البابا شنودة يواجه النبي سامي الذيب ((1))

ناصر المنصور
2017 / 4 / 18

لأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالْكَهَنَةَ تَنَجَّسُوا جَمِيعًا !!!


سفر إرميا 23
1 « وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ وَيُبَدِّدُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي، يَقُولُ الرَّبُّ.
2 لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الرُّعَاةِ الَّذِينَ يَرْعَوْنَ شَعْبِي: أَنْتُمْ بَدَّدْتُمْ غَنَمِي وَطَرَدْتُمُوهَا وَلَمْ تَتَعَهَّدُوهَا. هأَنَذَا أُعَاقِبُكُمْ عَلَى شَرِّ أَعْمَالِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ.
3 وَأَنَا أَجْمَعُ بَقِيَّةَ غَنَمِي مِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتُهَا إِلَيْهَا، وَأَرُدُّهَا إِلَى مَرَابِضِهَا فَتُثْمِرُ وَتَكْثُرُ.
4 وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رُعَاةً يَرْعَوْنَهَا فَلاَ تَخَافُ بَعْدُ وَلاَ تَرْتَعِدُ وَلاَ تُفْقَدُ، يَقُولُ الرَّبُّ.
5 «هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ.
6 فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: الرَّبُّ بِرُّنَا.
7 لِذلِكَ هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ،
8 بَلْ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَ وَأَتَى بِنَسْلِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ وَمِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتُهُمْ إِلَيْهَا فَيَسْكُنُونَ فِي أَرْضِهِمْ».
9 فِي الأَنْبِيَاءِ: اِنْسَحَقَ قَلْبِي فِي وَسَطِي. ارْتَخَتْ كُلُّ عِظَامِي. صِرْتُ كَإِنْسَانٍ سَكْرَانَ وَمِثْلَ رَجُل غَلَبَتْهُ الْخَمْرُ، مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ وَمِنْ أَجْلِ كَلاَمِ قُدْسِهِ.
10 لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ مِنَ الْفَاسِقِينَ. لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ اللَّعْنِ نَاحَتِ الأَرْضُ. جَفَّتْ مَرَاعِي الْبَرِّيَّةِ، وَصَارَ سَعْيُهُمْ لِلشَّرِّ، وَجَبَرُوتُهُمْ لِلْبَاطِلِ.
11 «لأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالْكَهَنَةَ تَنَجَّسُوا جَمِيعًا، بَلْ فِي بَيْتِي وَجَدْتُ شَرَّهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ.
12 لِذلِكَ يَكُونُ طَرِيقُهُمْ لَهُمْ كَمَزَالِقَ فِي ظَلاَمٍ دَامِسٍ، فَيُطْرَدُونَ وَيَسْقُطُونَ فِيهَا، لأَنِّي أَجْلِبُ عَلَيْهِمْ شَرًّا سَنَةَ عِقَابِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ.
13 وَقَدْ رَأَيْتُ فِي أَنْبِيَاءِ السَّامِرَةِ حَمَاقَةً. تَنَبَّأُوا بِالْبَعْلِ وَأَضَلُّوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ.
14 وَفِي أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ رَأَيْتُ مَا يُقْشَعَرُّ مِنْهُ. يَفْسِقُونَ وَيَسْلُكُونَ بِالْكَذِبِ، وَيُشَدِّدُونَ أَيَادِيَ فَاعِلِي الشَّرِّ حَتَّى لاَ يَرْجِعُوا الْوَاحِدُ عَنْ شَرِّهِ. صَارُوا لِي كُلُّهُمْ كَسَدُومَ، وَسُكَّانُهَا كَعَمُورَةَ.
15 لِذلِكَ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ عَنِ الأَنْبِيَاءِ: هأَنَذَا أُطْعِمُهُمْ أَفْسَنْتِينًا وَأَسْقِيهِمْ مَاءَ الْعَلْقَمِ، لأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ خَرَجَ نِفَاقٌ فِي كُلِّ الأَرْضِ.
16 هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: لاَ تَسْمَعُوا لِكَلاَمِ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ لَكُمْ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَكُمْ بَاطِلاً. يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ.
17 قَائِلِينَ قَوْلاً لِمُحْتَقِرِيَّ: قَالَ الرَّبُّ: يَكُونُ لَكُمْ سَلاَمٌ! وَيَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ يَسِيرُ فِي عِنَادِ قَلْبِهِ: لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ شَرٌّ.
18 لأَنَّهُ مَنْ وَقَفَ فِي مَجْلِسِ الرَّبِّ وَرَأَى وَسَمِعَ كَلِمَتَهُ؟ مَنْ أَصْغَى لِكَلِمَتِهِ وَسَمِعَ؟».
19 هَا زَوْبَعَةُ الرَّبِّ. غَيْظٌ يَخْرُجُ، وَنَوْءٌ هَائِجٌ. عَلَى رُؤُوسِ الأَشْرَارِ يَثُورُ.
20 لاَ يَرْتَدُّ غَضَبُ الرَّبِّ حَتَّى يُجْرِيَ وَيُقِيمَ مَقَاصِدَ قَلْبِهِ. فِي آخِرِ الأَيَّامِ تَفْهَمُونَ فَهْمًا.
21 «لَمْ أُرْسِلِ الأَنْبِيَاءَ بَلْ هُمْ جَرَوْا. لَمْ أَتَكَلَّمْ مَعَهُمْ بَلْ هُمْ تَنَبَّأُوا.
22 وَلَوْ وَقَفُوا فِي مَجْلِسِي لأَخْبَرُوا شَعْبِي بِكَلاَمِي وَرَدُّوهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيءِ وَعَنْ شَرِّ أَعْمَالِهِمْ.
23 أَلَعَلِّي إِلهٌ مِنْ قَرِيبٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلَسْتُ إِلهًا مِنْ بَعِيدٍ.
24 إِذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟

25 قَدْ سَمِعْتُ مَا قَالَهُ الأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ تَنَبَّأُوا بِاسْمِي بِالْكَذِبِ قَائِلِينَ: حَلِمْتُ، حَلِمْتُ.
26 حَتَّى مَتَى يُوجَدُ فِي قَلْبِ الأَنْبِيَاءِ الْمُتَنَبِّئِينَ بِالْكَذِبِ؟ بَلْ هُمْ أَنْبِيَاءُ خِدَاعِ قَلْبِهِمِ!
27 الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ أَنْ يُنَسُّوا شَعْبِي اسْمِي بِأَحْلاَمِهِمِ الَّتِي يَقُصُّونَهَا الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ، كَمَا نَسِيَ آبَاؤُهُمُ اسْمِي لأَجْلِ الْبَعْلِ.
28 اَلنَّبِيُّ الَّذِي مَعَهُ حُلْمٌ فَلْيَقُصَّ حُلْمًا، وَالَّذِي مَعَهُ كَلِمَتِي فَلْيَتَكَلَّمْ بِكَلِمَتِي بِالْحَقِّ. مَا لِلتِّبْنِ مَعَ الْحِنْطَةِ، يَقُولُ الرَّبُّ؟.
29 « أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟
30 لِذلِكَ هأَنَذَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ، يَقُولُ الرَّبُّ، الَّذِينَ يَسْرِقُونَ كَلِمَتِي بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
31 هأَنَذَا عَلَى الأَنْبِيَاءِ، يَقُولُ الرَّبُّ، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِسَانَهُمْ وَيَقُولُونَ: قَالَ.
32 هأَنَذَا عَلَى الَّذِينَ يَتَنَبَّأُونَ بِأَحْلاَمٍ كَاذِبَةٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الَّذِينَ يَقُصُّونَهَا وَيُضِلُّونَ شَعْبِي بِأَكَاذِيبِهِمْ وَمُفَاخَرَاتِهِمْ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ. فَلَمْ يُفِيدُوا هذَا الشَّعْبَ فَائِدَةً، يَقُولُ الرَّبُّ.
33 « وَإِذَا سَأَلَكَ هذَا الشَّعْبُ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ كَاهِنٌ: مَا وَحْيُ الرَّبِّ؟ فَقُلْ لَهُمْ: أَيُّ وَحْيٍ؟ إِنِّي أَرْفُضُكُمْ، هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ.
34 فَالنَّبِيُّ أَوِ الْكَاهِنُ أَوِ الشَّعْبُ الَّذِي يَقُولُ: وَحْيُ الرَّبِّ، أُعَاقِبُ ذلِكَ الرَّجُلَ وَبَيْتَهُ.
35 هكَذَا تَقُولُونَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ وَالرَّجُلُ لأَخِيهِ: بِمَاذَا أَجَابَ الرَّبُّ، وَمَاذَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ.
36 أَمَّا وَحْيُ الرَّبِّ فَلاَ تَذْكُرُوهُ بَعْدُ، لأَنَّ كَلِمَةَ كُلِّ إِنْسَانٍ تَكُونُ وَحْيَهُ، إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كَلاَمَ الإِلهِ الْحَيِّ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِنَا.
37 هكَذَا تَقُولُ لِلنَّبِيِّ: بِمَاذَا أَجَابَكَ الرَّبُّ، وَمَاذَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ.
38 وَإِذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ: وَحْيُ الرَّبِّ، فَلِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ قَوْلِكُمْ هذِهِ الْكَلِمَةَ: وَحْيُ الرَّبِّ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ قَائِلاً لاَ تَقُولُوا: وَحْيُ الرَّبِّ،
39 لِذلِكَ هأَنَذَا أَنْسَاكُمْ نِسْيَانًا، وَأَرْفُضُكُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِي، أَنْتُمْ وَالْمَدِينَةَ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ إِيَّاهَا.
40 وَأَجْعَلُ عَلَيْكُمْ عَارًا أَبَدِيًّا وَخِزْيًا أَبَدِيًّا لاَ يُنْسَى».

خطية
مفرد: الخطية - جمع: خطايا، الخطايا.
لخطية في تعريف الكتاب المقدس لها هي تعدّي الوصية، وعند القديس بولس اشتملت على معنى أوسع فهي كل ما ليس من الإيمان (عب 3: 12، 19). والخطية إما أن تكون بمعرفة أو بغير معرفة، بإرادة أم بغير إرادة. وكل ذبائح العهد القديم كانت تغفر خطية السهو فقط، أما الخطية المتعمدة المنهي عنها بالناموس فكان عقابها الموت.

والخطية خاطئة جدًا لأنها تدمِّر في الإنسان النفس والجسد والعقل والعواطف والإرادة، أي كل شيء فيه، ولا تتركه إلا حطامًا. وهي تفعل فعلها في الإنسان رويدًا رويدًا حتى تملك كل ملكاته، فيصبح الإنسان الخاطئ أسير خطيته، وعبدًا لها، وينفذ ما تمليه عليه رغمًا عنه، بعد أن أحكمت قبضتها على عقله وإرادته. وبالإيجاز؛ بسبب الخطية ملك الفساد على الإنسان الذي جُبِلَ أصلًا على غير فساد.
لقد دخلت الخطية إلى العالم بسبب تعدّي آدم الإنسان الأول، فاجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع. فصارت الخطية هي شوكة الموت، أي التي تفضي حتمًا إليه، فكل مَنْ يخطئ يموت. ولما جاء المسيح له المجد آدم الثاني، كان يهدف بمجيئه إلى إلغاء سلطان الموت الذي ملك علينا بالخطية، فلما أبطل المسيح الموت وأباده، رفع عنّا عقوبة الخطية التي رزحنا تحت وطأتها حينًا من الزمان. وصار موت المسيح على الصليب ودمه المُهرَق عليه هو سبب الخلاص والغفران لكل مَنْ يطلبون النجاة والشفاء من خطاياهم. وبالتالي صارت قيامته سبب فكاك وعتق من آخر عدو لنا وهو الموت.
فالمسيح لم يلغ الخطية بل غَلَبَتها، ولم يلغ الموت بل سلطانه، وصار هو بنفسه سبب خلاص من عقوبة الخطية، وواسطة نجاة من سلطان الموت لكل مَنْ يقبل المسيح ويؤمن به. فإن قلنا إننا بلا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا، وإن أخطأنا فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار الذي يشفع فينا. وإن آمنا بالمسيح لا يقوى علينا سلطان الموت، فإن متنا سنحيا في المسيح.
لذلك فالخطية والموت لازالا يعملان في العالم، ولكن بطل فعلهما المدمِّر غير المنظور في الذين هم في المسيح. فطالما توجد معمودية في الكنيسة، وطالما هناك مذبح قائم فيها عليه جسد المسيح ودمه الكريمان، فلا نخشى بعد ألد عدوين لنا وهما الخطية والموت.
ولنا أن نذكر أيضًا الخطية الجديّة أو الخطية الموروثة، أي موضوع خطية آدم وانتقال هذه الخطية وآثارها إلى الأجيال التالية.

الخطية نجاسة وزنى وعار
أن الخطية نجاسة:
لذلك فالملائكة الذين سقطوا تلقبوا بالأرواح النجسة (مر 6: 7) والأمراض التي كانت ترمز للخطية -كالبرص- كانت تعتبر نجاسة وكذلك الحيوانات النجسة.
ونري أمثلة في الكتاب المقدس عن نجاسة الخطية، حيث يقول الوحي الإلهي علي فم حزقيال النبي "إن بيت إسرائيل لما سكنوا أرضهم، نجسوها بطريقهم وبأفعالهم. كانت طريقهم أمامي كنجاسة الطامث.. (حز 36: 17)، وعن كسر السبت يقول "نجسوا سبوتي" (حز 20: 13). وعن أخطاء الكهنة يقول في سفر نحميا "لأنهم نجسوا الكهنوت" (نح 13: 29). ومن جهة القتل يقول الكتاب "لأن أيديكم قد تنجست بالدم. وأصبعكم بالإثم" (أش 59: 3). وعن الزنا يقول "ونجست الأرض بزناك. فأمتنع الغيث.." (أر 3: 2).
ووصف الخطية بالنجاسة لا ينطبق فقط علي خطايا الزنا والقتل، بل حتى علي خطايا الفم واللسان أيضًا.. فعن خطايا اللسان يقول السيد المسيح نفسه "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان" (مت 15: 11). وقد أطلق الرب كلمة النجاسة علي الخطية عمومًا. فقال عن الأبرار "عندك أسماء قليلة.. لم ينجسوا ثيابهم فسيمشون معي في ثياب بيض لأنهم مستحقون" (رؤ 3: 4). أما عن الخطاة فقال "أتيتم، ونجستم أرضي. وجعلتم ميراثي رجسًا" (أر 2: 7).
إن عرفت كل هذا يا أخي، أن الخطية نجاسة، لابد انك ستنفر منها ستشعر انك في حالة الخطية "إنسان نجس"!! ستشعر أن كل كلمة خاطئة تخرج من فمك، إنما هي تنجسك. لأن الذي يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان.
ولما كان الزنى هو أبرز ما في النجاسة، لذلك اعتبرت الخطية زنى وهكذا يقول الكتاب عن خطايا بني إسرائيل "زنت يهوذا"، "زنت إسرائيل" (حز 16) أي أخطأت كل من هاتين المملكتين..
وماذا قيل عن الخطية أيضًا..
قيل إنها عار: "عار الشعوب الخطية" (أم 14: 34).
وهي أيضًا مرض: وهكذا قيل عن فم أشعياء النبي "تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل.. كل الرأس مريض، وكل القلب سقيم، من أسفل القدم إلي الرأس ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصب ولم تلين بالزيت" (أش 1: 5، 6).
و الخطية أيضًا جهل: جهل بالله، وبالإيمان، وبالخير، وربما ينبغي أن يكون.

وهكذا قال الرب "الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم" (أش 1: 3). وماذا تكون الخطية أيضًا؟ الخطية أيضًا نقص، وعيب وضلال، وعمي وظلمة، ونسيان لله.. وهي أيضًا ظلمة لأنها بعد عن النور الذي هو الله.ولذلك حسنًا قيل عن الخطاة أنهم "أحبوا الظلمة أكثر من النور" (يو 3: 19)، وقيل أيضًا "أما الجاهل فيسلك في الظلام" (جا 2: 14). أمران يجعلاننا ننفر من الخطية.
طبيعة الخطية البشعة، ونتائج الخطية المريعة.

إن عرفت نتائج الخطية، تنفر من الخطية
من نتائج الخطية الخوف والقلق..
الخوف والقلق من نتائج الخطية
عذاب الضمير من نتائج الخطية
وتوجد نتائج أخرى للخطية.
نتائج أخرى للخطية:
الخطية تغير الإنسان تغييرًا كليًا، ومن نتائجها:
فقد الصورة الإلهية
فقد الكرامة
فقد البساطة والنقاوة
الخوف والقلق من نتائج الخطية
إنها تفقد السلام الداخلي، وتملأ القلب بالخوف والاضطراب. إن القديس لا يخاف. ولذلك قال داود النبي "إن يحاربني جيش، فلن يجاف قلبي. وإن قام علي قتال، ففي هذا أنا مطمئن" (مز 26). أما الخاطئ، فهو علي الدوام خائف، فاقد لسلامه "لا سلام، قال الرب للأشرار" (أش 48: 22). وقال أيضًا "الأشرار كالبحر المضطرب" (أش 57: 20).
لقد بدأ الخوف مع الخطية الأولي، خطية آدم وحواء..
لم نسمع عن آدم أنه كان يخاف الله قبل الخطية. بل علي العكس عندما كان الله ينزل إلي الجنة كان آدم وحواء يقابلانه بفرح ويلتذان بالحديث معه. أما بعد الخطية، فنقرأ أن آدم قد اختبأ خوفًا من وجه الله في وسط أشجار الجنة. ولما ناداه الرب، صرح آدم بخوفه قائلًا "سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان، فأختبأت" (تك 3: 17). تصوروا أن الله المحبوب الذي يشتهي كل أحد أن يراه، يصبح مخيفًا للخاطئ فيهرب من رؤيته!!
الله الذي هو "أبرع جمالًا من بني البشر"، "الذي حلقه حلاوة وكله مشتهيات"، يصبح مخيفًا للخاطئ! عندما يراه الخاطئ يخاف، أو يهرب منه ويختبئ منه لكي لا يراه!!
النفس المحبة لله تقول مع عروس النشيد "أني أقوم في المدينة في الأسواق وفي الشوارع اطلب من تحبه نفسي". وإن وجدته تقول "أمسكته ولم أرخه" (نش 3: 2، 4). أما النفس الخاطئة فلا تضع أمامها سوي الآية التي تقول "مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي" (عب 10: 31). فالله مخيف بالنسبة إلي الأشرار. وأما الأبرار فهم أصدقاء الله يفرحون به. قال القديس الأنبا أنطونيوس الكبير لتلاميذه "يا أولادي، أنا لا أخاف الله فتعجبوا من عبارته وأجابوه "هذا الكلام صعب يا أبانا"، فقال لهم "ذلك لأني أحبه ولا خوف في المحبة، بل المحبة تطرح الخوف إلي الخارج" (1 يو 4: 18).
تخيلوا معي يا أخوتي، أن الله قد حضر الآن في وسطنا. تري كم واحد منا يفرح لمجيئه، ويدخل تحت أحضانه..؟ وكم واحد يهرب ويخاف؟! الخطاة يخافون لقاء الله، لذلك يخافون الموت ويرتعبون منه.. يخافون ساعة الدينونة الرهيبة التي سينكشفون فيها أمام الكل.. أما العداء الذين يشمتون بهم، وأمام الأصدقاء الذين كانوا يظنونهم غير ذلك، أنقياء وأبرار.. لذلك عندما تأتي تلك الساعة "يقولون للجبال غطينا، وللتلال اسقطي علينا" (لو 23: 30، هو 10: 8). هؤلاء سيطلبون الموت ولا يجدونه، ويرغبون أن يموتوا فيهرب الموت منهم" (رؤ 9: 6). حقًا إن آدم عندما أخطأ بدا يخاف.. زحف شيء جديد رهيب إلي داخل نفسه لم يكن موجودًا فيها من قبل.. هو الخوف، والرعب وفقدان السلام.
إن هذا الخوف الذي خاف به آدم من الله هو مبدأ الأمراض النفسية التي أصابت البشرية نتيجة للخطية، لأن النفس بهذا الخوف بدأت تمرض. إن الشخص البار محتفظ بسلامه، هادئ ومسرور. أما الخاطئ فيفقد سلامه من الداخل ومن الخارج. من الداخل ضميره يثور عليه.. والروح القدس يبكته. ومن الخارج يخاف أن تنكشف الخطية كما يخاف من نتائجها وعواقبها. لم نر أبدًا إنسانًا خاطئًا يعيش علي الدوام مستريح البال مهما نام ضميره. لابد أن يستيقظ هذا الضمير بعد حين ويثور عليه ويتعبه.
عذاب الضمير من نتائج الخطية
من أمثلة عذاب الضمير قصة تقال عن بيلاطس:
كان بيلاطس يعرف أن المسيح برئ، ولذلك قال "ها أنا قد فحصت قدامكم، ولم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه" (لو 23: 14). وإذ كان جالسًا علي كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة "إياك وذلك البار. لأني تألمت اليوم كثيرًا في حلم من أجله". ولكنه أمر بحكم الموت ضد ضميره. ولأجل أن يريح ضميره راحة زائفة، اخذ ماءًا وغسل يديه قدام الجميع قائلًا: إني برئ من دم هذا البار" (مت 27: 24). وتقول القصة إن بيلاطس عندما خلا إلي نفسه في منزله، وجد يديه ملطختين بالدماء فغسلهما مرة ثانية. ولكن الدم لم يفارقهما. فغسلهما للمرة الثالثة وهو يقول "أنا برئ من دم هذا البار". ولكنه عاد الدم ما يزال يلطخهما. فاستمر يغسلهما مرات عديدة وهو يصرخ في رعب قائلًا "أنا من دم هذا البار". أنها قصة تصور لنا مقدار الرعب وفقدان السلام الذي يصيب الخاطئ نتيجة لخطيئته.
إن الخطية متعبة. وقد لا يحس الإنسان بمقدار خطورتها إلا بعد وقوعها، وربما بعد وقوعها بمدة، حين يستيقظ الضمير، من تلقاء نفسه أو بمؤثر خارجي..
ومن أمثلة عذاب هذه اليقظة المتأخرة للضمير. قصة يهوذا الإسخريوطي.
إن يهوذا لم يشعر ببشاعة خيانته في بادئ الأمر. كان مشغولًا بالتآمر والمقابلات والاتفاقات. وكان مشغولًا بالتآمر والمقابلات والاتفاقات. وكان مشغولًا بالمال وتسلمه. وبميعاد ومكان تسليم سيده حتى إنذارات الرب له لم يحس بها. وأخيرًا عندما حوكم السيد المسيح وحكم عليه بالصلب.. استيقظ ضمير يهوذا، وظل يعذبه، فوجد نفسه أمام خطيئة بشعة ومرعبة وبدأ يتذكر كلام الرب للتلاميذ "أنتم طاهرون ولكن ليس كلكم"، "أحد منكم سيسلمني".. "ابن الإنسان ماض كما هو محتوم. ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلمه" (لو 22: 22).. وتذكر يهوذا أيضًا قول الرب له: ما تريد أن تعمله فاعمله بأقصى سرعة. ثم كلمة المسيح الأخيرة له "يا صاحب لماذا جئت" (مت 26: 50)، "أبقبلة تسلم ابن الإنسان" (لو 22: 48). ولم يستطيع يهوذا أن يحتمل كل هذا، وأتعبه ضميره جدًا، فقام وذهب لرؤساء الكهنة "ورد الثلاثين من الفضة قائلًا: "قد أخطأت إذ أسلمت دمًا بريئًا. فقال ماذا علينا أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف" (مت 27: 3). ومع كل هذا استمر ضمير يهوذا يعذبه وظل يعذبه بلا هوادة. وتسمرت صورة خطيئته في عمق بشاعتها أمام عينيه.. وأخيرًا "مضي وخنق نفسه" (مت 27: 5). يا أخوتي ما أبشع الخطية، وما أكثر رعبها، عندما يستيقظ الضمير إن الإنسان قد لا يحس بمرارتها طالما هو في دوامه من الخطايا أو من المشغوليات ولكن بمجرد أن ينتبه لنفسه أو يرجع لذاته، يتعب ويتألم من منظر خطيئته. لذلك فإن بعض المجرمين يذهبون ويسلمون أنفسهم للعدالة معترفين بجرائمهم.. لأنهم لم يستطيعوا أن يحتملوا تأنيب الضمير ولا القلق الداخلي الذي يتعبهم وفقدان السلام الناتج عن إحساسهم بالإثم.
لذلك صدق قول الكتاب "لا سلام قال الرب للأشرار" (أش 48: 22). وهناك قاعدة هامه عند علماء النفس تقول إن المجرم يظل يحوم حول مكان الجريمة في الأيام الأولي لحدوثها. لأنه يكون قلقًا وخائفا من اكتشاف أمره. ويقول في نفسه "يا تري هل تركت أثرًا أم لم اترك. وهل عرف رجال البوليس أم لم يعرفوا؟!" من أجل هذا فإن رجال النيابة والشرطة عندما يكتشفون جريمة يترصدون مكانها متخفين، لكي يكتشفوا كل الأشخاص المشتبه فيهم الذين يحومون حول المكان. ومن أمثلة الخوف والقلق وفقدان السلام، ما حدث لقايين بعد خطيته: عاش تائهًا وهاربًا في الأرض، خائفًا أن يقتله احد كما قتل أخاه، شاعرًا أن الله قد طرده عن وجه الأرض، وطرده من أما وجهه (تك 4: 13، 14). وبهذا القلق قضي قايين حياته في خوف. ولم يستفد من خطيته شيئًا.. تطارده خطيته ويطارده صوت أخيه الصارخ من الأرض. هكذا الأمراض النفسية التي تصيب الخطاة نتيجة للقلق والخوف والانزعاج والاضطراب وتوقع الشر باستمرار.
أما الأبرار فعلي العكس من ذلك يعيشون في فرح وسلام..
هم في فرح مستمر، لا يضطربون، ولا يقلقون، ولا ينزعجون من الداخلي، فالكتاب المقدس يقول "من ثمار الروح القدس محبة، فرح، سلام" (غل 5: 22). إذن فالشخص الذي لا يعيش في سلام، لا توجد فيه ثمار الروح القدس. قيل عن القديس الأنبا أنطونيوس، في القصة التي كتبها عنه القديس أثناسيوس الرسولي "من من الناس كان مضطرًا النفس أو منزعج القلب، ويري وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ بالسلام". مجرد رؤية وجه الأنبا أنطونيوس -في هدوئه وفرحه- كانت تملأ القلب بالسلام. ليس كذلك الخطاة، ليسوا كذلك، بل هم حزن وعذاب، وبخاصة عندما يستيقظ ضميرهم ويلبهم بسياطه. وقد أخذنا فكرة عن عذاب الأشرار كيهوذا وقايين..
ونريد أن نأخذ مثالًا عن عذاب الضمير للقديسين ممثلًا أفضل تمثيل في قصة داود النبي:
في أثناء الخطية، كان داود النبي في نشوة اللذة الجسدية، فلم يشعر بخطورة ما كان يفعل..! حتى أنه اتبع خطية الزنى بخطية القتل، دون أن يتحرك ضميره أو يتخرج. ولكن بعد أن واجهه ناثان وخطيته، وبدأ يحس خطورة ما فعل، حينئذ استيقظ ضميره وبدأ يتعبه علي الرغم من قول النبي له "الرب قد نقل عنك خطيئتك، لا تموت" (2 صم 12: 13). عندما استيقظ ضميره، بلل داود فراشه بدموعه. وصارت دموعه له طعامًا نهارًا وليلًا، ولصقت بالتراب نفسه، وعاش في مذله من نفسه، وصرخ إلي الرب قائلًا "إن عظامي قد اضطربت، ونفسي قد انزعجت جدًا" (مز 6). ورضي بالمذلة من اجل خلاص نفسه، وقال في ذلك "خير لي يا رب أنك أذللتني لكي أتعلم ناموسك" (مز 118). حقًا إن الإنسان عندما تتكشف له خطاياه، يصير من عذاب ضميره وكأنه في جحيم.
هل تظنون أن "البكاء وصرير الأسنان" يكونان فقط في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت؟ كلا، بل يكونان علي الأرض أيضًا، عندما يتعذب الإنسان في قلبه من هول خطاياه.. يحدث هذا في أوقات التوبة، عندما يحس الإنسان التائب مقدار بشاعة خطيته، ويبكي عليها بدموع وحرقة قلب، ويلوم نفسه قائلًا: أين كان عقلي وتفكيري عندما فعلت هذا..؟! ويظل ضميره يؤنبه، فتصطك أسنانه من الألم والندم والخزي والعار والشعور باحتقار الذات..
وفي الحقيقة خير التائب أن يقاسي "البكاء وصرير الأسنان" ههنا علي الأرض، من أن يقاسيه هناك في الأبدية علي غير رجاء.. رأينا أنه من نتائج الخطية الخوف، وفقدان السلام الداخلي، والمرارة، وعذاب الضمير.. علي أن هناك نتائج للخطية..
فقد الصورة الإلهية
خلق الإنسان علي صورة الله ومثاله. ولكنه في حاله الخطية لا يحتفظ بهذه الصورة الإلهية، بل بفقدها. يفقدها من الداخلي ومن الخارج أيضًا إذ تترك الخطية طابعها علي وجهه وملامحه، وعلي صوته وإشارتها بل تترك الخطية طابعها علي زيه وملابسه. وحتى كلماته أيضًا وأسلوبه ولغته تعبر عن الخطية الكامنة فيه، حسبما قيل "لغتك تظهرك" (مر 14: 70). من أجل هذا قال معلمنا القديس يوحنا الحبيب "بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس (ظاهرون)" (1 يو 3: 10).
فأنت أيها الأخ يا مَنْ غَيَّرَت الخطية شكلك وطباعك، وأنت أيتها الأخت يا مَنْ غيرت الخطية وجهك وملابسك وصوتك. ارجعا إلي الله بالتوبة. وسيغير كما التوبة في كل شيء، وتعيد إليكما الصورة الإلهية التي فقدتماها..
وكما يفقد الإنسان صورته الإلهية بالخطية، كذلك يفقد كرامته.
فقد الكرامة
كان الإنسان قبل الخطية نفخة قدسية خرجت من فم الله. كان صورة الله مثاله. أما بعد الخطية فإن الرب يقول له "أنت تراب، وإلي التراب تعود". عاد ترابًا كما كان، ولم يستحق أن يدعي صورة الله. اشتهي أن يكون له مجد الألوهية ففقد مجد البشرية الذي كان له.
ولأنه -كالحيوانات- اشتهي أن يأكل، لذلك أعطاه الرب أن يأكل العشب (تك 3: 18) الذي كان من قبل طعام الحيوانات (تك 1: 30)..
وضاعت هيبته علي الحيوانات وأصبح يخافها وصارت لها إمكانية أن تأكله بعد أن كان سيدًا عليها جميعًا (تك 1: 26).. حتى الحية أصبح في أمكانها أن تسحق عقبه (تك 3: 15).
حتى الأرض تمردت عليه.. وأصبحت تنبت له شوكًا وحسكًا (تك 3: 18)، بل أن أقسي عبارة في تمرد الأرض علي الإنسان تظهر في قول الله" (متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها" (تك 4: 12)..
الإنسان الخاطئ هو إنسان فاقد للكرامة، فاقد للاحترام. هو لعبه في أيدي الشياطين وفي أيدي الأشرار، ليست له هيبة.. بل أنه يفقد احترام ذاته لذاته.

أنظروا إلي الابن الضال، وكيف صار يشتهي الخرنوب الذي تأكله الخنازير، وكيف تمني أن يكون كأحد الأجراء في بيت أبيه..! بل أنظروا إلي نبوخذ نصر الملك وكيف مذعورًا عنه جلاله وصار كأحد الحيوانات (دا 5: 2، 21). وشمشون الجبار، كيف أنه بالخطية فقد قوته وفقد كرامته، وأذله وهزأ به أهل فلسطين (قض 16: 19-25).
لا يخدعك الشيطان يا أخي، إذ يصور لك في الخطية ملاذًا وشهوات، ويعدك بكرامات وإغراءات. وعندما تذوق الخطية تجدها في الأخر مرة كالعلقم، تقودك إلي الذل، وتفقدك كل شيء.. وتورثك الكآبة والضيق، وتقودك إلي اليأس، وتغطي بالخزي وجهك..
وكما تفقد فيها صورتك الإلهية وكرامتك، كذلك تفقد بساطتك ونقاوتك.
فقد البساطة والنقاوة
الإنسان البار هو إنسان نقي، لا يعرف سوي الخير. أما عندما يخطئ، فإنه يبدأ أن يعرف الشر أيضًا، وهكذا يفقد بساطته. وينظر إلي الأمور بغير نظرته الأولي. ويعرف أمورًا جديدة تسيئه معرفتها، ويتمني لو كانت تزول من فكرة..
كان آدم وحواء عريانين في الجنة -قبل الخطية- ولا يخجلان. يعيشان في بساطة لا تعرف الدنس. ولكنهما بالخطية فقدا بساطتهما، واضطرا أن يصنعا لهما مآزر..
وأنت أيها الأخ، ماذا فعلت الخطية بك؟ هل أفقدتك بساطة فكرك، ونقاوة قلبك. هل غيرت نظرتك إلي الناس، ونظرتك إلي نفسك، ونظرتك إلي الأمور. ما أبشع هذا التغير ليتك لا تتمادي، حتى لا تفقد ما بقي لك من بساطة ومن نقاوة..
ليتك ترجع إلي الله بالتوبة، حتى ترجع إليك نقاوتك الأولي. ويمنحك الرب ثوبًا جديدًا أبيض.
إن عرفت عقوبة الخطية، تخاف من الخطية
ها قد عرفت نتائج الخطية وما يمكن أن تحطمه في داخل النفس البشرية حيث تفقد صورتها وبساطتها ونقاوتها وتورثها الخوف والقلق والعذاب والخزي والهوان، وبقي أن تأخذ فكرة عن عقوبة الخطية..
أن عرفت عقوبة الخطية، تخاف من الخطية..
ينبغي أن نعرف جيدًا أن الله كما أنه رحيم ولا حدود لرحمته، كذلك هو أيضًا عادل ولا حدود لعدله.. وكما أنه شفوق يغفر الخطية، كذلك هو قدوس يكره الخطية.
غير أن البعض -للأسف الشديد- يستغل مراحم الله استغلالًا رديئًا يقوده إلي الاستهتار وإلي الخطية، معتمدًا اعتمادًا زائفًا علي مراحم الله!!
مثل هذا يخطئ كما يريد، وإن وبخته يقول لك "إن الله رحيم.. وحنون.. وطيب.. لا يصنع معنا حسب خطايانا، ولا يجازينا حسب آثامنا..! الذي غفر للمرأة الزانية يغفر لي، والذي غفر لزكا العشار يغفر لي أنا أيضًا.. والذي غفر لأوغسطينوس يغفر لي ويسامحني.. والذي قبل إليه مريم القبطية وموسى الأسود، يقبلني أنا أيضًا معهم"!! يقول هذا، وينسي التوبة العجيبة العميقة التي كانت لأولئك القديسين، والتي بسببها قبلهم الرب إليه. تلك التوبة التي كانت حدًا فاصلًا في حياتهم، وتغييرًا كليًا لسيرتهم، فلم يرجعوا إلي الخطية مرة أخرى مطلقًا، بل كانوا كل يوم يزدادون في النعمة وينمون في محبة الله.. ولم تكن رحمه الله لهم مجالًا للاستهتار أو للاستمرار في الخطية، حاشا..
ينبغي أن نفهم عدل الله ورحمته فهمًا سليمًا يقودنا إلي التوبة. وفي هذا المجال ما أجمل أن نورد ما ذكره القديس بولس الرسول عن لطف الله وصرامته.
لطف الله وصرامته
هكذا قال الرسول العظيم معلمًا:
"هوذا لطف الله وصرامته،
أما الصرامة فعلي الذين سقطوا،
وأما اللطف فلك، إن ثبت في اللطف،
وإلا، فأنت أيضًا ستقطع.."
(رو 11:22)
لا يصح إذن أن نعتمد علي لطف الله، وننسي صرامته.. ولا يصح أن نعتمد علي رحمة الله، وننسي عدله.
رحمة الله وعادلة:
إن صفات الله لا تنفصل عن بعضها البعض، بحيث تقف واحدة منها مستقلة عن الأخرى، إنما نذكرها أحيانًا منفردة، من جهة التفاصيل وليس من جهة الفصل،لكي يفهمها الناس. ولكنها متحدة لاهوتيًا..
الله عادل في رحمته، ورحيم في عدله. عدله رحيم، ورحمته عادلة. عدله مملوء رحمة، ورحمته مملوءة عدلًا. ولا يمكن أن نفصل رحمته عن عدله..
هذه الوحدة القائمة بين الرحمة والعدل هي أساس عمل الفداء.
لو كانت رحمة الله قائمه بذاتها -بدون العدل- لكان يكفي برحمته أن يقول للبشر "مغفورة لكم خطاياكم"، وينتهي الأمر، بدون صلب.. لكنه بالرحمة غفر الخطية، وبالعدل دفع ثمن الخطية..
ولأن الله عادل، وتجسد ومات عنا، ليدفع ثمن خطيئتنا.. العدل لابد أن يستوفي حقوقه، حتى لو أدي الأمر أن يأخذ الله جسدًا، ويصير في الهيئة كإنسان، ويأخذ شكل العبد، ويهان ويصلب ويتعذب ويموت.. إن كان هكذا عدل الله، فأين نهرب من عدله؟ يمكن أن تشبه معاملة الله لك أحيانًا بالمرآة: فكما أنك تنظر إلي المرآة في وقت ما فتري وجهًا بشوشًا فرحًا، وتنظر إليها في وقت آخر فتري وجهًا حزينًا عابسًا، مع أن المرآة واحدة.. هكذا -كالمرآة- يريك الله حالتك.. تنظر إلي وجه الله، فتري حالتك من الداخل. إن كنت تائبًا، تري الله في لطفه. وإن كنت مستهترًا، تري الله في صرامته.
لطف الله وصرامته يمثلها الملاك الذي ظهر للمريمتين عند القبر.. هذا الملاك كان مخيفًا ومفرحًا.. كان مخيفًا للحراس لدرجة أن الكتاب المقدس يقول عنه "فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات" (مت 28: 4). ونفس هذا الملاك كان سبب فرح للمرأتين ومصدرًا لبشري مفرحة.. هكذا الله مخيف للبعض ومفرح للبعض الآخر.
ولطف الله وصرامته يظهران عمومًا في عمل الملائكة:
كلنا نتكلم عن ملائكة الرحمة. فهل ننسي أنهم أيضًا ملائكة للعقوبة والإهلاك؟
نحن نعلم أن ملاكًا أيقظ إيليا النبي وهو جوعان، وأعطاه طعامًا ليأكل. ومشي إيليا بقوة تلك الأكلة التي أخذها من الملاك أربعين يومًا (1مل 19: 6-8). ونعلم أن ملاكًا أرسله الله إلي هاجر عندما أشرف ابنها علي الموت عطشًا، ففتح عينيها فأبصرت بئر ماء، وشرب ولدها وعاش (تك 21: 15-19). ونعلم أن ملاكًا نزل غلي الجب، وسد أفواه الأسود فلم تضر دانيال (دا 6: 22). كذلك ذهب ملاك إلي السجن، وأخرج بطرس منه بعد أن فك السلسلتين من يديه (أع 12: 7-10). ويعوزنا الوقت أن نشرح عمل الملائكة الحالة حول المؤمنين وتنجيهم،
والملائكة المبشرة بالخيرات، والملائكة التي هي "أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 1: 4). غير أن طبيعة الملائكة الرحيمة لم تمنع أن تكون الملائكة أيضًا للضرب والعقوبة والهلاك.
وسنضرب الآن أمثلة لملائكة أرسلهم الله للإهلاك والعقوبة: من أمثلتهم الملاك المهلك الذي ضرب كل أبكار المصريين، فماتوا جميعهم في ليلة واحدة "من بكر فرعون الجالس علي كرسيه إلي بكر الأسير الذي في السجن وكان صراخ عظيم في مصر، لأنه لم يكن بيت ليس فيه ميت" (خر 12: 29، 30) كذلك الملاك الذي رفع سيفه علي أورشليم عندما اخطأ داود النبي وعد الشعب. ومات في ذلك اليوم سبعون ألف رجل (1 أي 21: 14). ومن أمثلة ملائكة الإهلاك الملائكة السبعة أصحاب الأبواق الذين ورد ذكرهم في سفر الرؤيا، وذكر ضرباتهم المخيفة (رؤ 8: 9). ولا ننسى أو أول ذكر للملائكة في الكتاب المقدس كان مرعبًا، إذ طرد الله الإنسان من جنة عدن، وأرسل الكاروبيم بسيف من نار لحراسة طريق شجرة الحياة حتى لا يأكل منها الإنسان (تك 3: 24).
ولعل اللطف والصرامة يتجليان في وقت واحد في الملاكين المرسلين إلي لوط، أنقذاه وفي نفس الوقت ضربا الناس الأشرار بالعمى (تك 19: 10، 11). كما يتجليان معًا في قصة إليشع النبي مع نعمان السرياني، إذ شفي نعمان من برصه، وجعل البرص الذي كان عند نعمان يلصق بجيحزي "فخرج من أمامه أبرص كالثلج" (2مل 5: 14- 27).
إن كان الله هكذا في لطفه وصرامته، وهكذا أيضًا ملائكته وأنبياؤه، فلنخف نحن أيضًا لئلا نتعرض لصرامة الله بسبب خطايانا.
عقوبات الله المخيفة
إن رحمة الله التي لا تحد، لم تمنع ورود أمثلة لعقوبات مخيفة، أوقعها العدل الإلهي علي البشرية، بسبب خطايا الإنسان التي تحدت قداسة الله، وقاومت صلاحه، وكسرت وصايا..
· مثال ذلك الطوفان، الذي محا الله فيه الإنسان من علي وجه الأرض.. (تك 6: 7).
مثال آخر هو حرق سدوم وعمورة..
إذ أمطر الله عليهما كبريتًا ونارًا من السماء "وقلب تلك المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض.. ونظرت امرأة لوط إلي الوراء فصارت عمود ملح" (تك 19: 24-26).. ونحن نقف أمام الطوفان، وأمام حرق سدوم وعمورة ونتعظ ونفكر.. من قال إن خطايانا هي أقل من خطايا سدوم؟! أو أقل من خطايا الناس وقت الطوفان؟! أو أقل من خطية امرأة لوط التي صارت عمود ملح؟!
ومن قال إن الله الذي أوقع هذه العقوبات في القديم، قد تغير في العهد الجديد؟!
أليس "هو هو، أمسًا واليوم وإلي الأبد" (عب 13: 8) "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يع 1: 17)..
هو أيضًا الذي في العهد الجديد أوقع حنانيا وسفيرا ميتين.. من أجل أنهما كذبا في حديثهما مع بطرس الرسول.. وكم من الناس يكذبون أثناء حديثهم مع الآباء الأساقفة والآباء الكهنة بل مع الآباء البطاركة أيضًا..!
· وهو أيضًا الذي سمح لعبده بولس أن يقول عن خاطئ كورنثوس:
· "حكمت.. أن يسلم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1كو5: 5).
ومن أعنف ما ورد في الكتاب المقدس عن عقوبات الله للخطاة: اللعنات التي صبها الله علي من يعصي وصاياه.
وقد وردت قائمة بهذه اللعنات في سفر التثنية إذ يقول الرب: "ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه.. تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك: ملعونًا تكون في الحقل، ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك، نتائج بقرك وإناث غنمك، ملعونًا تكون في دخولك، وملعونًا تكون في خروجك. يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله، حتى تهلك وتفني سريعًا من أجل سوء أعمالك إذ تركتني تكون سماؤك التي فوق رأسك نجاسًا، والأرض التي تحتك حديدًا.. يجعلك الرب منهزمًا أما أعدائك، في طريق واحدة تخرج عليهم، وفي سبع طرق تهرب أمامهم.
وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض.. ولا تنجح في طرقك، بل لا تكون إلا مظلومًا مغصوبًا كل الأيام، وليس مخلص..
أيضًا كل مرض وكل ضربة -لم تكتب في سفر الناموس هذا- يسلطها الرب عليك حتى تهلك.. وتكون حياتك معلقه أمامك، وترتعب ليلًا ونهارًا، ولا تأمن علي حياتك. في الصباح تقول ياليته المساء، وفي المساء تقول ياليته الصباح، من ارتعاب قلبك الذي ترتعب، ومن منظر عينيك الذي تنظر.." (تث 28: 15، 68).
حقًا مخيفة ومرعبه هي هذه اللعنات. ومن شدة ما فيها من رعب أصمت عن تسجيل جميعها.. إنها تعطينا فكرة عن قداسة الله التي لا تتساهل مطلقًا مع الخطية، وتعطينا فكرة عن عدل الله الذي يجازي الخطية حسب ما فيها من بشاعة، فليتنا نقرأ كل هذا ونتعظ ونتوب.. وتاركين الخطية التي تسبب كل هذه اللعنات..
حقًا أن اللعنة دخلت إلي العالم نتيجة الخطية:
عندما أخطأ آدم، قال له الرب "ملعونة الأرض بسببك" (تك 3: 17). ثم تطور الأمر فزجفت اللعنة إلي الإنسان ذاته، وهكذا قال الرب لقايين "ملعون أنت من الأرض التي فزحفت فاها لتقبل دم أخيك من يدك" (تك 4: 11) "ملعون أنت.." تمامًا مثلما قال للحية من قبل "ملعونة أنت.." (تك 3: 14). وهكذا تشابه الإنسان الخاطئ مع الشيطان "الحية القديمة" وحق أن يسمي الخطاة بأنهم "أولاد إبليس" (1 يو 3: 10)، أو أنهم "أولاد الأفاعي" (مت 3:7) ثم كانت لعنة الطوفان، التي هي لعنة الإفناء (تك 8: 21). ثم كانت لعنة العبودية التي وقعت أولًا علي كنعان، حيث قيل له "ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لأخوته" (تك 9: 25). ثم كانت لعنات الناموس (تث 28) التي شملت عقوبات عديدة.. كان منها الموت والمرض والوباء والفقر والفشل والظلم والقلق والهزيمة.
وفي العهد الجديد لعن السيد المسيح شجرة التين المورقة غير المثمرة (مر 11: 21) التي تعطي فكرة عن الرياء مع عدم التقوى، وكانت رمزًا لكل من يسلك هذا السبيل.
حقًا من يقرأ كل هذا ولا نخاف؟! ومن يحتمل أن يلعنه الله؟! بل من يحتمل أن يفقد البركة التي أخذها أولًا من الرب؟! فلنتب يا أخوتي لأن كل هذه الأمور قد تركت لنا مثالًا، وكتبت لإنذارنا، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور (1كو 10: 11). ولنغسل خطايانا بدموع التوبة، قبل أن يلحقنا يوم الدينونة الرهيب حيث لا ينفع بكاء ولا توبة.

المصدر
كتاب حياة التوبة والنقاوة لقداسة البابا شنودة الثالث.