دماء على كرسي الخلافة -12-

علي مقلد
2017 / 4 / 18


تكمن أزمة المسلمين في تقديس بعض الأشخاص وبعض العصور ، وفي سبيل ذلك يدافعون عن الباطل باستماتة ، ويؤولون الأحدث وفق ما يخدم رؤيتهم وتعصبهم المذهبي ، مهما جنت آراؤهم ومواقفهم المذهبية على حقائق الأمور ، دون أن يرف لهم جفن ، وهم يزيفون الأحداث بكل جرأة ، ويدافعون عن المخطئين بكل حماس .
كنا قد وقفنا في المقال السابق عن سيطرة معاوية على الإمبراطورية الإسلامية ، بعدما خلا له الجو بمقتل علي بن أبي طالب وموت الحسن بن علي مسموما ، واستقرت الدولة الإسلامية وعادت لسابق عهدها في غزو الجيران خاصة إمبراطوريتي الفرس والروم ، لكن معاوية الذي ذاق هو وأهله من بني أمية حلاوة السلطة، ما كان ليتركها لتذهب بعيدا مهما كانت المبادئ والشعارات ، فهو أراد أن يورث ثمار السلطة التى حصدها بقوة السيف لأهله من بعده ، وتكون إمبراطورية أموية ، يتوارثونها خلف عن خلف ، وهو أمر بعيد تماما عما ينظره مفكرو الإسلام السياسي الذين يحاولون تجميل الحكم الوراثي الذي ابتدعه معاوية ، باعتباره خلافة إسلامية ، لها أصول وقواعد مستمدة من الشرع ، فهي أبعد ما تكون عن ذلك ، هي مجرد حكم وراثي على طريقة الإمبراطوريات القديمة الموجودة في العالم آنذاك ، ربما كانت تنفع وقتها لأنها ابنة عصرها ، لكن لا يجدي بحال استيرادها من كهوف القرون الوسطى ، وتطبيقها على واقعنا المعاصر الذي اختلفت فيه نظم الحكم وتشعبت وأصبح لكل إنسان الحق في اختيار من يحكمه بغض النظر عن الدين والمذهب واللون والعرق والجنس.
نعود للتاريخ ، حيث يذكر الرواة أن معاوية لما أحس بدنو أجله ، قرر منفردا دون مشورة من أحد ، أن يأخذ البيعة لابنه يزيد ، بالرغم أن يزيد هذا لم يكن أحد المرشحين للحكم ،في أي وقت ، بل أن معاوية نفسه حدد في بعض أحاديثه أن الخلفية من بعده سيكون واحداً من ستة أشخاص سماهم بنفسه ، وهم: سعيد بن العاص، عبد الله بن عامر، الحسن بن علي بن أبي طالب ، مروان بن الحكم، عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عبد الله بن الزبير بن العوام ، ووصفهم معاوية – حسب الراويات المتطابقة- بصفات حسنة كالفقه، والاهتمام بالحدود، والكرم،والدهاء، لكن بعد وفاة الحسن ولي العهد كما حدث في وثيقة الصلح ، التي تمت بين الطرفين، قرر إسناد الأمر لابنه ، وزعم آنذاك أمام معارضيه ، أنه لم يبق إلا ابنه وأبناء الصحابة وابنه أحق، لتمرسه السياسة ومعرفته بحاله وأن أهل الشام لا يقبلون إلا أموياً ، وهذا القول غير صحيح على إطلاقه فهناك صحابة آخرون كانوا أجدر من يزيد بالحكم ، لكن عقلية الأب الذي يريد أن يورث السلطة لابنه قد تغض بصره عن حقائق الأمور.
بالفعل طرحت فكرة البيعة ليزيد ، أولاً على أهل دمشق وهم حلفاء لبني أمية ، حيث صعد معاوية على المنبر وأعلن أنه اختار يزيداً خليفة بعده فرضي أهل دمشق وبايعوه بدون أي اعتراض، وأرسل معاوية في الأقطار يطالب ولاته بأخذ البيعة لابنه وقد كان له ما أراد ، فقد خشي الناس سطوة الخليفة معاوية فبايعوا على مضض ومنهم من رفض بحذر ، واستمر هذا الحذر حتى مات معاوية ، وطلب يزيد البيعة لنفسه بنفسه ، وهنا انفجرت في وجهه ثلاث ثورات مسلحة دفعة واحدة ، كل ثورة فيهم ستظل علامة فارقة فيما بعد نظرا للجرائم البشعة التي ارتكبت في سحق هذه الثورات، وسوف نتعرض بايجاز للثورات الثلاث دون تفاصيل كثيرة لضيق المقام من ناحية ولبشاعة ما جرى فيها من ناحية أخرى ، خاصة ما حدث في ثورة الحسين بن علي والتى ترتب عليها مأسي، لا زلنا ندفع ثمنها من حروب السنة والشيعة .
عرفنا فيما سبق من مقالات ، أنه كان من شروط الحسن في صلحه مع معاوية أن يتولى الحسن الحكم من بعد معاوية ، فإن حدث حادث في الحسن فالحسين، فلما مات معاوية ، وتسلم ابنه السلطة ، كتب الى والي المدينة الوليد بن عتبة: إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسـين بن عليّ وعبـد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليَّ برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، والسلام) لكن الحسين وبن زالزبير رفضا مبايعة يزيد ، ثم غادرا المدينة إلى مكة.
لما وصلت إلى يزيد أنباء رفض الحسين للمبايعة ،ثم توجهه من مكة إلى الكوفة بناءا على طلب أهل العراق الذين وجدوا الفرصة سانحة للتكفير عن خذلانهم لعلي وللحسن من ناحية وللخلاص من حكم بني أمية من ناحية أخرى ، خلاصة القول خرج إليهم الحسين بعد تلقيه العديد من الرسائل تبايعه بالخلاقة ، لذلك قرر الحسين أن يستطلع الأمر فقام بإرسال ابن عمه مسلم بن عقيل ليكشف له حقيقة الأمر، وعندما وصل مسلم إلى الكوفة شعر بجو من التأييد لفكرة خلافة الحسين ومعارضة شديدة لخلافة يزيد بن معاوية ، وبالفعل بايعوا الحسين ليكون الخليفة وقام مسلم بن عقيل بإرسال رسالة إلى الحسين يعجل فيها قدومه، فلما وصلت هذه الأخبار إلى الخليفة الأموي الجديد ، قام على الفور بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير بتهمة تساهله مع الاضطرابات التي تهدد الدولة الأموية ، وقام الخليفة يزيد بتنصيب وال آخر كان أكثر قسوة، اسمه عبيد الله بن زياد ، قام بتهديد رؤساء العشائر والقبائل في منطقة الكوفة بإعطائهم خيارين، الأول، سحب دعمهم للحسين، والثاني، انتظار قدوم جيش الدولة الأموية ليبيدهم عن بكرة أبيهم وكان تهديد الوالي الجديد فعالا فبدأ الناس يتفرّقون عن مبعوث الحسين، مسلم بن عقيل شيئا فشيئا لينتهى الأمر بقتل بن عقيل ، لكن الحسين لم يعلم بمقتله عند خروجه من مكة إلى الكوفة بناء على الرسالة القديمة التي استلمها قبل تغيير موازين القوة في الكوفة، وقد علم الحسين بمقتل مسلم بن عقيل عندما كان في الطريق إلى العراق ، استمر الحسين وقواته بالمسير، إلى أن اعترضهم الجيش الأموي في صحراء كانت تسمى "الطف " واتجه نحو الحسين جيش قوامه 30 ألف مقاتل – حسب أغلب الروايات- يقوده عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وبالفعل وصل الجيش الأموي بالقرب من خيام الحسين وأتباعه ، وكانت قوات الحسين تتألف من 32 فارسا و40 راجلا ، وقبل أن تبدأ المعركة لجأ جيش ابن زياد إلى منع الماء عن الحسين وأهل بيته وصحبه، فلبثوا أياماً يعانون العطش في جو صحراوي شديد الحرارة.
بعد أن رأى الحسين تخاذل أهل الكوفة وتخليهم عنه ، عرض على عمر بن سعد ثلاثة حلول: إما أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه، أو أن يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام للجهاد فيه، أو أن يأتي يزيد بن معاوية في دمشق فيطلب منه الحلين الأولين، فبعث عمر بن سعد لابن زياد خطاباً بهذا إلا أن شمر بن ذي الجوشن رفض وأصر على بن زياد أن يحضروه إلى الكوفة أو يقتلوه، فأرسل بن زياد لعمر بن سعد برفضه ، ومع رفض الحسين للتسليم، بدأ رماة الجيش الأموي يمطرون الحسين وأصحابه بوابل من السهام وأصيب الكثير من أصحاب الحسين ثم اشتد القتال ودارت رحى الحرب وغطى الغبار أرجاء الميدان واستمر القتال ، وأصحاب الحسين يتساقطون الواحد تلو الآخر ، حتى أصيب الحسين بسهم ذو ثلاث شعب - وحسب بعض الروايات- فإن القائد الأموي شمر بن ذي جوشن، قام بفصل رأس الحسين عن جسده باثنتي عشرة ضربة بالسيف من القفا ... إن دموية يوم كربلاء ، ما زالت الأمة الإسلامية تدفع ثمنها حتى الآن ، مازال متعصبو السنة يفجرون مراقد أئمة الشيعة ،ومازال متعصبو الشيعة يفجرون مساجد السنة ، انتهت معركة كربلاء بمقتل الحسين ،لكن تبعاتها ستظل مستمرة إلى يوم القيامة.
أما الثورة الثانية، التي انفجرت في وجه يزيد بن معاوية فكانت ثورة المدينة المنورة ، والتي رفض أهلها مبايعة يزيد ،ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ، ثم توجهوا إلى والى يزيد على المدينة فأخرجوه منها، وحاصروا دار مروان بن الحكم بالمدينة، تعبيرًا عن سخطهم ورفضهم لبنى أمية، واستغاث مروان بن الحكم بيزيد، وتأزم الموقف من جديد، فقد أعد يزيد جيشًا ضخمًا من جند الشام، وأسند قيادته إلى مسلم ابن عقبة، ليحمى بنى أمية بالمدينة، وليخضع الثائرين عليه ، ولما علم أهل المدينة بمقدم الجيش فلم يجدوا بدّا من إخراج بنى أمية إلى الشام بعد أن يأخذوا عليهم العهود والمواثيق ألا يساعدوا عليهم أحدًا ، وبالفعل خرج بنو أمية مطرودين من المدينة، لكنهم تقابلوا مع جيش مسلم بن عقبة، فطلب منهم أن يشيروا عليه بما ينبغى أن يفعله، فأرشده عبد الملك بن مروان إلى كيفية الزحف على المدينة، والدخول إليها، وزحف مسلم كما أشار عليه عبد الملك، ونفذ الخطة فوصل إلى مكان يسمى "الحرة " شمالى شرق المدينة، وهى أرض صخرية بركانية، فخرج إليه أهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة، والتحموا مع جند الخليفة فى معركة شديدة انتهت بهزيمة أهل المدينة، وقتل عدد كبير من بنى هاشم وقريش والأنصار ، وتروي لنا كتب التراث ، ومنها كتاب شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك أن قائد جيش الخليفة ، أباح لجنوده مدينة رسول الله ، ثلاثة أيام يقتلون ويأخذون النهب ، واغتصبوا النساء حتى قيل حملت ألف امرأة متزوجة سفاحا، وفضت بكارة ألف عذراء ، وبلغ عدد القتلى سبعمائة من قريش والأنصار ومن الموالي وغيرهم من نساء وصبيان وعبيد عشرة آلاف وقيل قتل من القراء – أي حفظة القرآن- سبعمائة ثم أخذ عقبة بن مسلم قائد الجيش على أهل المدينة البيعة ليزيد على أنهم عبيده إن شاء عتق وإن شاء قتل .
بعد أن انتهى مسلم بن عقبة وهو بالمناسبة أحد الصحابة ، من هتك عرض أهل المدينة وسلب أموالهم وإجبارهم على البيعة ليزيد ، سار بمن معه من الجند إلى مكة؛ حيث مقر خلافة عبد الله ابن الزبير والذى قاد ثورة مسلحة ضد يزيد ،وكان ابن الزبير يرى نفسه أحق بالخلافة من بن معاوية خاصة أنه صحابي وابن الصحابي الشهير الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق الخليفة الأول للمسلمين ... خلاصة القول أن جيش مسلم بن عقبة بعدما أخضع المدينة زحف نحو مكة لكن الموت لم يمهله ، فخلفه في قيادة الجيش الحصين بن نُمير السكوني ، فبلغ الجيش ، وحاصروا ابن الزبير 64 يومًا ونصبوا المنجنيق على مشارف مكة وضربوا الكعبة بالمنجنيق حتى احترقت واشتعلت النيران في جميع أركانها، ومني جيش ابن الزبير بخسائر كبيرة وفقد الكثير من مؤيديه وأقاربه ،وكاد بن الزبير يهزم بالضربة القاضية، لولا جاء نعي يزيد، فبعث الحصين لابن الزبير أن يلتقيه ، ففاوضه في الخلافة وأن ينضم الحصين بمن معه من جند الشام إلى صفوفه، ويخرجوا للشام فلا يخالفهم أحد، إلا أن ابن الزبير رفض لما في رقاب هذه الجند من دماء أهل الحرة، ثم أرسل ابن الزبير للحصين يبلغه بأنه لن يسير إلى الشام، ودعاه لأن يبايع له في الشام، فنبهه الحصين بأن العديد من الأمويين قد يطالبون بالخلافة في الشام وسيجدون من يجيبهم.
بعد موت يزيد تعود الاضطرابات حول كرسي الخلافة من جديد ،وفي المقال القادم نرى كيف انقسمت الدولة بين ثلاثة كل منهم يدعي أنه الخليفة ، وما دار بين الخلفاء الثلاثة من قتل وذبح وسبي وهتك أعراض، وكل منهم يزعم أنه يفعل ذلك من أجل نصرة الإسلام.