النظام المصرى والهوس الدينى عند المسئولين

طلعت رضوان
2017 / 4 / 18


أفهم أنْ يتم دفن عمرعبدالرحمن فى مصر(رغم اختلافى مع أصوليته الإسلامية/ التكفيرية) بصفته (كان) يحمل الجنسية المصرية. وأنّ الثقافة القومية لشعبنا رسّـختْ قيمة الدفن فى تراب الوطن، حتى مع المختلفين والكارهين لخصائصنا الثقافية، ولكننى أختلف مع وزارة الخارجية (المصرية) فى تحملها تكاليف نقل جثمانه من أمريكا إلى مصر.
فهل يـُـعقل أنّ المسئولين المصريين لايعلمون (الحد الأدنى) من (المعلومات) عن تاريخ الشيخ الراحل؟ وكيف فات عليهم أنه كان أحد الأصوليين الإسلاميين الذين أفتوا بتكفيرالرئيس السادات؟ وكيف غاب عنهم أنه تمّـتْ محاكمته أمام المحكمة العسكرية، وأمام محكمة أمن الدولة العليا، فى قضيتيْن (بسبب فتاويه التكفيرية) وأنه خرج من المعتقل عام1984. وإذا كانت تلك (وقائع) مادية لايمكن نفى حدوثها، فماسرحالة الغيبوبة التى أصابتْ موظفى الخارجية المصرية عندما قرّروا تحمل نفقات نقل جثمان هذا الأصولى التكفيرى؟ وإذا كانت فتواه بقتل السادات (بعيدة زمنيـًـا) عن ذاكرة موظفى الخارجية المصرية، فكيف نسوا (أوتناسوا) خطاب الرئيس (المسلم محمد مرسى) يوم29يونيو2012فى ميدان التحريرأمام (عشيرته وأتباعه) بأنه سيبذل جهده للإفراج عن هذا الأصولى من السجون الأمريكية؟ وأليس ماحدث دليل على أنّ (الدبلوماسية المصرية) تفتقد الحد الأدنى من مفهوم الدولة المدنية، والحد الأدنى من عناصرالتنوير؟ ناهيك عن تبديد أموال شعبنا على نقل جثمان أحد التكفيريين، خاصة أنّ أتباع الشيخ عمرعبدالرحمن، من الأثرياء جدًا جدًا و(يسعدهم) تحمل نفقات جثمانه.
000
فى فترة التسعينيات ظهرأكثرمن فصيل إسلامى تكفيرى، وشهدتْ مصرعدة أحداث إرهابية، شملتْ قتل الكثيرمن الأبرياء وتحطيم (محلات الفيديو) والاعتداء على محلات الذهب التى يمتلكها المواطنون المصريون (المسيحيون) إلخ، فى تلك الفترة تردّد اسم الأصولى الشهير(عبود الزمر) الذى اختلف مع عمرعبدالرحمن، وأطلق صيحته المدوية ضد الشيخ الضريرحيث قال ((لا إمارة لضرير)) فردّ عليه عمرعبدالرحمن ((ولا إمارة لأسير)) يقصد (سجين) وذلك بسبب الصراع حول (منصب أميرالجماعة) فكان أنْ انقسم التنظيم الإسلامى إلى تنظيميْن: أحدهما بقيادة عبود الزمر، ويحمل اسم (تنظيم الجهاد الإسلامى) والآخربقيادة عمرعبدالرحمن ويحمل اسم (الجماعة الإسلامية) (مجلة روزاليوسف22يونيو92)
فى كتاب عمرعبدالرحمن (موقف القرآن من خصومه) ذكرأنّ التفسيرالصحيح للآيات الواردة فى سورة التوبة بشأن (المشركين) و(أهل الكتاب) هوالموقف النهائى للقرآن من غيرالمسلمين، وبالتالى فإنّ المسلمين مأمورون بأنْ يحاربوا العالم أجمع، حتى يدين كل الناس بالإسلام أويدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأعتقد أنه من المهم التأكيد على أنّ كتاب عمرعبدالرحمن المشارإليه، كان موضوع رسالته لنيل درجة الدكتوراه التى أشرف عليها (دكاتره من شيوخ جامعة الأزهر) وأنّ تلك الجامعة (المفترض أنها مصرية) هى التى وافقتْ على الرسالة. كما أنه حصل على (شهادة العالمية) بتقديرامتيازمع مرتبة الشرف. والدرس المستفاد من كل ذلك أنّ من منحوه (الدكتوراه) و(شهادة العالمية) دكاتره شيوخ، أوشيوخ دكاتره، متخصصون فى دراسة الإسلام (ديانة وتاريخـًـا)
اعتمد عمرعبدالرحمن فى تشجيع قتل المختلفين (مع الإسلام) على الآيات الواردة فى (سورة التوبة) بشكل خاص، وركزعلى آيات بعينها مثل ((وبشرالذين كفروا بعذاب أليم)) آية رقم3. والآية رقم5 والآية رقم29..إلخ. وإذا كان هذا هوموقف عمرعبدالرحمن، فإنّ أ. خليل عبدالكريم كتب عـــــن بداية الدعوة الإسلامية أنه ((كما تغيّرتْ الأفعال، تغيّرتْ النصوص المقدسة وتبدّلتْ لهجتهـــــا، فبعد أنْ كانت تنص على "لكم دينكم ولى دين" أصبحتْ "إنّ الدين عند الله الإسلام" "ومــن يبتغ غيرالإسلام دينًا فلن يُقبل منه" (وكذلك) تحوّلتْ النصوص، سواء بالنسبة إلـى العرب الذين لم يتابعوا محمدًا على دينه (أى الكفاروالمشركين) أوإلى أهل الكتاب مـــن اليهود والنصارى إلى أفق آخرمباين تمامًا للأفق الأول: فبالنسبة للفئة الأولى: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" أى وجدتموهم (البقرة/ 191) و"فإذا انسلخ الأشهرالحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد" (التوبة/ 5) وهـــى الآية المعروفة ب (آية السيف) والتى يرى كثيرمن ثقاة مفسرى القرآن أنها جبّتْ آيات المسالمة والصفح والعفو. وأنّ القتل يتعين أنْ يلحق حتى بمن وقع أسيرًا فى أيدى المسلمين. والشــــــق الأخيرطبّقه محمد بن عبدالوهاب إمام الحركة الوهابية فى الجزيرة العربية فى القرن الثامـــــــن عشرالميلادى. فكان يأمربقتل الأسرى حتى ولوكانوا مسلمين، ماداموا لم يتابعوه على رأيه. وعمومًا فإنّ هذا التفسيرلآية السيف بأكمله هوالذى تتبناه الجماعات الأصولية الإسلاميـــة المتطرفة))
أما الآية المعروفة بآية الجزية (التوبة/29) فإنّ الأصوليين يرون أنّ قتال أهـــــل الكتاب أمرإلهى ماضٍ إلى يوم القيامة، ولم يرد ما ينسخه، ومن ثمّ فيتعيّن على المسلمين إنفاذه ولايكفوا عنه إلاّفى حالتين: أ– أنْ يعتنق اليهود والنصارى الإســـــــلام. ب– أويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ويرفض الأصوليون بشدة التأويلات التى يعمد إليها بعض المستنيرين من الإسلاميين للتخفيف من صرامة الآية. ويعتبرون أنّ ذلـــــــك تخاذلابل كفرًا لأنه حكم بغيرما أنزل الله)) (الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية– سينــــا للنشر– 1995 ص 51 ، 52)
فإذا كان عمرعبدالرحمن انحازإلى التشدد والتطبيق الحرفى لآيات قتل خصوم الإسلام، كما جاء فى رسالته للدكتوراه وفى فتاويه، فلماذا (تطوّعتْ) الخارجية المصرية لنقل جثمانه من أمريكا؟ وهل لومات مصرى تنويرى (علمانى) خارج مصركانت الخارجية المصرية ستتحمس وتنقل جثمانه، كما فعلتْ مع الأصولى التكفيرى؟
000
هامش: عمرعبدالرحمن (1938- 2017) مواليد الدقهلية. فقد البصربعد ولادته بعشرة شهور. تـمّ تعيينه فى وزارة الأوقاف (إمام مسجد) فى الفيوم. عمل بكلية الرياض للبنات بالسعودية. وبعد الافراج عنه فى قضية مقتل السادات، سافرإلى ولاية نيوجرسى الأمريكية. واعتقل هناك بتهمة التورط فى تفجيرات نيويورك عام1993، فحـُـكم عليه بالسجن مدى الحياة.
***