مغزى تشابه الأساطير والأديان

طلعت رضوان
2017 / 3 / 19

مغزى التشابه بين الأساطيروالأديان
طلعت رضوان
لماذا ترفض الأنظمة الدينية تدريس (علم الأديان المقارن)؟
تــُـعادى كل أنظمة الاستبداد علم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) لأنّ العلماء الذين اهتموا بهذا العلم، وبفضل دراساتهم لآثارالشعوب القديمة (شعوب ماقبل عصرالتدوين) اكتشفوا العديد من الأساطيرالتى تحكى عن (قصة خلق الكون وخلق الإنسان من طين) وكان أشهرهؤلاء العلماء جيمس فريزرفى موسوعته (الغضن الذهبى) وكما أنّ الديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) اعتبرتْ أنّ الهدف من خلق الإنسان هوليكون عبدًا للإله الذى (خلقه) ففى القرآن ((ما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)) (الذاريات/ 56) وقد سبق كتب الديانة العبرية أساطيرالشعوب القديمة، التى ورد فيها نفس المعنى، ففى أسطورة سومرية فإنّ الإنسان خـُـلق عبدًا للآلهة. وفى أسطورة أخرى تحكى عن خلق الماشية والحبوب وقصة خلق الإنسان. ثم تسرّبتْ العناصرالرئيسية لهذه الأسطورة إلى معظم أساطيرالشعوب المُـجاورة، ففى الأساطيرالبابلية اللاحقة يتم خلق الإنسان من الطين، وفى سـِـفرالتكوين فإنّ إله اليهود (يهوه) يقوم بخلق الإنسان من الطين، ويجعله على شاكلته فنقرأ ((وجبل الإله آدم ترابـًـا من الأرض، ونفخ فى أنفه نسمة الحياة، فصارآدم نفســًـا حية)) (تكوين: إصحاح 2) وفى أسطورة أفريقية أنّ الإله الخالق أخذ حفنة من طين شكــّـلها على هيئة إنسان، ثم تركها فى بركة بماء البحرمدة سبعة أيام، وفى اليوم الثامن رفعها بشرًا سويًا. وفى أسطورة من الفلبين يقوم الإله بجلب حفنة من الطين على هيئة إنسان ويضعها فى الفرن ولكنه يسهوعنها فتسود. وهذا هوأصل الإنسان الأسود ثم يضع أخرى ويُـخرجها قبل أوانها، وهذا أصل الإنسان الأبيض، وفى المرة الثالثة يأخذ الطين كفايته من النارفيخرج الإنسان الفلبينى ذواللون البرونزى. وفى أسطورة هندية/ أمريكية نجد التكوين الطينى ونفخة الحياة التى تهب الشكل الجامد روحه وحركته. وجاء القرآن وأكــّـد على خلق الإنسان من تراب فى أكثرمن موضع (الرحمن/ 14، 15) و(الأعراف/ 11، 12)
وفى ملحمة التكوين البابلية باسم (الأنيوما إيليش) جاء فى اللوح الرابع ((ومن الآن فأمرك نافذ لايرد.. أنت المُعزوأنت المُـذل حين تشاء)) (فراس السواح: مغامرة العقل الأولى– دارعلاء الدين– دمشق عام 1989- ص 70) وهذا المعنى الذى ورد فى ملحمة التكوين البابلية تردّد فى الديانة العبيرية (تكوين: إصحاح 18/ 14) و(تكوين/ إصحاح 35/ 11) و(تكوين: إصحاح 45/20) و(خروج: إصحاح 5/ 2، 3) ولأنّ الديانة العبرية ديانة واحدة لذلك جاء فى القرآن ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزمن تشاء وتذل من تشاء)) (آل عمران/26) وكما أنّ الرب فى الديانة العبرية يجلس على العرش، كذلك فى الأساطيرالقديمة، حيث أنّ مردوخ يجلس على العرش (فراس السواح– مصدرسابق– ص83) وإذا كان (الله) فى الإسلام يمتلك تسعة وتسعين اسمًا، فإنّ مردوخ اكتفى بخمسين، وهوالذى أنزل الطوفان وهو الذى ((هزم الأعداء وهو((الإله الحق، خالق كل شىء، وهو((كبيرالقلب، عطوف رحيم)) و((يخشاه من فى السموات ومن فى الأرض)) وهو((سميع مُـستجيب الدعوات، المُـعطى دون حساب، فلتسبّـحوا بحمده، وهو((أحقّ الحق وأزهق الباطل)) وهو((أعطى لكلٍ اسمه)) وهو((خالق السماء والأرض ومُـجرى السحاب ومقسـّـم الأرزاق)) (المصدرالسابق– من ص 86- 92) وهذه الأفكاروردتْ بعد ذلك فى العهد القديم (سـِـفرالتكوين) ثم وردتْ فى القرآن. وكان تعقيب فراس السواح ((...وإلى يومنا هذا لم يقبل العلم الحديث فكرة العدم المُـطلق، فكل نظريات التكوين العلمية تتحدث عن نشوء الكون من (مادة ما) بدئية (ووجود ما) سابق، كما أثبت القرآن فكرة الوجود السابق على الخلق عندما قال ((وهوالذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام وكان عرشه على الماء)) (هود/ 7) كما أشارالنبى محمد فى حديث إلى نفس الموضوع عندما أجاب عن سؤال: أين كان الله قبل أنْ يخلق الخلق؟ فقال: كان فى عماء)) (محيى الدين بن عربى– الفتوحات المكية- ج1 – ص 49)
وأغلب أساطيرالشعوب القديمة تناولتْ موضوع ((تسلسل البشرية عن زوجيْن أولييْن)) فتحكى أسطورة أفريقية أنّ الإله (نزامى) خلق الإنسان الأول وأسماه (سيكوم) ولما رأى أنّ هذا الإنسان وحيد فى العالم، أمره بأنْ يصنع لنفسه امرأة من غصن شجرة وأسماها (مبونوى) وتقول أسطورة أفريقية أخرى أنه فى البدء لم يكن هناك سوى رجل وامرأة، يعيش كل منهما دون أنْ يعرف بوجود الآخر، إلى أنْ التقيا صدفة عند أحد الينابيع، فتشاجرا وتصارعا، ومن خلال ذلك اكتشفا الفعل الجنسى ومباهجه فتصالحا وأنجبا خمسين فتى وفتاة. وتقول أسطورة فارسية أنّ الذكروالأنثى انبثقا عن شجرة.. وكانا مُــتحديْن فى جسد واحد، ثم جاء إليهما الإله (آهوزا مزدا) وفصل كل منهما عن صاحبه وأرسلهما إلى الأرض. وتحكى أسطورة مكسيكية أنّ الخالق لما أراد صنع الإنسان، فكــّـرفى المادة المُــناسبة لذلك فاختارالطين، ولكن هذه المادة أثبتتْ عدم صلاحيتها لأنها ذابتْ فى الماء عندما ذهب الزوجان الأوليان للاستحمام، فصنعهما من الخشب، ولكن المحاولة الثانية لم تنجح أيضــًـا، ثم استقرّعلى المعدن الذى أثبت نجاحه فاستوى الزوجان الأوليان وأنجبا الجنس البشرى (فراس السواح- ص 108)
ورغم اختلاف التفاصيل، فإنّ أساطيرالشعوب القديمة تناولتْ موضوع خلق الكون وخلق الإنسان، كما جاء فى الديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام)
000
هامش: فراس السواح (1941) مفكرسورى، باحث فى المثيولوجيا وتاريخ الأديان، عمل فى جامعة بكين للدراسات الأجنبية. نشر26كتابـًـا عن الأساطيروتاريخ الأديان. وأهم أعماله (موسوعة تاريخ الأديان: تحريروإشراف ومساهمة فى خمسة أجزاء) و(علم الأديان المقارن) إلخ.
***