فولتير والدين /ج 1

يوسف الصفار
2017 / 4 / 18

فولتير والدين /ج 1
في صباح الاول من تشرين الثاني عام 1755, اهتزت أكتاف الارض في شمال افريقيا والبرتغال بزلزال لشبونة ,( في عيد القديسين ) وفي ست دقائق تهدمت , ثلاثون كنيسة , وألف منزل , ومات خمسة عشر ألف رجل وأصيب مثلهم باصابات خطيرة في واحدة من اجمل عواصم العالم ..
ليس من المفاجئة ان تحدث مثل هذه الكوارث , ولكن رجال اللاهوت اصيبوا بذهول الرجفة الربانية واصابهم قلق مريع ..وتسائلوا : لماذا اختار الرب هذه المدينة الكاثوليكية وفي يوم من ايام الاحتفالات المقدسة وفي ساعة اكتضت الشوارع بكل هؤلاء الاتقياء (.. بينما بقى على قيد الحياة مركيز بومبال الوزير الامر الناهي الذي كان من الد اعداء اليسوعيين في اوربا ..)
احد اليسوعيين فسر الامر : ان الزلزال وما اعقبه من تدمير. كاناعقاباً من الله على الرذيلة التي استشرت في لشبونة .. لكن ليس الاثمون وحدهم تلقوا العقاب , وانما هلك معهم كثير من القساوسة والراهبات المتفانيات في الاخلاص للدين ..!!
هلل المسلمون للكارثة باعتبارها انتقام الله من محاكم التفتيش في البرتغال .. ولكن الزلزال دمر الجامع الكبير الذي يحمل اسم المنصور .. ثم عزا بعض الكهنة البروتستانت في لندن هذه الكارثة لاستنكار السماء لجرائم الكاثوليك ضد الانسانية .. ولكن في 19 تشرين الثاني من نفس العام دمر زلزال حدث في بوسطن موطن البروتستانت خمسة عشر الف منزل ..حينها انبرى المتفيقهون لتبرير هذه الكارثة الطبيعية واعتبروها ابراز لعظمة الله في ابهى صورها ,والقى احدهم موعظة : (إن الخطيئة هي السبب المعنوي للزلزال مهما كان طبيعيا ..والزلزال هو نتاج اللعنات التي يصبها الله على الارض للتكفير عن خطيئة آدم وحواء الاولى ..)
بطبيعة الحال استشاط فولتير غضباً لهذه التفسيرات , ولكنه هو نفسه لم يجد شيئاً يوفق به بين الحادث وبين ايمانه بإله عادل , فهل عالمنا احسن العولم الممكنة ..؟؟ على حد تعبير ليبتز او كما قال بوب : (كل ماهو موجود هو حسن)
فنظم فولتير قصيدته ( كل شي حسن ) : ( أيتها المخلوقات الفانية التعسة .. ايتها الارض المحزنة .. ايها الجمع الرهيب من بني البشر ..ايها الحكماء الحمقى الذين ينادون كل شيء حسن ..تعالوا تأملوا الخرائب والاشلاء ورماد الجثث وانظروا الى النساء والاطفال الذين حصدهم الموت بالجملة .. الى كل هذه الاجساد المتناثرة والممزقة اوصالها..لقد التهمت الارض مائة الف حالفهم النحس .. سالت دمائهم .. تمزقت جثثهم ودفنوا احياء .. هل كل هذا جرى وفق مشيئة الله .. هل تقولون لقد انتقم الله وان موتهم جراء جرائمهم ..)
ويتسائل فولتير : كيف يتفق الصراع الكوني الشامل والموت المذل المؤلم مع الايمان بإله خير وطيب بنفس الوقت ؟؟
كان طبيعيا ان يرتاب فولتيرفي العقيدة المسيحية وينظم الى العقول المتشككة والربوبين بعد هذه الحادثة ولكن قبلها وفي عام 1734وهو يتبادل رسائل الالحاد مع فريدريك في المانيا .. حاول ان يصوغ افكاره حول الاشياء الاولى والاخيرة في ( رسالة في الميتافيزيقيا ) ذكر فيها فولتير انه من المنطق الايمان و التسليم بذهن عاقل وذكي في الكون مثلما هو منطقي افتراض أن الساعاتي قد صنع ساعة . ففي كلتا الحالتين نرى تصميما وتخطيطا على مستوى عالي وتهيئة وسائل معينة لغايات بعينها .. وكما ان الساعة المفروض بها ان تعمل وفق قوانين معينة كذلك الكون .. وليست هناك معجزات واعتبر الفكر شكل من اشكال المادة ووظيفة من وظائفها ويقول فولتير متفقا مع (لوك ) : ينبغي ان نقرر انه من اليسير على الله اان يضيف الى المادة فكرا , ًوان قدرة المادة على التفكير ليست معجزة اكثر من كونها تأثير الذهن الغير مادي على الجسم المادي , وما النفس سوى حياة الجسم وانها تفنى بفنائه , وان الطبيعة هي وحدها الوحي المقدس وهي المعين الذي لاينضب , وقد يكون الدين له نفع لبعض الاشخاص , ولكن الرجل المتشكك الاريب لايحتاج اليه حين يريد ان يعزز به الفضيلة .. فكثيرا ما استغل رجال الدين وعلى مدى التاريخ الناس لارباك اذهانهم في نفس الوقت الذي ابتز الملوك اموالهم . فالفضيلة من وجهة نظر فولتير هي الخير الاجتماعي لا طاعة الله ..
وعلى الرغم انه لم ينشر الوثيقة التي كتب بها اراءه تلك طيلة حياته , لكنه ظل حتى آخر حياته يؤسس ايمانه بالله على حجج التخطيط والتدبير منذ البداية .. ورغم انه عمد الى تسفيه التطرف بالغائية ( الاعتقاد بان كل شيء له غاية مقصودة ) ويعطي مثلا : ان من السخف الاعتقاد بأن الانوف قد صنعت لتكون جسرا مريحا للنظارات , لكني مقتنع انها صنعت لنشم بها .. و أطلق على نفسه انه مؤمن بوجود إله وفي القاموس الفلسفي ادرج اسم فولتير كرجل شديد التمسك بالدين . انه يؤمن بأن الديانة لا تقوم على آراء الميتافزيقيا المبهمة التي يصعب سبر غورها ولا على الزخارف العقيمة , بل تقوم على العبادة والتقديس والعدالة ..: ان عمل الخيرهو عبادته , والخضوع لله هو مذهبه ..لكن هل كان فولتير مخلصا في هذه الاعترافات ... هناك في كتاباته ما يبرر هذا التفسير ( إذا كان لديك قرية واحدة لتحكمها , فينبغي ان يكون لها دين ) . ان اكثر الاقتباسات عنه يبدوا انها تهبط بالديانة الى مجرد منفعة عامة ( اذا لم يكن الاله موجودا فيتطلب ان نبتدعه ) ..
أن فولتير يعود الى قضية الايمان بوجود عله واحدة المرة تلوا الاخرى , وكأنما يرد على شكوكه , وفي السنوات العشرة الاخيرة من حياته كتب ضد الالحاد قدر ما كتب ضد الديانة التقليدية وبنفس الوقت شن حربا ضد مفهوم الرب بانه عله الإنتقام الذي قدر على معظم الناس الخلود في عذاب الجحيم ( سيكون الجنس البشري تعسا بائسا الى ابعد الحدود اذا اعتاد ارتكاب الفظائع قدر ما يألف التصديق بها .. واذا كان الرب قد خلق الإنسان على صورته فقد جازيناه على ذلك خير جزاء بتصويره على صورتنا ..)
وحاول فولتيرجاهداً أن يوفق بين ايمانه بإله واحد وبين وجود الشر .. فالشر من وجهة نظره يمثل الجزء وبهذا قد يكون خيراً .او على الاقل ليس شراً في منظور الكل .. وكتب الى فريدريك ( اذا قيس كل شيء وقُدر أحسن تقدير فأن في هذه الحياة مُتع لاتعد ولا تحصى , أكثر مما فيها من مرارة ) .. ولكن هذا هو ما كتبه في سنوات صحته وعافيته , ولم يؤمن بان الانسان شرير بالطبيعة بل على النقيض من ذلك اعتقد ان في الانسان احساسا فطريا بالعدالة , وشعوراً طيباً بالود نحو الاخرين , وهناك فوارق لا حصر لها في الافكار الاخلاقية لدى الجنس البشري وفي عاداته ..
وفي رسالة اخرى الى فريدريك اقترب فولتير من التقوى والعقيدة القويمة , فهي لم تؤكد الايمان بالله فحسب , ولكنها تصف الإحساس الخلقي عند الانسان بأنه غرس من الرب , وهوهنا يتحدث مثل روسوا ويستبق (كانت ) بحماسته في السلطان المطلق للضمير .. انه يحدد ديانته في سطر واحد ( اعْبد الله وكن عادلا واحب وطنك ) ثم يعرض تنوع العقيدة الدينية ويرثي للكراهية والتعصب , ويدعوا الى تسامح متبادل بين مختلف المذاهب والشيع وقد نخلص الى القول بانه حتى عام 1751 الى ان بلغ فولتير السابعة والخمسين من العمر تورع عن اي هجوم على الكنيسة او الكنيسة الكاثوليكية .. فما الذي اثاره بشن الحرب بالوقت الذي جنح معظم الثائرين الى السلم ؟؟ انه وقت صدور دائرة المعارف والتفسيرات الدينية المجحفة عن زلزال برشلونة ....يتبع