زيارتي لالبانيااكدت لي ان الناس على دين ملوكها

مازن الشيخ
2017 / 4 / 18

منذ صغري وانا مولع بالسياحة’تنقلت بين عشرات الدول في شرق وغرب الكرة الارضية’لكن دولة واحدة كانت قد جذبت اهتمامي’ولم استطيع زيارتها رغم محاولاتي المتكررة’للحصول على تاشيرة دخول اليها’وهي جمهورية البانيا’الدولة التي تقع في قلب اوربا’والتي تمتاز’بأناغلبية الشعب المطلقة هم من المسلمين اضافة الى نسبة من المسيحيين. والحقيقة انه ماجذب اهتمامي’بالبانيا هو ماكنت قد سمعته وقرأته عن
النظام السياسي الحاكم’والذي كان يقوده شيوعي متعصب’اسمه انورخوجة
ولد خوجة’في جنوب البانيا’وكان والده تاجر اقمشة ميسورالحال’وكان مسلما متدينا’ويتبعالطائفة البكداشية المحسوبة على الشيعة العلوية
ولقب الخوجة يعني باللغة الالبانينة(الحاج) يعني اسمه انورالحاج!
ارسله والده الى فرنسا ليكمل تعليمه العالي

لكنه وخلال دراسته هناك’تعرف على اعضاء من الحزب الشيوعي الفرنسي’واعتنق الشيوعية’وبعد عودته الى بلاده تمكن من الوصول الى مصاف القيادة المطلقة’كزعيم للحزب الشيوعي الحاكم’وفورا طبق الماركسية بحذافيرها’علىقوانين الدولة’
كما عمل على عزل شعب البانيا عن العالم’فمنع سفرالمواطنين خارج البلاد’وكذلك رفض دخول الاجانب الى البانيا بغرض السياحة’واقتصرمنح التاشيرات على الزيارات الرسمية’أوالمتعلقة بالمصالح التجارية’.والتي كانت كلها من خلال القطاع العام’ولم يسمح باي نشاط للقطاع الخاص.
وباختصار كان اصدق واخلص تلميذ لكارل ماركس’حيث طبق نظريته بحذافيرها,
بل وقطع علاقاته حتى مع الدول الشيوعية كالاتجاد السوفييتي والصين’وذلك بسبب اعتمادهم بعض الاجتهادات في ادارة الدولة’فاعتبرهم كالذين كفروا بماركس!
ولعل اهم مايمكن الاشارة اليه هو اعتماده مقولة ملهمه ومثله الاعلى’مؤسس الحزب الشيوعي’عندما قال(الدين افيون الشعوب)فمنع كل اشكال العبادات’اغلق المساجد والكنائس ووضع نظاما صارما’يشدد العقوبة على كل من يمارس طقوس او مراسيم ايعبادة بشكل علني!
وفي سنة 1981سافرصديق لي الى عاصمتها تيراناعن طريق الجو,وذلك
لاستيراداغنام’وتصديرها الى الخليج العربي,
انتطرت عودته ببالغ الشوق لاساله عن انطباعاته’بعد تمكنه من اجتيازالجدارالحديدي !ودخول البانيا
وعاد ليصفها بأنهااكثرالبلدان تخلفا’وان اسواقها بائسة’ووسائط النقل الداخلي كان معظمها اما سيارات قديمة أوعربات تجرها الحيوانات.
تلك الفكرة ترسخت في ذهني منذ ذلك الوقت
وبعد وفاة انور خوجا عام 1985,تولى مساعده رامزعليا الحكم’وسارعلى نهج خوجة’لكنه لم يتمكن من المحافظة على هيكل النظام الصارم الذي اسسه سلفه’فانهار الحزب الشيوعي الحاكم ’عام 1991وتولى الديموقراطي صالح بريشا زمام الحكم’
ومنذ ذلك الزمن
والبانيا تعيش ضمن نظام ديموقراطي برلماني’وانفتحت على العالم’واصبحت عضوا في معظم منظمات الامم التحدة والاحلاف العسكرية.
بعدها نسيت البانيا وفترت رغبتي السابقة في زيارتها’والتي كان دافعها الفضول’والاطلاع
قبل ايام كنت في زيارة خاصة لمدينة سالونيك في شمال اليونان’والواقعة على الحدود الالبانية’
فجاة’شعرت برغبة لتحقيق امنيتي القديمة’بزيارة البانيا’والاطلاغ على وضعها الجديد بعد الانفتاح.
قررت السفرعن طريق البر’حتى اتمكن من رؤية اكبر مساحة واكثرعدد من المدن والقرى’قبل الوصول الى العاصمة تيرانا
انطلقت بنا الحافلة’في التاسعة صباحا
اول انطباع كان جمال الطبيعة’مع بنية تحتية جيدة’ومشاريع اعمارمستمرة
لم ارى اي من مضاهر الفقر’والتخلف!لكن الذي جذب انتباهي هو قلة عدد المساجد والكنائس’حيث لم اشاهد طيلة الطريق بين الحدود اليونانية والعاصمة الا منارتان وكنيسة واحدة!
وصلت تيرانا مساءا’وكنت قد حجزت غرفة في فندق يقع في مركز المدينة,
وفوجئت فعلا بالرقي والمضهرالحضاري للمدينة’.
’شعب انيق ومؤدب’لايختلف عن باقي شعوب اوربا’المهم ان الفكرة التي نقلها لي صديقي عن التخلف والفقر الذي كان يعشعش في ذاكرتي’محاه فورامارأيته بام عيني.
تجولت في المدينة’وكنت مهتما بالجانب الديني’ومتشوقا لارى ماحدثبعد ان زال نظام انور خوجة الالحادي’وترك الحرية للشعب بممارسة شعائره الدينية
فلم اجد غير ثلاثة مساجدصغيرة وكنيستين’بالاضافة الى ان مضهرهم لايدل على انهم يستقبلون زوارا كثيرين,
لكني رأيت مشروع لبناء مسجد كبير’ذومنارتين عاليتان’تتوسطهما قبة كبيرة’وعندما عدت مساءا الى الفندق’سألت موظف الاستقبال عن ذلك المشروع’فقال :-انه فعلا مسجدا كبيرا تبرع به الرئيس التركي اردوغان’املا باجتذاب اكبرعدد من الناس’والذين ستثيرفخامة وابهة المسجد اهتمامهم,
سألته عن دينه’فقال انه مسلم’كالاغلبية العظمى من مواطني تيرانا’قلت له:-هل تمارس الصلاة او اي نوع من العبادة’’فقال:-لااعرف اي شئ’ولااريد ان اعلم’نحن لانمارس اية طقوس دينية’فقد نشأنا هكذا وتعلمنا ان الدولة تظم مواطنين مختلفي الانتمائات’لذلك فلن يوحدنا الا البانيتنا’قال انا الباني’قبل كل شئ’والباقي مسائل شخصية يجب ان لاتهم الا الشخص نفسه’حاولت التقرب الى بعض المواطنين ومناقشتهم بهذا الامر’فكان الحذر غالبا على تصرفاتهم’ولم يوافق اي من الذين التقيتهم ​على مناقشة الامور الدينية.
علمت ان الاختلاط والتزاوج بين مختلف فئات المجتمع هو امر شائع’
وفي الاسواق التي تبيع المواد الغذائية’كان لحم الخنزيرمعروضا بكثرة بجانب باقي اللحوم,
هناك الكثير مما يمكن ان انقله واوصفه’لكن احتراما لصبر القارئ’اود القول’وباختصار’على ان الفترة التي حكم خلالها انور خوجة’والتي زادت عن اربعة عقود’والتي فرض من خلالها الالحاد على الشعب’اصبحت ثقافة راسخة توارثها الاجيال التي جائت بعد رحيل خوجة ونظامه’حيث ان مضاهر الالحاد ظاهرة على المجتمع’ورب متسائل:-كيف عادالاسلام وحتى المتطرف الى دول الاتحاد السوفيتي’دوي الاغلبية الاسلامية في اسيا الوسطى’ بعد عقود من الحكم الشيوعي’والذي كان ايضا قد حارب ومنع كل النشاطات الدينية’فالجواب ان النظام الشيوعي الغى كل الاحتفالات والعطل الرسمية الاسلامية’واعلام الدولة شجععلى الالحاد’’لكن لم يمنع الناس من تأدية طقوسهم الدينية’لكن خوجة’كان قد منع تحت طائلة القانون كل المضاهر والطقوس الدينية وعاقب’من تحدى بقسوة بالغة’حتى قطع كل اواصرالعلاقة بين الانسان والدين’فاصبح الامر متوارثا’وولد جيل جديد لايعرف عن الدين شيئا’ويبدو انه لايريد ان يعرف
فقد اقتنع بالدستور ومجموعة القوانين الوضعية والتي وحدت الشعب تحت علم وامة واحدة
في البانيا تأكدت من صحة ودقة ماقاله ابن خلدون(الناس على دين ملوكهم),