رسالة مفتوحة للدكتور كاظم حبيب 2

منير العبيدي
2017 / 3 / 19

رسالة مفتوحة للدكتور كاظم حبيب 2
هل نبدأ من حيث انتهينا
هامش:
التعليقات التي وردت على الجزء الاول من مقالتي اعلاه حتى الآن ثلاث ، اثنان منها لا تستحق الرد فهي مجرد شتائم . واحدة تستحق ان نقف عندها لأنها كتبت بروح موضوعية و كانت بإسم قاسم شلبي. يهمني من تعليقه بشكل خاص اﻻشارة الى اﻻممية و شعار يا عمال العالم اتحدوا و اجدها وثيقة الصلة بالجزء اﻻول من رسالتي المفتوحة للدكتور حبيب رغم علمي ان فيها ما يفترض ان يكون معلوما للدكتور حبيب اﻻ اني اورده هنا للقارئ.
صاغ ماركس شعاره يا عمال العالم اتحدوا كعالم اجتماع كبير حين وجد ان مواقف الناس و انماط تفكيرهم يحددها موقعهم من عملية اﻻنتاج ، فالعامل اﻻلماني اقرب الى العامل الفرنسي و لديهم مصالح مشتركة و الرأسمالي او رب العمل الفرنسي و الالماني لديهم مشتركات اكثر مما لديهم مشتركات مع عمال من ابناء بلدهم و لذلك صاغ ماركس شعاره "ليس للعمال وطن" هذا لا يعني انهم ليسوا وطنيين كما قد يشاء معلق ذو دماغ ثخين من امثال بعض معلقينا الاشاوس ان يفسره و لكن لان مصالحهم الوطنية تتجاوز الحدود و تشترك مع عمال بلدان أخرى في السعي لقهر الظلم.
فحين وقعت الحرب البروسية الفرنسية عام 1970 ثار الفرنسيون و في مقدمتهم العمال و اسسوا الكومونة التي هي اول شكل طموح لتأسيس سلطة اشتراكية و رغم ان البلدين متحاربان و ان المستشار اﻻلماني بسمارك يفترض ان يكون العدو اللدود لرئيس الوزراء الفرنسي تيير فإنهما ادركا انهما يجب ان يضعا حدا للحرب بينهما و يشتركا في قمع العدو المشترك، حركة العمال و المثقفين و المهمشين و انهاء الكومونة و خشي بسمارك ، و قد كان على حق في خشيته ، من ان حريقها سوف يمتد الى داخل المانيا.
و في زيارة لنا لمتحف حرس الحدود في موسكو اطلعنا المشرفون على المتحف على قنبلة عملاقة اسقطتها الطائرات الألمانية في الحرب العالمية الثانية قرب فندق موسكو في قلب العاصمة و لكنها لم تنفجر. و حين فتحها خبراء المتفجرات وجدوا فيها ورقة مكتوبة فيها "نحن معكم ايها اﻻصدقاء" وضعها عمال المان بدﻻ من المادة المتفجرة..
الشيوعي اذن يجب ان يكون شيوعيا. شيوعيا لا اكثر و ﻻ اقل . ﻻ توجد تعريفات اضافية. هو معني بجوهره اﻻنساني و مسعاه لتحرير اﻻنسان و تشريك وسائل اﻻنتاج .
لكن الفكر القومي و ما هو اسوأ منه الفكر الطائفي يحاولان سلخ الانسان عن طبقته الاجتماعية و اعادته الى حاضنة الطائفة او القومية عن طريق اخافته من الطائفة الاخرى او القومية الاخرى و من اجل ان لا يخوض نضالا مشتركا مع اخيه الانسان من الطوائف و القوميات الاخرى ضد الظلم. و يفعل الفكر الطائفي فعله بطريقة العن مما يفعل الفكر القومي و يثير المخاوف دائما من الطائفة الاخرى القادمة لإبادته و هكذا يسكت الانسان الفقير المغلوب على امره على مستغليه و سارقي قوته خشية من ابن الطائفة الاخرى.
اليساريون و الماركسيون و احزابهم يفترض ان يشكلوا القاعدة الصلدة التي تقف ضد المشروع القومي و المشروع الطائفي و تقوم بفضحه ليس بصب اللعنات عليه انما بممارسة تكتيكات صحيحة و هذه تقوم على قواعد منها :
ما هو موقفهم من المشاركة في البرلمان و الحكومة
المشاركة في البرلمان : ان المشاركة في البرلمان حين تكون احزاب اليسار او احزاب المجتمع المدني في حالة اقلية و غير قادرة لوحدها او مع حلفاءها حسب موازين القوى لصالح تطبيق برنامجها جائزة و ضرورية و لكنها مشروطة بما يلي:
أولا : البرلمان
1ـ تأسيس معارضة صلبة داخل البرلمان تقوم بنقد الاداء الحكومي و طرح البديل.
2ـ تقديم تشريعات بناءة لصالح اوساط الناس من الفقراء و المعدمين و محدودي الدخل. و هذه التشريعات اما انها ستمرر بحصولها على اصوات كافية او تحبط بسبب التصويت ضدها. و في الحالين يشكل ذلك كسبا و حشدا للقوى لصالح الانتخابات اللاحقة.
أن مشروعا مدنيا يجب ان يشير بوضوح الى انه ينوي الفوز بالانتخابات من اجل تأسيس كتلة معارضة و يوضح ان المعارضة البرلمانية هي لازمة لا غني عنها من اجل الديمقراطية.
اما برنامج الاحزاب التي تتبني الديمقراطية و المدنية فلا تشير ابدا الى كلمة "معارضة".
ثانيا : الحكومة
ان المشاركة في حكومة فساد و محاصصة هو مشاركة في الفساد و المحاصصة حيث ان المسؤولية الحكومية باعتبارها جهازا تنفيذا هي تضامنية.
المشاركة في الحكومة يجب ان لا تكون اعتباطية انما قائمة على قاعدة التحالف القائم على برنامج يمثل الحد الادني للحزب المدني ، اليساري او الديمقراطي يتضمن حدا ادنى من اهداف هذه الاحزاب.
أن المشاركة في الحكومة فيما بعد عام 2003 كانت غير صحيحة و المشاركة في البرلمان بعضوين كانت من حيث المبدأ صحيحة و لكنها لم تقم باستخدام البرلمان لتشكيل معارضة و التصويت ضد القوانين التي كرست الحكم الثيوقراطي و كلا الحالين جعلت من المشاركين في البرلمان و الحكومة شركاء.
ثالثا: تجاوزات على المجتمع المدني
الحكومة و كيل الناس على الخزينة و كل صرف من المال العام لا يخدم المصالح المباشرة للمواطن هو تعدي على المجتمع المدني. يترتب على الاحزاب المدنية الديمقراطية ان تضمن برامجها الغاء اوجه الصرف و الهدر في الاموال العامة و من ذلك
1 ـ رواتب الادباء و الفنانين.
اتحادات الادباء و الفنانين و النقابات تنتخب مجموعة اشخاص لادارة اعمالها ذات الطابع المهني و هي التي تدفع لهم من اشتراكات الاعضاء و هذا ما معمول به في كل البلدان.
2 ـ الصرف على الخدمة الجهادية: لا يوجد في العالم اناسا تلقوا مرتبات و مكافآت لقاء الخدمة الجهادية ، النضال قرار اتخذه الانسان بمحض ارادته و مكافأته تكون بتحقيق الاهداف التي سعى من اجلها.
الاحزاب عليها ان تقوم بمكآفأة المناضل من ميزانيتها الخاصة.
3 ـ المستشارون و الشفافية:
لا يعرف المواطن العراقي بموجب قواعد الشفافية ما هي مرتبات المستشارين حيث انها مدمجة مع رواتب الرئاسات . على منظمات المجتمع المدني ان تطالب:
أ ـ اعلان اسماء المستشارين و مقدار مرتباتهم
ب ـ اذا كان الوضع العراقي يسير من سيء الى اسوأ فهذا يعني ان المستشارين لم يقوموا
بواجبهم.
المطالبة بتقليص عدد المستشارين على ان يكون ما قدموه من دراسات تخص مجال اخصاصهم
موضع رقابة برلمانية.
4ـ تقليص رواتب الرئاسات الثلاث بما يتناسب مع الدخل القومي و جعل الحد الاعلى لرواتب الرئاسات الثلاث مع المخصصات بما لا يزيد عن 7 ملايين دينار عراقي.
تحديد رواتب اعضاء البرلمان و الوزراء بما لا يزيد عن اربعة ملايين دينار عراقي.
ـ العلاج في الخارج لشاغلي هذه المناصب يتم على حسابهم الخاص و دون دعم حكومي اسوة بموظفي الدولة العاديين.
ـ الغاء تقاعد البرلمانيين و تحديد تقاعد الوزراء و ذوي الدرجات الخاصة و فق نفس القواعد التي تطبق على الموظفين و التي معيارها : الراتب الاسمي مضروبا في عدد سنوات الخدمة مقسما على النسبة المعمول بها في قانون تقاعد الموظفين المدنيين.
ـ رفع الحد الادني لراتب موظفي الدولة بما لا يقل عن 800 الف دينار عراقي شهريا.
ـ رفع الحد الادني لرواتب المتقاعدين من الموظفين و المتقاعدين حسب قانون العمل و الضمان و الرعاية الاجتماعية بما لا يقل عن 600 الف دينار عراقي شهريا.

5 ـ المناسبات الدينية
ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية تحت شروط محددة
ـ عدم اضرارها بالنظام العام و نظام المرور و تحديد اماكن محددة لممارستها بما لا يتعارض مع انسيابية السير في المدن و بينها
ـ عدم تمويل الفعاليات الدينية من المال العام
ـ منع ان تكون الشعائر الدينية وسيلة تلحق الاذي بممارسها و خصوصا اكراه الاطفال على ذلك و تشريع قانون بهذا الصدد.
ـ تحديد ايام محددة في السنة لمثل هذه الفعاليات بما لا يؤثر على اداء دوائر الحكومة في خدمة المواطنين.
ـ الرقابة على الموارد المالية للمراقد و العتبات المقدسة و مداخيل رجال الدين و اخضاعها اسوة بكل الواردات لضريبة الدخل و التحقق من اوجه صرفها اللاحقة.
ـ تضمين البرامج العمل على المطالبة بإصدار قانون يمنع رجال الدين من التدخل في الشؤون الشخصية للمواطنين مثل المأكل، المشرب و الملبس و كل ما يتضمن تدخلا في هذا الشأن يشكل انتهاكا للخصوصية و حصر الفتوى الدينية فقط في مجال العبادات.
6ـ العلمانية
اشرنا الى العلمانية و تلازمها مع تأسيس مجتمع مدني حيث لا يمكن تأسيس مجتمع مدني بدون علمانية . هنا اشير فقط الى ان تعبير المجتمع المدني ليس بديلا عن العلمانية و ان على احزاب المجتمع المدني ان تشير اليها بوضوح في برامجها.
بقيت ملاحظة: ان العلمانية تضمن اقصى الحرية في ممارسة الشعائر الدينية و نحن غير معنيين هنا بالعلمانيات المشوهة التي يستخدمها اعداء العلمانية للمحاججة ضدها. العلمانية المقصودة هي التي ترتبط بالديمقراطية و التعديدية و التداولية كما هو معمول به في مجتمعات الغرب الديمقراطية.
7 ـ حصر السلاح بيد الدولة
ان ما يجري يهدد اسس الدولة العراقية و لذلك يجب رد الاعتبار لشعار حصر السلاح بيد الدولة و حل جميع التشكيلات المسلحة الموازية للقوات المسلحة. يجب الاشارة بوضوح الى ان سحب هذا الشعار كان خطأ فادحا و ان سحبه قد ساهم في تقويض ما تبقى من مؤسسات الدولة.
8: في المجال السياسي
من اجل الحد من المحاصصة ينبغي ان يتم طرح حلول . ان شتم و نقد المحاصصة لا ينقذنا منها انما يجب ان يصار الى تشريع قانون يدعو الى:
ـ انتخاب رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء وفق نظام الانتخاب المباشر و حسب عدد الاصوات في عموم العراق.
ـ يكون رئيسا للجمهورية و رئيسا للوزراء من يحصل على الاغلبية المطلقة من الاصوات أي 51 بالمائة فما فوق. اذا كان هناك مرشحين عديدين و لم يحصل احد المرشحين على الاغلبية المطلقة يصار الى دورة ثانية من الانتخابات يشترك فيها اثنان فقط من الحاصلين على المركز الاول و المركز الثاني حسب عدد الاصوات.
الاسباب الموجبة: ان منصب رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء تم تحديده منذ عام 2003 و حتى الآن وفق قواعد المحاصصة و حسب التوافقات بين الولايات المتحدة و ايران و ان اللجوء للتصويت المباشر على هذين المنصبين يقع الطريق على التدخلات الدولية و الاقليمية في هذا الشأن.
9 السياسة الخارجية:
تأسيس سياسة خارجية لا تقوم على العواطف و المواقف الايديولوجية العدائية المسبقة. جميعنا يعرف الاخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة و الى حد ما اوربا قبل و بعد عام 2003 و كذلك موقفها من القضية الفلسطينية التي هي جوهر عدم الاستقرار في الشرق الاوسط. و لكن التعامل مع الولايات المتحدة و اوربا يجب ان يكون حجر الزاوية في سياستنا الخارجية من اجل استقرار بلدنا و لجم محاولات التدخل من قبل دول الجوار.
السياسة الخارجية يجب ان تكون متوازنة مع دول الجوار ايران و تركيا و المحيط العربي. ان كل اخلال بالتوازن لصالح طرف يهدد امن الطرف الآخر اوتوماتيكيا ضمن الوضع الشائك الذي تعيشه المنطقة. رفض منطق الهيمنة من أي طرف تصدر و الاشارة اليه بوضوح و الاحتجاج عليه و خصوصا التصريحات التي اشارت الى ان العراق جزء من بلد آخر.
إن الضعف الحالي للعراق يستدعي سياسة خارجية حكيمة بعيدة عن الكراهية و العواطف و قائمة على المصالح و ان التعاون مع الولايات المتحدة و المجتمع الأوربي يجب ان تكون على اسس راسخة من اجل مصلحة الشعب العراقي.
فرغم الادانات و المآخذ الكبيرة لدى القيادات الفلسطينية لسياسة الولايات المتحدة و اوربا فإنه هذه القيادات بمختلف اتجاهاتها لم تتجاهل دورهما.
و رغم الصراع و الحرب الكلامية شديدة الحدة بين الولايات المتحدة و ايران الا كلا الطرفين يدركان ان عليهما ان يبقيا على قنوات الاتصال.
في عالمنا المتشابك لا توجد دول قليلة الاهمية في العلاقات الدولية سياسيا و اقتصاديا و كل له وزنه و العراق يجب ان يكون له وزنه بما يتناسب مع احتياطاته الاقتصادية و البشرية.
إن الدعوات و المناشدات من اجل اصلاح الشأن العراقي و دور القوى العلمانية و اليسارية و العقلانية يجب ان يتضمن تحديدات ملموسة اسوة بمقترحاتي اعلاه و دون استخدام تعابير عامة و انني اتمنى ان توفقوا في مسعاكم و لكن بالاتفاق ، بعد الحوار طبعا، على جزء من هذه المقترحات على الاقل و بعكسه اجد نفسي غير معني بكل هذه المناشدات لانها سوف تؤدي الى التسويف و عدم تحريك الوضع.
ملاحظة اخيرة:
لقد توجهت برسالتي هذه الى الدكتور كاظم حبيب لمعرفتي الشخصية به و لعملنا المشترك في بعض المجالات و لكونه كان المبادر بطرح المقترحات لاصلاح الشأن العراقي كما انه ذو تأثير كبير على اوساط واسعة من جمهور اليسار .على ان لدي ملاحظة اتوقع ان يتقبلها برحابة صدر.
بتاريخ 26 كانون الثاني 2017 نشرتم مقالا يتضمن نداء من اجل (جبهة وطنية واسعة لعقلانيي العراق) أشرتم فيها الى ان اسباب الكوارث التي حلت بالعراق منذ 2003 " إصرار القوى والأحزاب السياسية الدينية الطائفية على نهجها الذي سلكته منذ 13 عاما".
ان هذه الفقرة توحي اننا كماركسيين ، مدنيين ، ديمقراطيين او سمنا ما شئت لم نكن نتوقع ان تصر القوى الدينية الطائفية على نهجها. و اجد للاسف ان بعض اصدقاءنا قد راودتهم مثل هذه الافكار بعد عام 2003.
اقول ان اصرار القوى الدينية على نهجها ليس مفاجأة ابدا. المفاجأة هو اننا الذين لم نصر على نهجنا للاسف و نصون مرتكزاتنا السياسية و الفكرية و نتمسك بالعلمانية و نقد الديني الظلامي و فضح التشريعات المتخلفة كبرامج سياسية ثابتة و لا اقصد طبعا مقالات منفرد هنا و هناك على مسؤوليتنا الشخصية.
أن نقدنا موجه دائما للخارج أي للقوى المعادية لليسار و الديمقراطية في حين ان نقدنا الرئيسي يجب ان يكون موجها للداخل قبل كل شيء و بشكل رئيسي أي نقد و تحليل برامج التجمعات و الاحزاب التي تتبني اليسار . هذا هو حجر الزاوية في عملنا من اجل انقاذ النواة الصلبة لدعاة العلمانية اليسار اما نقد القوى المعادية و المختلفة فليس سوى مهمة تكميلية كما علمنا كامل التراث اليساري.
مرة اخرى تقبل فائق احترامي