سفينة نوح بين الحقيقة والمقدس

رمضان عيسى
2017 / 3 / 18

كل حدث له ارتباطات مكانية وزمانية تجعله ممكن الحدوث ، فقصة سفينة نوح وبنائها في ذلك الزمن وبهذا الحجم أمر يحتاج للامكانيات المادية والأدوات التي باستطاعتها أن تنجز ذلك العمل ، كما تحتاج السفينة لعدد كبير من العمال .
والقصة تقول أن نوحا أنجزها لوحده ، والسؤال بعد افتراض بناء سفينة لا تتسع لنوع واحد من الحيوانات التي كانت تعيش على الأرض في زمن نوح ، كيف استطاع جمع كل هذه الكائنات مع أن هناك أسود في أمريكا وفيلة في الهند ودببة في روسيا وعجول في أفريقيا ، فحيوانات مدغشقر لوحدها تختلف كثيرا شكلا ونوعا عن حيوانات باقي العالم ، فكيف جمع كل هذه الحيوانات من كل القارات ، وخزن لها طعاما من لحوم وحبوب وأعشاب يكفيها طوال مدة الطوفان ؟
عقليا ، غير ممكن ، وعصرنا يؤمن بالعلم ومنجزاته التي اكتسبها الانسان بالتدريج ومن خلال النشاط العملي الفعال .
وبالنسبة لقصص مثل قصة نوح والطوفان ، فالحقيقة ممكن كشفها بعد الاجابة على السؤال : هل حدث الطوفان على كامل مساحة اليابسة الموجودة على سطح الكرة الأرضية ، أم حدثت طوفانات كثيرة وفي عصور زمانية متعددة ؟
ان المتتبع للعصور والتغيرات الجيولوجية التي حدثت على سطح الكرة الأرضية يكتشف أنه لم يحدث طوفان واحد يتيم ، بل حدث الكثير من الطوفانات على سطح الكرة الأرضية ، وهذه الطوفانات حدثت قبل وجود الكائنات البشرية ، وأثناء وجودها ، ويبدو أن هناك شعوبا أبادها الطوفان الذي حدث في منطقتها بالكامل ، وهناك شعوب لم يبق منها إلا القليل فجرى سرد متأخر لقصص بعد حدوث طوفانات عديدة في عدة مناطق في العالم أغرقت مناطق وأظهرت يابسة جديدة ، وكل طوفان يخلق خريطة جغرافية جديدة ، بدليل أن آثارا وتماثيلا فرعونية تم اكتشافها في أعماق البحر المتوسط على بُعد عدة كيلومترات مقابل شاطئ الاسكندرية في مصر .
قال عالم الآثار البريطاني آيرفنغ فينكل أن سفينة نوح لم تبن قط ولا رست على جبل أرارات، وأن هناك لوحًا بابليًا عمره 3700 سنة يشرح بأدق التفاصيل كيف يمكن بناء سفينة كهذه. وإنه مقتنع 107 بالمئة بأن لا وجود لسفينة نوح ، مشيرًا إلى وقوعه على لوح طيني بابلي، حُفر فيه 60 سطرًا أنيقة بالكتابة المسمارية التي لا يعرف قراءتها إلا فينكل، وعدد قليل من العلماء في العالم ، وتتضمن شرحًا وافيًا لكيفية بناء هذه السفينة.
والسفينة بحسب النص المسماري قارب دائري، مساحته 3600 متر مربع، مصنوع من الحبال على شكل سلة عملاقة بأضلاع من الخشب لتقوية هيكلها ، ومطلية بالقار من الداخل والخارج لمنع تسرب الماء اليها. ويقول فينكل إن هذا المركب نسخة عملاقة من سفينة يعرفها البابليون حق المعرفة ، وظلت تُستخدم في العراق حتى اواخر القرن العشرين لنقل الأشخاص والدواب عبر الانهار. وقالت صحيفة غارديان البريطانية إن قدرات السفينة على نقل الانسان والحيوان ستُختبر عمليًا بفيلم وثائقي للقناة التلفزيونية البريطانية الرابعة ، يستند إلى دراسات فينكل، بما في ذلك بناء سفينة ضخمة دائرية الشكل. ويقول فينكل إن اللوح الطيني يسرد قصة السفينة في نص أقدم بكثير من روايات الكتب السماوية ، مضيفًا: "ان مؤلفي الكتاب المقدس استندوا إلى روايات قديمة اطلع عليها احبار عبرانيون خلال نفيهم إلى بابل".- ( إيلاف الالكترونية – سفينة نوح غير موجودة ) –
واضح أن القدماء كانوا يبنون السفن من الألياف المجدولة على هيئة حبال يسهل لفها بسهولة ، وتحتاج الى دعامات خشبية قوية لتحافظ على صلابة الجدران المطلية بالقار .
وجدير بالذكر أن السفن تحتاج الى دعامات عرضية وطولية ، وقد يتبادر للذهن أن هذه الدعامات كان يتم ربطها ببعضها بمسامير، كما هو في زماننا هذا ، لا ، انها كانت تشد مع بعضها البعض بلف الحبال عليها وربطها ، وهذا لا يمكن أن يحمي سفينة كبيرة من الانطباق والتحطم تحت ثقل الحمولة وضغط المياه .
فقصة السفينة غير مؤكدة الحدوث كما هي موصوفة بالحجم والحيوانات والصناعة ، بل هي تفسير بَعدي لكيفية بقاء بشر بعد حدوث طوفان في منطقة بلاد الرافدين ، ولكن عقليا هل شمل الطوفان كل مساحة الكرة الأرضية ، فهذا غير ممكن ، لأن هذا يفترض زيادة كمية الماء الى أكثر من عشر أضعاف كمية الماء الموجودة في الأرض لكي تغطي كل اليابسة وجبالها.
ولما كان الناس لا يعرفون أن هناك استراليا ولا أفريقيا ولا أمريكا ولا اوروبا ، فكل الكتب الدينية لم تذكر هذه المناطق - لهذا اعتبروا أنه اذا حدث طوفان في بلاد الرافدين ، وكانت قديما تحدث طوفانات كثيرة وليس واحدا - حسبوا أنه شمل العالم وكتبوا بعد ذلك القصص عن كيفية بقاء الناس بعد ذلك الطوفان ، ومع تناقل القصص على مدى التاريخ ارتدت صفة القداسة والتصديق أنها حدثت فعلا وبهذا الشكل كما وردت في أسفار التوراة .
فقصة الطوفان التوراتية لا يمكن تصنيفها ضمن الأحداث الممكنة الحدوث والتي من الممكن أن يتجرعها العقل ، من حيث أنها تثير الكثير من التساؤلات التي ليس من السهولة ايجاد اجابة معقولة عنها ، ومن هذه التساؤلات :
في التوراة المحرفة قصة طوفان ، وفي القرآن طوفان ، فمن قصته الخرقاء ؟
تقول غمرنا السهول والجبال بماء ، فكل مياه الأرض لا تكفي لغمر هذه الأشياء !!
تقول جمعنا زوجين من كل دواب السهول والجبال وزواحف الصحراء !!
فهل جمع أيضاً زوجين إثنين من كل ما يطير في الهواء ؟
تقول سفينة بطول ثلاثون ذراعاً ، فكيف تم حشر فيها كل هؤلاء ؟
وكيف يجمع فرد وحيد كل هذا ، فهل تحمل وحده هذا العناء ؟
وكيف جُمعتْ حيوانات من كل أصقاع الأرض ، فتلك مهمة كأداء !!
أم هل جاءت دواب الأرض طائعة ودخلت السفينة دون عناء ؟
تقول أدخلنا فيها حيوانات الأرض ، فهل زال ما بينهم من عداء ؟
وتقول جمعنا أزواجا من كل دواب البر ، فكيف وسعت كل هذه الأحياء ؟
تقول ، قلنا فجري يا أرض عيونك ، واسقطي يا غيوم ما بك من ماء !!
وانهمر الماء على السفينة ، فهل حادت الأمطار عنها أم كان لها غطاء ؟
وسارت السفينة المثقلة بالأحياء في بحر أمواجه تعلو الجبال هوجاء !!
يقولون دام مائة وخمسون يوماً وليلة ، فمن أين لهم القوت والغذاء ؟
ويقولون دام مائة وخمسون ليلة ، فكيف عاشت الأحياء في ظلماء ؟
ويقولون عطس أسد في السفينة فولد هِران ، فكيف يصدق هذا العقلاء ؟
كان الطوفان عقابا للعاصين من قوم نوح ، فما ذنب غيرهم من الأحياء ؟
تقول دعا نوح قومه للصلاح ، فماذا عن الأقوام ما بعد خط الاستواء ؟
فكان عقابا لعصاة القوم ، فليس عدلاً أن يشمل غيرهم هذا البلاء !!
يقولون أربعون ليلة ، ويقولون مائة وخمسون ليلة ، فهذا خبط عشواء !!
تقولون ، ابتلعت الأرض ماؤها ، فأين ذهب الماء الذي جاء من السماء ؟
يقولون لم يبق غير ذرية نوح من البشر، فهل كان من معه عُقماء ؟
تساؤلات قالها القس الشهير تيودوريت ، وكثير غيره من العلماء !!
وجودانو برونو قال :" لم يتسع عقلي لهذا"، وأنا لست مع الأغبياء !!
قصصاً يرويها من لم يبلغوا سن الرشد ، ويصدقها الجهلاء !!
***************
فيجب علينا وضع القصص التاريخية في اطار المعقولية والامكانية والواقع حسب زمن حدوث القصة ، ويجب ازالة الصورة السحرية أو الاعجازية عن الحدث أو القصة حتى لا نحشو عقول الأجيال الشابة بقصص ليس لها أساس من المعقولية .