الانتخابات الفرنسية ... بين العولمة الحديثة واليمين القومي الراديكالي

زياد عبد الفتاح الاسدي
2017 / 4 / 19

مع الانقسام والضعف الذي يُعاني منه اليسار الفرنسي عموماً بين جناح يسار الوسط في الاشتراكية الفرنسية والذي يُمثله في الانتخابات الرئاسية القادمة مُرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي بونوا هامون وبين جناح اليسار الراديكالي في الحزب الاشتراكي الذي يٌمثله جان لوك ميلينشون بمواقفه السياسية والتقدمية الُميزة .. ومع فضائح الفساد السياسي والمالي التي يُعاني منها مُرشح اليمين الجمهوري المُحافظ فرسوا فيون .. يبدو أن معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية المحتدمة بشراسة لم تعهدها أي انتخابات فرنسية سابقة , تتجهه بوضوح في نتائجها الحاسمة نحو استبعاد فوز أي من مرشحي الاحزاب التقليدية الفرنسية التي سيطرت على الانتخابات الفرنسية منذ سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية, سواء أحزاب اليمين اللبرالي من يمين الوسط واليمين المحافظ , أوجناح يسار الوسط في الحزب الاشتراكي الفرنسي , لينحصر التنافس الشديد قبل انعقاد الجولة الاولى من الانتخابات الفرنسية القادمة, بين المرشحين الاوفر حظاً في الصعود الى سدة الرئاسة الفرنسية .. وهما مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية والتي تُعتبر المُرشح الوحيد عن اليمين القومي الراديكالي في فرنسا الذي اكتسب في السنوات الاخيرة شعبية متزايدة في أوساط الناخبين الفرنسيين بعد أن كان مهمشاً وضعيفاً في معظم الانتخابات الفرنسية السابقة بما في ذلك الانتخابات البرلمانية أوالانتخابات المحلية (البلدية) .... أما المرشح الآخر فهو إيمانويل ماكرون الذي يقف في الاتجاه المُعاكس تماماً لمارين لوبين , ولا ينتمي بالحقيقة لأي من الاحزاب التقليدية الفرنسية رغم أن خلفيته السياسية بين عامي 2006 و2009 تعود الى الحزب الاشتراكي الفرنسي , كما شغل بعض المناصب الهامة في فترة رئاسة هولاند من بينها وزيراً سابقاً للاقتصاد والصناعة حتى عام 2016 , ليشكل في ابريل 2016 حركة التجمع السياسي " الى الامام " كواحدة من أهم الحركات السياسية الحديثة في فرنسا والتي أظهر ماكرون أهدافها السياسية من خلال كتابه الذي نُشر في نوفمبر 2016 بعنوان " الثورة " .
على أية حال ما يهمنا في العالم العربي من الانتخابات الفرنسية هو تأثير نتائجها على مواقف السياسة الفرنسية المُقبلة من الاتحاد الاوروبي وعلى ما يجري في المنطقة العربية ولا سيما فيما يتعلق بمواقف فرنسا من الصراع الاقليمي والدولي المحتدم في المشرق العربي وتحديداً الصراع الطويل والممتد بشراسة في الازمة السورية . وهنا يبدو بوضوح أن فوز مارين لوبين والتي تدعو لخروج فرنسا من الاتحاد الاوروبي والاهتمام بالشؤون الوطنية والاقتصادية لفرنسا قد يكون له تأثير ايجابي على السياسة الخارجية الفرنسية التي ستكون أكثر انغلاقاً نحو الداخل الفرنسي , ولا سيما فيما يتعلق باالشرق الاوسط والازمة السورية .. ولكن بالمقابل سينعكس تأثير فوز لوبين بالتأكيد سلباً على الاقليات العربية والاسلامية والافريقية التي تعيش في فرنسا والتي قد تتعرض بشدة للاضطهاد والتمييز العنصري والحرمان من الوظائف وسياسات الضمان الاجتماعي .. هذا عدا عن احتمال إبعاد عشرات الالوف من المقيمين بشكلٍ غير شرعي من الاراضي الفرنسية .
أما في حال فوز ايمانويل ماكرون والذي يُعتبر من منظري اقتصاد العولمة الحديثة وبقاء فرنسا في الاتحاد الاوروبي والانفتاح السياسي والاقتصادي والتجاري على العالم في اطار من الاصلاح الجذري للاقتصاد السياسي لدول المنظومة الاوروبية وإمكانية إخراج الاقتصاد الرأسمالي الغربي من أزمته الراهنة حسب منظوره الاقتصادي , فإن فوزه سيكون له بعض التأثير الايحابي على السياسة الفرنسية تجاه المنطقة العربية والازمة السورية على وجه التحديد , لاسيما مع انتقاده الشديد للدور السعودي والقطري في دعم الجماعات الارهابية والاسلامية المُتطرفة الناشطة في سوريا .. ولكن هل يُمكننا أن نتوقع في حال فوزه بالرئاسة الفرنسية أن يقوم بتغييرات إيجابية هامة للسياسة الفرنسية فيما يتعلق بالصراع الدائر في سوريا والمنطقة ..؟؟ أو بتغييرات جذرية للدور الفرنسي القيادي في المنظومة الامبريالية الغربية ..؟؟؟ .. على الاغلب هذا من المستبعد تماماً... وعلى كل حال فان غداً لناظره قريب .