دامداماران [3]

وديع العبيدي
2017 / 4 / 18

وديع العبيدي
دامداماران [3]
امة ولسان..

إن لفظة "ع رب"، "عرب"، هي بمعنى التبدي والأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن تفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية التي وصلت إلينا، وهي النصوص الآشورية. وقد عنت بها البدو عامة، مهما كان سيدهم أو رئيسهم. وبهذا المعنى استعملت عند غيرهم-كالبابليين والعبرانيين والاغارقة-.
واللفظة بهذا المعنى وبهذا الشكل، مصطلح يرجع إلى ما قبل الإسلام، ولكنه لا يرتقي تاريخياً إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام إلى عهد جدا بعيد. فأنت إذا رجعت إلى القرآن، وجدت للفظة مدلولاً يختلف عن مدلولها في النصوص الجاهلية التيُ عثر عليها حتى الآن، أو في التوراة والإنجيل والتلمود وما بقي من مؤلفات يونانية ولاتينية تعود إلى ما قبل الإسلام.
فهي في هذه: أعراب أهل وبر، أي طائفة خاصة من العرب. أما في القرآن والحديث، فإنها علَم على الطائفتين واسم للسان الذي نزل به القرآن، لسان أهل الحضر ولسان أهل الوبر على حد سواء.
ونحن لا نزال.. نميز الأعراب عن الحضر، ونعتّدهم طبقة خاصة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة: "عرب" في معنى بدو وأعراب، أي بالمعنى الأصلي القديم.
ونرى ان عشيرة "الرولة" وعشائر أخرى تقسم سكان الجزيرة إلى قسمين: حضر و "عرب". وتقصد بالعرب أصحاب الخيام أي المتنقلين. وتقسم العرب، أي البدو إلى "عرب القبيلة"، و "عرب الضاحية"، و هم العرب المقيمون على حافات البوادي والأرياف، أي في معنى "عرب الضاحية" و "عرب الضواحي" في اصطلاح القدامى.
ولما توسعت مدارك الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب، توسعوا في استعمال اللفظة، حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار انهم أهل بادية وان حياتهم حياة أعراب. ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم، فصارت علَماً على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق كتبة اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "Arabae" "Arabia" أي "العربية" بمعنى بلاد العرب.
واليوم.. إذ نطلق لفظة "عرب" و "العرب" على سكان البلاد العربية، فإنما نطلقها إطلاقاً عاماً على البدو وعلى الحضر، لا نفرق بين طائفة من الطائفتين، ولا بين بلد وبلد. نطلقها بمعنى جنسية وقومية وعلم على رسٍّ [race] له خصائص وسمات وعلامات وتفكر يربط الحاضرين بالماضين كما يربط الماضي بالحاضر.

طبقات العرب..
اتفق الرواة وأهل الأخبار، أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة وعرباء وهم الخلص، والمتعربة.
واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن. وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. واتفقوا، أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله، وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة، فهم الأصل.
والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية، وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، شرح الله صدر جدهم إسماعيل، فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الارامية، أو الكلدانية، أو العبرانية على بعض الأقوال.
وقد اتخذ القحطانيون هوداً جداً من أجدادهم، وألحقوا نسبهم به، وتفاخروا به. فعلوا ذلك بدافع العصبية والمفاخرة على العدنانيين الذين كانوا يقولون إن فيهم الأنبياء، ولم يكن في قحطان نبي. فأوجد نساّبوهم نسباً يوصلهم إلى الأنبياء، كما أوجدوا لهم نسباً احتكر لهم العروبة، وجعلهم الأصل، والعدنانيون من الطارئين عليهم.
"العرب العاربة" على أقوال النسابين، وهم من أبناء قحطان وأسلاف القحطانيين المنافسين للعرب العدنانيين، الذين هم العرب المستعربة في عرف النسابين.
وقحطان الذي يرد في الكتب العربية، هو "يقطان" التي يرد اسمه في سفر التكوين، وهو "قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح" في رأي أكثر النسابين. و هو "يقطان بن عابر بن شالخ بن أرفكشاد بن سام ابن نوح" في التوراة.
أما الذي تولى الملك بعد قحطان فكان يعرب، وكان ملكه باليمن، وقد غلب بقايا عاد، ووزع اخوته في الاقطار، فأقر أخاه حضرموت على الأرضين التي عرفت بأسمه فقيل لها حضرموت، وعين عمان على أرض عمان، وولى جرهماً على الحجاز.
ولا نعرف من أمر يعرب شيئاً غير ما ذكره بعض الأخباريين من إن أم يعرب هي من عاد أو من العماليق، ومن أن له اخوة من أمه، هم: جرهم والمعتمر والمتلمس وعاصم ومنبع والقطامي وعامي وحمير وغيرهم.
وإلى يعرب ينسب أهل الأخبار نشوء العربية، يزعمون انه كان أول من أعرب في لسانه، ولهذا قيل للسانه "العربية". وإن "يعرب" هو الذي جاء بولده إلى اليمن، فأسكنهم بها. وإن ولده كانوا أول من بدأوا بتحية الملك، فقالوا له: "أبيت اللعن" و "أنعم صباحاً". وانتقل الملك من يعرب إلى ابنه يشجب، ويقال له "يمن"، ومن ولده عبد شمس، ويقال له عامر ويلقب بـ"سبأ".
والطبقة الثانية من طبقات العرب هم "العرب المتعربة"، ويقال لهم العدنانيون أو النزاريون أو المعديون. وهم من صلب "إسماعيل بن إبراهيم وامرأته "رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي" .
قيل لهم "العرب المستعربة"، لأنهم انضموا إلى العرب العاربة، وأخذوا العربية منهم. و منهم تعلم "إسماعيل" الجد الأكبر للعرب المستعربة العربية، فصار نسلهم من ثَم من العرب واندمجوا فيهم. وموطنهم الأول مكة، فيها تعلم "إسماعيل" العربية، وفيها ولد أولاده، فهي إذن المهد الأول للإسماعيليين.
وعدنان في نظر العدنانيين هو جدهم الأعلى، كما أن قحطان هو الجد الأعلى للقحطانيين. ولما كانت الطبقة الأولى من العرب قد بادت وذهبت، تكون العرب الباقية كلها من ولد قحطان و عدنان. وقد رأينا أن "قحطان" هو "يقطن" أو "يقطان" في التوراة. أما "عدنان"، فلا نجد له اسما فيها.
والطبقة الثالثة هم " العرب المستعربة"* اي القبائل النازله في سيف العراق من حدود نهر الفرات إلى بادية الشام، فهو يشمل إذن القبائل النازلة على طرفي الهلال الخصيب وفي طرفي القوس الذي يحيط بحدود الإمبراطوريتين. ومن المستعربة غسان وإياد وتنوخ.
وقد فضلت غالبية هذه المستعربة السكنى في أطراف المدن في مواضع قريبة من البوادي والصحارى، عرفت عندهم بـ "الحضر"، فكان في أكثر مدن بلاد الشام حواضر يقيم بها العرب من تنوخ ومن غير تنوخ.

أما العربية اللسان في (القرآن): [انا انزلنا بلسان عربي مبين]، فهي لغة قريش المتداولة في القرن السابع الميلادي أيام ظهور الاسلام، وهي التي اعتبرت اساسا تعدل بحسبها لغات بقية القبائل والامصار وهي اللغة الرسمية والدينية في البلاد المسلمة. بينما استمرت اللغات الاصلية للقبائل والاقوام المستعربة في صور اللهجات واللغات المحلية المداولة في المعاملات العامة والعلاقات الشخصية في كل بلاد.

ـــــــــــــــــــ
• نقلا عن: د. جواد علي [1907- 1987م]- (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام)- بتصرف!.
• ان دخول الاقوام والجماعات في الاسلام او وقوعهم في اطار الحكم الاسلامي لا يجعل منهم (عربا) بالعرق او الثقافة، وهو المستفاد من الطبقة الثالثة تحت اصطلاح (الاستعراب) الذي يشمل الكرد والترك والفرس والامازيغ والافغان والقوقاز، كما يشمل سكان العراق والشام ومصر والسودان والصومال. والعروبة بذلك ليست شعورا قوميا او رابطة قومية تقارب بين ابناء الامة الاسلامية او المتحادثين باللغة العريية. هيمنة العداوات البينية والصراعات الدموية المحلية في اطار الاسلام يجعل سؤال مغزى وحدة الدين واللغة، بينما تعادي دولة الاخرى وتكيد جماعة لجماعة مثلها، دون مراعاة وحدة الدين واللغة والمصير، ودون احترام المصالح المشتركة ومبادئ الامن الاقليمي!.