الكيان الاجتماعي للبشر وهي باقية ما بقي البشر في الوجود ، اننا نرى بان الغاية من الاخلاق هي غاية اجتماعية حتمتها ظروف الحياة الاجتماعية لضمان العيش الآمن والاستقرار النفسي في مجتمع يضم العديد المتنوع من سلوكيات البشر ، اما ما يتعلق بالغاية من خلق الكون فنحن لا نعلم طبيعة خالق الكون ولا الهدف من خلقه للكون ولذلك قلنا في تعريفنا للخالق بانه خلق الكون بطريقة مجهولة ولاسباب مجهولة ، وان جهلنا بهذه المسائل لا يترتب عليه القبول بالعقائد الدينية التي اشتملت على روايات خيالية من نسج خيال مؤسسيها في تفسير خلق الكون ، اما بالنسبة للغاية من خلق الحياة والانسان فنحن نرى بان انبثاق ظاهرة الحياة وظهور الانسان لم يكن عن قصد وغاية من جهة ما في السماء ، ودليلنا انه لو كانت لدى الخالق غاية من خلق الحياة والانسان لخلق مثلها في الكواكب الاخرى المجاورة للارض .. ولن تعيقه او تعجزه ظروف تلك الكواكب عن خلق الحياة فيها اذا كانت هذه ارادته ومشيئته ، وحيث اننا نرى بانه لا حياة في الكواكب الاخرى المجاورة ولا حتى في القمر القريب من الارض .. فاذن يكون ظهور الحياة على كوكب الارض انما هو بفعل عامل الصدفة وبالتالي لا غاية وراء هذه الحياة ، وهذه الكائنات الحية تحيا وترحل دون هدف ما ، كما ان ظهور الانسان على كوكب الارض كان بفعل عوامل التطور والانتقاء الطبيعي الذي جرى للكائنات الحية المنبثقة عن ظاهرة الحياة على مدى مئات الملايين من السنين حتى وصل التطور الى ارقى نتاجاته وهو الانسان ذو العقل والادراك والفهم ، وبما ان خالق الكون غير معني بشؤون البشر على كوكب الارض اذن ليس لدى الخالق غاية من وجود الحياة ووجود الانسان ، ولكننا في عقيدة الحياة المعاصرة ننظر الى مسألة الحياة ووجود الانسان بايجابية وبمنظار تفاؤلي ، فنرى بان هناك غاية من وجود الانسان خلقتها ظروف الحياة الاجتماعية للبشر وهي خدمة بني الانسان باخلاص وتفاني للحصول على قيمة ايجابية ومشرّفة في الحياة وذكرى سامية بعد الرحيل تخلد اسم الانسان بشرف وفخر له ولعائلته من بعده ، كلنا راحلون عن الدنيا ، اجسامنا راحلة لكن اعمالنا باقية ، اين اجساد البشر الذين عاشوا قبل الاف السنين وقبل مئات السنين ؟ مادة اجسادهم عادت الى الطبيعة ولكن بقيت ذكرى الذين تركوا بصمة في حياة الناس فتناقلها الرواة ودونها المؤرخون في سجل التاريخ ، فمن صلحت اعماله لخدمة بني البشر ذكر اسمه في سجل سيرته بالشرف والفخر ومن ساءت اعماله تلطخ اسمه وسجل سيرته بالخزي والعار ، وهذا ما نراه في الغاية من وجود الانسان ... ان يأتي الانسان ثم يمضي فيترك بصمة في سجل حياته ، اننا نؤمن بالالتزام بمعايير الحق والعدل ومعايير الخير والرحمة لان هذه المعايير هي التي تمنح الانسان قيمته الانسانية الراقية وهي الغاية من وجود الانسان على الحياة .
س7 ) كيف ظهرت الثوابت الفيزيائية المدهشة التي بدأ بها الكون؟ الثوابت الفيزيائية هي فرق في قياسات الطاقة في المادة التي ظهر منها الكون ، وهذا الفرق دقيق للغاية ولو اختل ما ظهر الكون ، مثال على ذلك : الثابت الكوني Cosmological constant الذي لو اختلفت قيمته بأقل من جزء من صفر يليه 123 صفر ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله ، هذا ثابت فيزيائي يؤكد وجود ضبط ودقة وعظيم صنع ؛ والثوابت الفيزيائية كثيرة وكلها دقيقة ومدهشة .
ج7 ) اننا نرى بان الكون يتصف بوجود ثلاثة مظاهر اساسية وهي ( المادة ، الطاقة ، الحركة ) وان من خلق المادة والطاقة والذي نطلق عليه الخالق المجهول قد وضع لهما الخصائص التي تميز كل عنصر في مادة الكون وكل نوع من انواع الطاقة الموجودة في الكون ، وكذلك وضع الخالق القوانين التي تنظم سلوك وتصرفات كل من المادة والطاقة والحركة ، ولكن وجود القوانين المنظمة لسلوك وحركة مواد الكون لم تمنع من وقوع حوادث التصادم والتجاذب والتداخل والتضارب والارتطام فيما بينها كنتيجة لعشوائية الانتشار على اثر الانفجار العظيم .. لتنتهي تلك الحواث وفقا لمبدأ ان المادة ذات الطاقة الاكبر هي التي تتحكم في المواد الاخرى الاقل طاقة والتي شاءت الصدفة ان تتواجد ضمن نطاق جاذبية المادة ذات الطاقة الاكبر، ان استقرار خارطة انتشار المواد في الكون بعد مضي مليارات السنين على الانفجار العظيم نجم عنه ثباتا نسبيا وليس مطلقا في حركة مواد الكون وطاقاته ، وكنتيجة للثبات النسبي لحركات المواد والطاقات والقوى الكونية فان هناك ايقاعات ثابتة لتلك الحركات تؤدي الى تكون قيم عددية ثابتة تربط بين الحركات المختلفة او التحولات او التغييرات في الخصائص الفيزيائية او الكيميائية ، وان هناك الكثير من الثوابت الفيزيائية والكيميائية التي تم استخلاصها من دراسة الحركات ومراقبة التغييرات في الخصائص ، هذه الثوابت يمكن استخدامها في استنتاج البيانات او حساب الكميات او المقادير او التكهن بالمتغيرات المستقبلية ، ان هذا الوجود ـ حسب رؤيتنا ـ عبارة دورات كونية حيث تتكون الدورة الكونية الواحدة من اربعة مراحل او اشواط ( شوط الانفجار ، شوط التمدد او التوسع ، شوط التوقف او الاستقرار ، شوط الانكماش او التقلص حيث العودة الى نقطة البداية لبدء دورة جديدة ) والدورة الواحدة تستغرق عشرات المليارات من السنين ، واننا نعتقد ان الدقة والضبط في حركات موجودات الكون في الوقت الحالي لم تنشأ كلها دفعة واحدة منذ بداية نشأة الكون ، وانما مرت تلك الحركات وعلى مدى 14 مليار سنة من عمر الكون بمراحل عديدة من التصادمات والارتطامات التي هي نتاج عشوائية التوزيع وعشوائية الانتشار حتى استقرت على ما هي عليه حاليا ، وان هذه الارض التي نحيا عليها لم تنجو من حوادث العشوائية وعلى مدى عمرها ( 4,5 مليار سنة ) حيث سقطت عليها الكثير من النيازك القادمة من الفضاء الخارجي ، وانقرضت الكثير من الكائنات الحية من جراء سقوط تلك النيازك على الارض ، خلاصة القول ان الثوابت الفيزيائية والكيميائية لا علاقة لها بصفات اله الاديان الوهمي ، ولا يمكن اعتبارها دليل على صحة المعتقدات الدينية ، وانما هي دليل على وجود خالق مجهول الطبيعة ، خلق الوجود وفق نظام معين ، بطريقة مجهولة ولاسباب مجهولة ، وهو غير معني بمصير الكائنات الحية وغير معني بشؤون البشر على كوكب الارض .
يتبع الجزء الثالث والاخير