عودة انقلابية للمادي والمثالي

عبدالامير الركابي
2017 / 3 / 19

عودة انقلابية للمادي والمثالي
عبدالامير الركابي
اغرب ماحصل في عصرنا على صعيد الفلسفة، أي مجال رؤية العالم، مسالة الفصل بين " المادي" و " المثالي"، بالاخص في الأحوال التي جرت خلالهاعملية تقريب الرؤى الفلسفية من الاستعمال الايديلوجي، مامنح بفعل طبيعة العصر والحداثة الغربية، الرؤية المعتبرة مادية حضورا استعماليا، ساهم عمليا في الغاء الفلسفة باعتبارها مجرد " تفسير للعالم بدل تغييره" مع انكارفعل العقل باعتباره وعي الطبيعة بذاتها.
يقول الماديون: ان العالم المادي خارجنا، هو مصدر الرؤى، وهو المنتمي للعلم. بينما الأفكار او مايطلق عليه الفعل العقلي المجرد، مثالية ليست "علمية"، والواضح ان تعبير العلم هنا لايخلو من استنسابية ومصادرة، وهو لايجيب على السؤال البديهي لماذا الملموس "علمي" والمجرد او المحسوس" غير علمي"؟، بالطبع الماديون لديهم مايحتاجونه من الأدلة التي تجعل اعتقادهم مقبولا، مع ان تصورهم قائم على قاعدة تصور مبنية على حقيقة لاحقة، فالعقل أصلا لم يكن موجودا منذ الازل، وهو لم يتشكل الا منذ 50 الف سنة، قبلها كانت الطبيعة موجودة لوحدها باستقلال تام، والمادة بما فيها الانسان البيولوجي الصرف ماقبل العقلي، هي المتفردة.
لكن وبما ان العقل ظهر عند حصيلة مسار ووجوب في الطبيعة نفسها، فلابد وقتها من ان نسأل: ترى مامعنى ظهور العقل، وهل هو جزء من كينونة الطبيعة المادية ام هو مستقل وهبط عليها من خارجها؟ العقل هو وعي الطبيعة بذاتها، والا لم نكن نعي الان ماهو مادي، ونعمد لتفريقه ولو اعتباطا عما هو مثالي، هذا يعني ان العقل المجرد والتفكير، هما قوة "طبيعية"، لاتكتمل الطبيعة ولاتتحقق من دونهما، مايجعل الفصل بينهما وبين الطبيعة عملا ميكانيكيا تعسفيا، اقل مايمكن ان يقال فيه انه "غير علمي" من حيث المنطلق والفرضية الأساس وبالطبع النتائج.
بالعقل فقط، يمكننا التعرف على الطبيعة ببعدها الاوسع بما لايقاس، ولايمكن تخيله، والعقل فقط، يمكن ان يجعلنا نفكر، فيما لو انه انفصل عن الجسد، وتحرر منه، فاية درجات من الذكاء ومن "تطور الفعل العقلي" يمكن ان نتوقعها؟ واي اطار، او "طبيعة" سنتعرف عليها مع تحررنا من حدود المادة الجسدية، وقتها نكون قد دخلنا زمن الحياة الكونية خارج الكوكب الأرضي، بينما العقل ينشيء ويؤسس لصلة وتفاعلات جديدة، من المستحيل علينا تصورها الان، ذلك يعني ببساطة ان فكرة "المادية الحالية"، هي فكرة تنتمي لوقوع الانسان الحالي تحت هيمنة المادة البيولوجية الجسدية هيمنة اليد على العقل، مادام يحصل على معاشه بالعمل اليدوي والالي.
وليس في هذا او من مقوماته، الاقتران البديهي بالعلم، على الأقل بالاحتكام الى الصيرورة المجتمعية والبشرية التاريخية، خصوصا اذا استطعنا اثبات نظرية "السيرورة المجتمعية النافية للمجتمع" علما بانها ماتزال جنينا، وان العقل البشري لم يتعود التعامل معها بعد، فاذا تبين لاحقا بان المجتمعات، وبنية الحضارة الحالية، سائرة بالفعل ومصممة أصلا، للانتقال او القفز نحو اشكال تنظيمية جديد، تتلائم وعملية الانفصال ما بين الجسد والعقل، على مستويي التنظيم المجتمعي الحالي، وتطور وسائل الإنتاج نحو العقلي التكنولو جي والذكائي الخارق، انتفى وسينتفي وقتها كليا التفكير بالفصل التعسفي الحالي، بين المادي والمثالي، "العلمي" و"غير العلمي"، على الأقل لمصلحة أنماط من التقسيم، تناسب حالة، او مراحل تسارع وتيرة الذكاء البشري القادمة، والتي ستكون حسب بعض التوقعات " العلمية"قد حلت بين ضهرانينا قبل منتصف القرن الحالي.
واضح ان عالمنا في القرن الحالي على موعد مع انقلاب، يقاس بالسنين الضوئية اذا قورن بما كان الانسان قد حققة خلال رحلته المجتمعية اليدوية، الموشكه على الانقضاء، وفي مثل هذه الأحوال ان وجدت، يستحيل على الانسان المعني بهذا الانقلاب الدهري، ان يعثر بيسر على اللغة الموصلة بين عالمين، الفرق بينهما مثل الفرق بين الدنيا والاخرة كما هي في العقل البشري اليوم، علما بان المشتغلين بعلوم اللغة، مازالوا لم يخطر لهم، البحث في الفارق اللغوي المتوقع بين العالم الاخر، او "الجنة" و " النار"، وبين اللغة الأرضية، وهم مايزالون في غفلة علمية، تسترعي كل انتباه، يوافقون بالصمت، على غلبة وهيمنة اللغة الأرضية على عالم مفارق عنها كليا وهذا نوع صارخ من الخضوع للمعتاد.
عموما ليست هذه سوى لمحة وملمح، قد يثير لدى متلقيه بعض الرغبة في التامل خارج الاغطية، لابل جبال التصورات الوهمية المهيمنه على العقل، الإنسانية بدات مرحلة الانتقال صوب عالم "المجتمع النافي للمجتمع"، أي لما لاعين رات، ولا اذن سمعت !!!!.