الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم إحسانا أم التزاما تتحمله الدولة؟!

هاني جرجس عياد
2017 / 3 / 20

تعد مرحلة الرعاية اللاحقة للإفراج مكملة للعملية الإصلاحية بكاملها، بحيث يتوقع أن تهدر نتائج برامج المعاملة وإعادة التنشئة ما لم تعقبها برامج رشيدة تمكن السجين المفرج عنه من مواجهة الحياة في المجتمع بدون انتكاس يدفع به إلى عالم الجريمة من جديد فيعود إلى السجن مرة أخرى .
وفى الوقت نفسه فان مرحلة الرعاية اللاحقة تعد مرحلة حصاد لكل نتائج برامج المعاملة السجونية، ولا شك أن نجاح وكفاءة برامج المعاملة أو فشلها وعدم كفاءتها إنما تكشفها المرحلة التالية للإفراج. إن هناك جهودا أنتجت آثارا بالقدر الذي اتاحة الوقت الذي بذلت خلاله والوسائل التي استعين بها أثناء تنفيذ المحكوم عليه العقوبة السالبة للحرية، ويغلب أن تكون هذه الآثار في حاجة إلى ما يكملها حتى تبلغ النطاق الذي يقتضيه التأهيل الاجتماعي، وهذا الإكمال هو ( الدور الأول للرعاية اللاحقة ). كذلك فان آثار الجهود في حاجة إلى صيانة كي لا تفسدها العوامل التي قد يتعرض لها المفرج عنه عقب الإفراج عنه مباشرة ، وهذه الصيانة هي ( الدور الثاني الذي تؤديه الرعاية اللاحقة ).
ويبرز أهمية الدور العقابي للرعاية اللاحقة أن المفرج عنه يغلب أن يتعرض عقب الإفراج لظروف سيئة اصطلح على التعبير عنها ( بأزمة الإفراج )، وتفرض ظروف هذه الأزمة على السلطات العامة أن تخف إلى معونة المفرج عنه، لأنها إن لم تفعل ذلك عرضت المجتمع لخطر عودته إلى الجريمة تحت وطأة هذه الظروف القاسية، وهددت تبعا لذلك بالإفساد وخلخلت الجهود التي سبق أن بذلت، وقد عبر البعض عن ذلك بالقول ”إن الإيلام الحقيقي للمحكوم عليه يبدأ لحظة الإفراج عنه”.
ولا شك أن الفلسفة الحديثة للنظام العقابي في أي دولة متقدمة تستهدف إصلاح المذنب وتقويمه والنهوض بمستوى قيمه ومفاهيمه مما يستدعى تعديلا وتحويرا في شخصيته وتغييرا في نظرته العامة للحياة حتى يستطيع أن يعود إلى زمرة المجتمع من جديد مواطنا صالحا شريفا وعاملا نافعا منتجا.
والواقع انه مهما بلغت قيمة برامج الإصلاح والتقويم المتبعة في السجون والمؤسسات العقابية فهي ليست كافية بذاتها لتحقيق هذا الهدف إذا لم يوجد إلى جوارها نظام انسانى متكامل لرعاية المسجون بعد الإفراج عنه حتى يمكن المحافظة على المستوى الذي وصل إليه من الفهم والتربية والتأهيل المهني والسلوك السوي استجابة لتلك البرامج الإصلاحية، والعمل على تنمية تلك القدرات والاستفادة منها.
وهذا النظام يقدم للمسجون بعد الإفراج عنه العون الذي يقوده ويوجهه ويرشده، وعليه أن يتابعه ويرعاه ويشرف على سلوكه ويساعده على التغلب على المشكلات المختلفة التي تواجهه خارج السجن كالحرمان المادي وفقدانه لبعض الحقوق والمزايا ومتاعبه الخاصة بالأسرة وبعدم إمكانية الحصول على عمل إلى غير ذلك من الصعاب.
ولقد أصبح من المسلم به أن مسئولية الهيئة المشرفة على برنامج الرعاية الاجتماعية للمسجونين لا تنتهي بمجرد إطلاق سراح المسجونين، بل يجب عليها أن تواصل معاملته بطريقة إنسانية فعالة تساعده على الاندماج في الجماعة.
إن المفرج عنه يواجه بالاختلاف الكبير بين ظروف الحياة التي اعتاد عليها في المؤسسة العقابية وظروف الحياة في المجتمع، كما أن له مطالب متنوعة والتي قد فشل في تدبيرها، فقد لا يجد المأوى ولا المال الذي تقتضيه متطلبات العيش الأولى، كما انه قد يعانى من الشعور بالتخلف إزاء مواطني المجتمع وان هناك ثمة تغيرات لا يعلمها وقد لا يفهمها أو لا يتكيف معها فيتولد لديه ذلك الشعور الذي يضعف من ثقته في نفسه ويغرس لديه الاعتقاد بصعوبة اندماجه في المجتمع.
وقد يواجه المفرج عنه بالنفور وعدم الاكتراث من جانب المجتمع حيث ينظر إليه أفراده باعتباره مجرما سابقا فيتجنبوه ويرفضون تقبله بينهم فتغلق سبل العمل أمامه فتخل بذلك علاقاته العائلية ويتولد لديه العداء الاجتماعي الذي قد يدفعه إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى.
والرعاية اللاحقة عون على تخطى أزمة الإفراج، كما أنها وقاية للمفرج عنه من سوء ظن الناس به وفقدانه ثقته بنفسه وعوزه المادي وما يتفرع عن ذلك كله من إغراءات شديدة بالعودة إلى الجريمة، وهى ليست إحسانا وإنما هي التزام تتحمله الدولة وتفرضه عليها وظيفتها في مكافحة العود إلى الجريمة، كما أنها معاملة عقابية من نوع خاص تكمل المراحل المتعاقبة من التنفيذ العقابي.