74 المرأة في القرآن 7/8

ضياء الشكرجي
2017 / 4 / 18

74

هذه هي الحلقة الرابعة والسبعون من مختارات من مقالات كتبي في نقد الدين، حيث نكون مع المقالات المختارة من الكتاب الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة»، حيث نكون مع الحلقة ما قبل الأخيرة من ثمان حلقات تتناول حقيقة موقف القرآن من المرأة.
ونواصل تناول النصوص التي لا يخاطب الله (القرآني) النساء بشكل مباشر، بل يبلغهن عبر الرجال، ما يعنيهن من أمور.
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُم، لا تُخرِجوهُنَّ مِنم بُيوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلّا أَن يَأتينَ بِفاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ، وَتِلكَ حُدودُ اللهِ، وَمَن يَّتَعَدَّ حُدودَ اللهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ، لا تَدري لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعدَ ذالِكَ أَمرًا. فَإِذا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكوهُنَّ بِمَعروفٍ أَو فارِقوهُنَّ بِمَعروفٍ، وَّأَشهِدوا ذَوَي عَدلٍ مِّنكُم، وَأَقيمُوا الشَّهادَةَ للهِ، ذالِكُم يوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجًا، وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، وَمَن يَّتَوَكَّل على اللهِ فَهوَ حَسبُهُ، إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمرِهِ، قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدرًا. وَاللّائي يَئِسنَ مِنَ المَحيضِ مِن نِّسائِكُم إِنِ ارتَبتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشهُرٍ، وَاللّائي لَم يَحِضنَ وَأُلاتُ الأَحمالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَّضَعنَ حَملَهُنَّ، وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مِن أَمرِهِ يُسرًا. ذالِكَ أَمرُ اللهِ أَنزَلَهُ إِلَيكُم، وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يُكَفِّر عَنهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعظِم لَهُ أَجرًا. أَسكِنوهُنَّ مِن حَيثُ سَكَنتُم مِّن وُّجدِكُم، وَلا تُضارّوهُنَّ لِتُضَيِّقوا عَلَيهِنَّ، وَإِن كُنَّ أُلاتِ حَملٍ فَأَنفِقوا عَلَيهِنَّ حَتّى يَضَعنَ حَملَهُنَّ، فَإِن أَرضَعنَ لَكُم فَآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ، وَأتَمِروا بَينَكُم بِمَعروفٍ، وَّإِن تَعاسَرتُم فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى. لِيُنفِق ذو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ فَليُنفِق مِمّا آتاهُ اللهُ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلّا ما آتاها، سَيَجعَلُ اللهُ بَعدَ عُسرٍ يُسرًا.» (65 الطلاق 1 - 7)
أترك هذا النص بدون تعليق، بل أتركه لحكم القارئ، قياسا على الحالات الأخرى التي أشرت إليها، حيث لا يجري تبليغ النساء بما يراد منهن أو ما يعنيهن إلا عبر الرجال، وكأنهم رسل الله إليهن.
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزواجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحياةَ الدُّنيا وَزينَتَها، فَتَعالَينَ أُمَتِّعكُنَّ وَأُسَرِّحكُنَّ سَراحًا جَميلًا، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدنَ اللهَ وَرَسولَهُ وَالدّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلمُحسِناتِ مِنكُنَّ أَجرًا عَظيمًا. يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَّأتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُّضاعَف لَهَا العَذابُ ضِعفَينِ، وَكانَ ذالِكَ على اللهِ يَسيرًا، وَمَن يَقنُت مِنكُنَّ للهِ وَرَسولِهِ وَتَعمَل صالحا نُّؤتِها أَجرَها مَرَّتَينِ وَأَعتَدنا لَها رِزقًا كَريمًا، يا نِساءَ النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ، وَقُلنَ قَولًا مَّعروفًا، وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأولى، وَأَقِمنَ الصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطِعنَ اللهَ وَرَسولَهُ [...]، وَاذكُرنَ ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ وَالحكمَةِ، إِنَّ اللهَ كانَ لَطيفًا خَبيرًا.» (33 الأحزاب 28 – 34)
الحالة الوحيدة التي خاطب الله القرآني النساء خطابا مباشرا بالضمير الثاني المؤنث جمعا، هي الآيات الثلاثون حتى الرابعة والثلاثين من سورة الأحزاب، والتي تسبقها في آيتين سابقتين مخاطبة غير مباشرة عبر النبي، بعبارة «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزواجِكَ»، ثم تليها مخاطبة مباشرة في الآيات الأربع التاليات بعبارة «يا نِساءَ النَّبِيِّ» تتكرر مرتين في الآية 30 والآية 32. فلنقرأ هذه الآيات، محذوفا منها عبارة «إِنَّما يُريدُ اللهُ ليذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهيرًا»، التي استعيض عنها بـ [...]، لأنها دخيلة على سياق هذه الآيات. وبينت ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب. بعدما تبدأ هذه المجموعة من الآيات الست أو الخمس، بخطاب لنساء النبي غير مباشر، بل عبر النبي بعبارة «يا أَيُهَا النَّبِيُّ قُل لِأزواجِكَ»، في الآيتين الأوليين من هذه المجموعة، تجري مخاطبتهن خطابا مباشرا في الآيات الأربع التاليات، ذلك بعبارة «يا نِساءَ النَّبِيِّ» مكررة مرتين. واختصاص نساء النبي من دون النساء بالمخاطبة المباشرة بالضمير الثاني هو إما تكريما للنبي وليس لهن، أو في أحسن الأحوال تكريما لهن لانتسابهن للنبي، كونهن زوجاته، وإذا قلنا إن محمدا هو مؤلف القرآن، فنفهم هنا لماذا تجنب مخاطبة النساء مباشرة، وخص زوجاته فقط بالخطاب المباشر. ومع هذا فقد جاء هذا الخطاب غير خال من التحذير دنيويا والوعيد أخرويا. التحذير الدنيوي جاء بعبارة «إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحياةَ الدُّنيا وَزينَتَها، فَتَعالَينَ أُمَتِّعكُنَّ وَأُسَرِّحكُنَّ سَراحًا جَميلًا»، أما الوعيد الأخروي فجاء بعبارة «مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضاعَف لَهَا العَذابُ ضِعفَينِ». ولكن هناك حكم (إلهي) قد صدر عليهن، سواء كن من «المُحسِناتِ» منهن الموعودات «أَجرًا عَظيمًا»، لأنهن ممن كانت واحدتهن «تَقنُت للهِ وَرَسولِهِ وَتَعمَل صالحا»، أو كن ممن كانت واحدتهن قد أتت «بِفاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ»، فاستحقت أن «يُضاعَفَ لَهَا العَذابُ ضِعفَينِ»، فسواء كانت زوجات النبي من هذا الفريق أو ذاك، فقد صدر عليهن الحكم بالإقامة الجبرية مدى الحياة بعد النبي بقول «وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ»، هذا الحكم الذي يروى إن عائشة كانت كلما مرت على سمعها تلاوة هذه الآية، وعندما يأتي ذكر «وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ»، يروى أنها كانت تجهش بالبكاء، وهي الشابة التي تقلدت - كما سائر نساء النبي - وسام «أم المؤمنين»، كي لا يحق لأحد من (أبنائها) أن يتزوجها بعد النبي، ومن هنا قد نفهم تمردها على هذا حكم (قرّ نساء في بيوتهن) بخروجها المعروف. المهم إن الذي أردنا أن نقوله هنا، إن النساء لم يخاطبهن الله القرآني خطابا مباشرا إلا في هذا الموقع، وقد اختص به نساء النبي دون غيرهن.

الرجال هم المعنيون بمصطلح «الناس» وما يشبهه
ليس تقولا أو افتراءً، أعاذني الله، بل وجدت أن الكثير من نصوص القرآن عندما تتحدث عن مجموعة من الأشخاص، سواء بعنوان «الناس»، أو «القوم»، أو«الذين آمنوا»، فيما هو الجمع، أو «المرء»، أو «النفس»، أو «الإنسان»، فيما هو الإفراد، وجدت أن المعني بالمجموعة الأولى (الرجال) جمعا، وفي الثانية (الرجل) إفرادا. فلننظر إلى هذه المجموعة من نصوص القرآن الدالّة على دعواي هذه.
«زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالبَنينَ وَالقَناطيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنعامِ وَالحرثِ ذالِكَ مَتاعُ الحياةِ الدُّنيا وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ المَآبِ.» (3 آل عمران 14)
«زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ»، وكأن النساء لسنَ جزءً من مفهوم «الناس». ثم هل يليق بالنساء والبنين أن يُذكَرن ويُذكَروا كمصاديق لـ«الشهوات» و(الزينة)، حالهن وحالهم حال «الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ»، وحالهن وحالهم حال «الخيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنعامِ»، وحالهن وحالهم حال «الحرثِ»؟ سيقال إن القرآن يتحدث هنا بعقلية عرب الجزيرة آنذاك. لكن أين القرينة على هذه الدعوى؟ إذن هي تعبر عن طريقة تفكير واضع هذه النصوص. وكم يشبه هذا ما جاء في الوصية العاشرة من الوصايا العشر في العهد القديم، ونصها: «لا تَشتَهِ بَيتَ قَريبِكَ. لاَ تَشتَهِ امرَأَةَ قَريبِكَ، وَلا عَبدَهُ، وَلا أَمَتَهُ، وَلا ثَورَهُ، وَلا حِمارَهُ، وَلا شَيئًا مِمّا لِقَريبِكَ.» فجعلت المرأة في سياق واحد مع البيت والعبد والأمة والثور والحمار.
«يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وّاحِدَةٍ وَّخَلَقَ مِنها زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالاً كَثيرًا وَّنِساءً، وَاتَّقُوا اللهَ الَّذي [تَـ]تَساءلونَ بِهِ وَالأَرحامَ؛ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيكُم رَقيبًا.» (4 النساء 1)
حتى في مفهوم (النفس) البشرية نجد الأصالة للذكورة، ثم «خَلَقَ مِنها زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالاً كَثيرًا وَّنِساءً». أذكر مرة أخرى بمعنى مفهوم الزوج قرآنيا، ألا هو الزوجة الأنثى. إذن «الناس» هنا تعني على الأرجح، لكن دون القطع، مرة ثانية (الرجال)، خاصة، وإننا نعلم إن الإنسان الأول حسب الأديان الإبراهيمية هو الرجل: آدم. ولكن لنهمل هذا المثل، لاحتماله المعنيين، بقطع النظر عن أي منهما الأرجح.
«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَقرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُم سُكارى حَتّى تَعلَموا ما تَقولونَ، وَلا جُنُبًا إِلّا عابِري سَبيلٍ حَتّى تَغتَسِلوا، وَإِن كُنتُم مَّرضى أَو على سَفَرٍ أَو جاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الغَائِطِ أَو لامَستُمُ النِّساءَ، فَلَم تَجِدوا ماءً، فَتَيَمَّموا صَعيدًا طَيِّبًا فَامسَحوا بِوُجوهِكُم وَأَيديكُم، إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفورًا.» (4 النساء 43)
مررنا على هذه الآية، لكن أعيدها في سياق التنبيه إلى أن مفهوم «الَّذينَ آمَنوا» مختَصّ بالرجال، ودليله هنا «أَو لامَستُمُ النِّساءَ»، ولو كان مفهوم «الَّذينَ آمَنوا» يشمل الرجال والنساء لقيل «أَو لامَسَ الرِّجال مِنكُمُ النِّساءَ، أو النساءُ الرِّجالَ ...»، وتناولت قرن ذكر النساء بذكر الغائط.
«اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَطَعامُ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَّكُم وَطَعامُكُم حِلُّ لَّهُم، وَالمُحصَناتُ مِنَ المُؤمِناتِ والمُحصَناتُ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم إِذا آتَيتُموهُنَّ أُجورَهُنَّ مُحصِنينَ غَيرَ مُسافِحينَ وَلا مُتَّخِذي أَخدانٍ، وَّمَن يَّكفُر بِالإيمانِ فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ. يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغسِلوا وُجوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرافِقِ وَامسَحوا بِرُؤوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ، وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّروا، وَإِن كُنتُم مَّرضى أَو على سَفَرٍ أَو جاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الغائِطِ أَو لامَستُمُ النِّساءَ فَلَم تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّموا صَعيدًا طَيِّبًا فَامسَحوا بِوُجوهِكُم وَأَيديكُم مِّنهُ، ما يُريدُ اللهُ ليجعَلَ عَلَيكُم مِّن حَرَجٍ، ولـاـكن يُريدُ لِيُطَهَّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تَشكُرونَ.» (5 المائدة 5 - 6)
هذا خطاب للمسلمين، في سرد بعض الأحكام، فيما هو حلال عليهم، فيجري الكلام عن حلية تناول أطعمة، وعن حلية الزواج بنساء، فـ«طَعامُ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ حِلٌّ» لهم تناوله، و«المُحصَناتُ مِنَ المُؤمِناتِ والمُحصَناتُ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ» حِلٌّ لهم الزواج منهن. لا أريد أن أقول إن قَرن النساء أو قل قَرن الزواج عموما بمسألة الأكل والأطعمة قد يمس بقداسة العلاقة الزوجية، التي هي أكثر من كونها إشباعا لغريزة الجنس، كما الطعام هو إشباع لغريزة الجوع. لكني أريد أن أبيّن هنا إن الأصل عندما يجري الكلام عن الناس عموما، وعن المسلمين خصوصا، كما هنا، هو أن يجري الكلام عن الرجال، والنساء يذكرن كطرف خارجي، كما تذكر الأطعمة والممتلكات، والأنعام، والشهوات والمتع والأمتعة، فكل ذلك مما يملكه الرجل، ويتمتع به، وما سخره الله (القرآني) وقبله الله (التوراتي) له.
«جَنّاتُ عَدنٍ يَّدخُلونَها وَمَن صَلح مِن آبائِهِم وَأَزواجِهِم وَذُرّياتِهِم وَالمَلائِكَةُ يَدخُلونَ عَلَيهِم مِّن كُلِّ بابٍ، سَلاَمٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ.» (13 الرعد 23 - 24)
أليس هناك من النساء من يستحققن الجنة بصلاحهن هن، لا بتبعيتهن لأزواجهن، بحيث يمكن أن يقال أيضا: (جَنّاتُ عَدنٍ يَّدخُلنَها وَمَن صَلح مِن آبائِهِنَّ وَبُعولَتِهِنَّ وَذُرّياتِهِنَّ، وَالمَلائِكَةُ يَدخُلونَ عَلَيهِنَّ مِّن كُلِّ بابٍ، سَلاَمٌ عَلَيكُنَّ بِما صَبَرتُنَّ فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ.»؟ مع هذا قد يُرَدّ زعمي هنا، بقول إن ضمير الجمع المذكر يستخدم للجنسين أيضا، ومصطلح «الأزواج» يعني الجنسين، كما هو مصطلح «الذرية»، ومصطلح «الآباء»، الذي يشمل الأمهات، كما يقال (الأبوان)، و(الوالدان)، بمعنى الأب والأم في الأول، والوالد والوالدة في الثاني. إذن هذا النص يحتمل المعنيين، المعنى الذي يؤيد مبدأ أصالة الذكورة في القرآن، والمعنى الإنساني الشامل للجنسين، واحتمال بعض النصوص لمعنيين، لا يقلل من الأدلة الكثيرة على أصالة الذكورة لمفهوم الإنسان قرآنيا.
«مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ، فَمِنهُم مَّن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَّن يَّنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا.» (33 الأحزاب.» 23)
ولماذا لم يُكمَل النص بقول: (وَمِنَ المُؤمِناتِ نِساءٌ صَدَقنَ ما عاهَدنَ اللهَ عَلَيهِ، فَمِنهُنَّ مَّن قَضَت نَحبَها وَمِنهُنَّ مَّن تَنتَظِرُ وَما بَدَّلنَ تَبديلًا)، أو (مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ وَنِساءٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيهِ، فَمِنهُم مَّن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَّن يَّنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا)؟ نعم سيقال إن المقصود هنا أولئك المسلمون من الرجال الذين كانوا يقاتلون، أو يجاهدون حسب المصطلح القرآني، وهم المعنيون بقضاء نحبهم قتلا، والمعنيون بالصبر على القتال. لكن عندما نضيف هذه الآية إلى كل تلك النصوص التي مررنا عليها، لا يمكن أن نبقى نبحث في كل نص عن تبرير لتفسير كل ما يؤكد ظاهرة ما يفهم منه أصالة الذكورة في الأدب القرآني.
«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا نَكَحتُمُ المُؤمِناتِ ثُمَّ طَلَّقتُموهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسّوهُنَّ فَما لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعتَدّونَها فَمَتِّعوهُنَّ وَسَرِّحوهُنَّ سَراحًا جَميلًا.» (33 الأحزاب 49)
وهذا نص آخر يؤكد أن الأصل في مصطلح «الذين آمنوا» في القرآن هم الرجال، وهكذا بالنسبة لـ (الناس)، و(القوم)، و(المرء)، و(الإنسان)، و(النفس) البشرية. وإلا كان ينبغي أن يقال: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا نَكَحَ الرِّجالُ مِنكُمُ النِّساءَ [أو المُؤمِناتِ] ثُمَّ طَلَّقوهُنَّ مِن قَبلِ أَن يَّمَسّوهُنَّ فَما لَهُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ يَّعتَدّونَها فَليُمَتِّعوهُنَّ وَيُسَرِّحوهُنَّ سَراحًا جَميلًا.» عندها فقط يُفهَم أن مصطلح (الذين آمنوا) هنا يشمل الرجال الذين آمنوا، والنساء اللاتي آمنّ.
«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا يَسخَر قَومٌ مِّن قَومٍ عَسى أَن يَّكونوا خَيرًا مِّنهُم، وَلا نِساءٌ مِّن نِّساءٍ عَسى أَن يَّكُنَّ خَيرًا مِّنهُنَّ ...» (49 الحجرات 11)
وهذا النص أشد وضوحا في تأكيد ما ذهبت إليه. فلو كان مصطلح (القوم) شاملا للرجال والنساء، لما ذُكِرت النساء بعد ذكر القوم. سيقال إنه من قبيل ذكر الخاص بعد العام. فأقول إنه يفترض به أن يكون كلام الله، وكلام الله يجب أن يكون واضحا غير مبهم، محكما غير متشابه. لماذا لم يقل (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا يَسخَر رِجالٌ مِّن رِجالٍ عَسى أَن يَّكونوا خَيرًا مِّنهُم، وَلا نِساءٌ مِّن نِّساءٍ عَسى أَن يَّكُنَّ خَيرًا مِّنهُنَّ ...» رفعا للَّبس، كي لا يأتي مثل ضياء الشكرجي وغيره ليثيروا الشبهات تلو الشبهات حول القرآن. فإذا قال نبي الإسلام «رحم الله من جبّ الغيبة عن نفسه»، واعتبر ذلك من لوازم الحكمة والعقل، أفليس الله هو سيد الحكماء ومعلم العقلاء؟ لماذا يتكلم وهو الحكيم العليم بما يثير الشبهات حول بشرية كتابه؟ سيقولون (امتحان). وهل كُتِب عليّ وعلى أمثالي أن نسقط في هذا الامتحان، ونبتلى بـ(سوء العاقبة)، لنُحشَر مع الكافرين والمشركين والمنافقين والظالمين والفاسقين والفجرة، خالدين في العذاب أبدا؟

وإلى الحلقة القادمة التي ستكون الأخيرة من بحث حقيقة موقف القرآن من المرأة.