56 كأني بالقرآن يتحدث عني وانتصار الفنان على الراهب

ضياء الشكرجي
2017 / 3 / 18

هذه هي الحلقة السادسة والخمسون من مختارات من مقالات كتبي في نقد الدين، حيث نكون مع المقالات المختارة من الكتاب الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة». وتشتمل هذه الحلقة على موضوعين قصيرين، ترددت في نشرهما، من أجل تجاوزهما إلى ما أراه أهم، لكني ارتأيت الإبقاء عليهما، ومن الحلقة القادمة (السابعة والعشرين) ستتوالى ثلاث دراسات قرآنية مهمة، الأولى حول موقف القرآن من غير المسلمين، والثانية حول قتال غير المسلمين، والثالثة حول موقف القرآن من المرأة، فأرجو من القارئات المهتمات والقراء المهتمين أن يصبروا عليّ حتى نشر تلك الدراسات، التي أقدر أنها من أهم ما اشتمل عليه كتابي الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة».

كأني بالقرآن يتحدث عني
عندما تحولت في شباط من عام 1977 من الإلحاد إلى الإيمان بالله وبالإسلام، وجدتني عندما أتلو الآيتين الآتي ذكرهما، كأنهما نزلتا فيّ:
1. «أَوَ مَن كانَ مَيتًا فَأَحيَيناهُ وَجَعَلنا لَهُ نورًا يَّمشي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيسَ بِخارِجٍ مِّنها».
2. «وَكَذالِكَ أَوحَينا إِلَيكَ روحاً مِّن أَمرِنا، ما كُنتَ تَدري مَا الكِتابُ وَلَا الإيمانُ، وَلـاـكِن جَعَلناهُ نوراً نَّهدي بِهِ مَن نَّشاءُ مِن عِبادِنا، وَإِنَّكَ لَتَهدي إِلى صِراطٍ مُّستَقيمٍ».
ثم بعد التحول من الإسلام الظني إلى الإيمان اللاديني في كانون الأول من عام 2007، وجدتني في آية أخرى، هي:
«إِنَّ الَّذينَ آمَنوا، ثُمَّ كَفَروا، ثُمَّ آمَنوا، ثُمَّ كَفَروا، ثُمَّ ازدادوا كُفراً، لَّم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم وَلا لِيَهدِيَهُم سَبيلاً».
فإني آمنت في طفولتي وأول شبابي بالله وبالإسلام، والتزمت التزاما محدودا بلوازم هذا الإيمان، وهذه مرحلة الإيمان الأولى المعبر عنها في النص القرآني بـ «الَّذينَ آمَنوا»، ثم كفرت بالله وتبعا لذلك بالإسلام، إذ تحولت إلى الإلحاد بعد سنة من الشك في أيلول من عام 1962، إذن حسب هذا النص «ثُمَّ كَفَروا»، ثم آمنت بالله وبالإسلام في شباط من عام 1977، بعدما مررت بسنتين من اللاأدرية الإلهية، وهذا يرد في النص بـ «ثُمَّ آمَنوا»، ثم كفرت في تموز من عام 2007 إذ تحولت إلى الإيمان الظني بالإسلام أو اللاأدرية الدينية لستة، من أربعة إلى سبعة أشهر*، ويعبر عنه النص بـ «ثُمَّ كَفَروا»، وبعدها «ثُمَّ ازدادوا كُفراً»، إذ ازددت كفرا، حسب معايير القرآن، عندما حسمت كفري بالإسلام في نهاية نفس العام، وتبنيت عقيدة التنزيه أو (لاهوت التنزيه)، إذ نزهت الله عن الإسلام وعن كل الأديان، استكمالا لإيماني، حيث رأيت أن ذروة الإيمان في الكفر، أي أن ذروة الإيمان بالله في الكفر بالدين، ولذا كان معبرا عنه بـ «ثُمَّ ازدادوا كُفراً». أما كوني من الذين «لَم يَكُنِ اللهُ ليغفِرَ لَهُم وَلا لِيَهدِيَهُم سَبيلاً»، فهذه أمنية مؤلف أو مفسر القرآن تجاه أمثالي، لأن القضية عنده ليست أن نؤمن بالله، مهما تألق وسما، وتعمق وتجذر إيمان الواحد منا، بل الإيمان عنده أن نؤمن به، وأن نؤمن بالله على الصورة التي أنبأنا بها، دون إعمال عقولنا، وتكوين تصورنا الخاص عن الله.
وجدتني إذن وعبر المراحل المختلفة التي مررت فيها في القرآن، ووجدت الحكم عليّ بمعايير القرآن، ومعايير مؤلفه. ولنمر على النصوص القرآنية الثلاثة مرة أخرى:
1. «أَوَ مَن كانَ مَيتًا فَأَحيَيناهُ وَجَعَلنا لَهُ نورًا يَّمشي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيسَ بِخارِجٍ مِّنها».
كنت أراني في هذه الآية، لأني كنت أرى أني كنت حقا في ظلمات، أخرجني الله منها، وكأني بنفسي كنت ميتا، فأحياني الله بهدايته إياي للإيمان، ثم جعل لي من الإيمان نورا، أمشي به، لا لأضيء به الطريق لنفسي وحسب، بل لأضيء للناس، بحسب فهمي، وبحسب عقيدتي، وبحسب نيتي آنذاك، إذ سرعان ما تحولت إلى داعية إلى الله وإلى الإيمان، وأصبحت بعد حين من مجرد ناقل للأفكار من بطون الكتب الدينية، إلى مُنتِج أفكار عبر استيحاءات ذاتية من النصوص والسِيَر الدينية، واعتمدت في مرحلة متقدمة العقل في العقائد، والعقلانية في المفاهيم، والإنسانية في المواعظ الدينية، والاعتدال في الإيمان، والانفتاح على الآخر في التعامل.
2. «وَكَذالِكَ أَوحَينا إِلَيكَ روحاً مِّن أَمرِنا، ما كُنتَ تَدري مَا الكِتابُ وَلَا الإيمانُ، وَلـاـكِن جَعَلناهُ نوراً نَّهدي بِهِ مَن نَّشاءُ مِن عِبادِنا، وَإِنَّكَ لَتَهدي إِلى صِراطٍ مُّستَقيمٍ».
وكنت أراني في هذه الآية، لأن الذي قادني إلى الإيمان ونقلني من الإلحاد إلى التدين كان محض صدفة، وكأني بيد الغيب كانت قد خططت لي هذه النُّقلة، فجعلت مجموعة من الحوادث التي بدت وكأنها محض صدف تتراكم وتتعاقب، حتى كانت لحظة الانتقال. أقول هذا وإن كنت قد أضعت في هذه المسيرة الدينية ثلاثة عقود من عمري لم يعد بالإمكان تعويضها، لكنها منحتني تجربة لها خصوصيتها، لم تكن لتحصل لولا تضييع هذه العقود الثلاثة، فإذا كان تضييع الثلاثين سنة من عمري بمثابة ثمن لما آليت إليه، لتترشد التجربة، لا لأستفيد أنا منها، بل لتنعكس فائدتها على أوساط قد تتسع إذا شاء الله، وعلى أجيال قد تتعاقب إذا قدر الله، فليس بوسعي عنئذ إلا أن أقول إنه حقا لثمن زهيد مقابل ما قدمتُه، بفضل الله وتوفيقه الذي لن أبلغ شكره على نعمته عليّ، وعلى كل الذين ستنعكس عليهم تجربتي إيجابيا، إذا ما حصل ذلك. فقبل الاهتداء لم أكن أعرف شيئا عن الإيمان - كما تعبر الآية -، ولا عن القرآن، ولا عن أي كتاب (مقدس)، أو أي كتاب دين، أو كتاب فلسفة إلهية غير ديني، ولم أحتج إلى الكثير من القراءة حتى أصل إلى ذلك الفهم المعمَّق عبر تأملاتي وقراءتي الاستيحائية للقرآن، دون كثير تعويل على كتب التفسير، إلا في الشوط الأول من مسيرتي الدينية، فكنت أصل إلى رؤى أكتشف لاحقا أنها معتمَدة من بعض كبار المفسرين، لاسيما العقليين والعقلانيين والمعتدلين والتنويريين منهم. إذن كنت فعلا كمن (أوحى الله إليه روحا من أمره، وما كان يدري ما القرآن ولا الإيمان ولا الدين، ولكن كأنما جعل الله نورا له، ليهدي به ممن يشاء من عباده، ليكون ممن يهدي إلى صراط مستقيم، بحسب ما كنت أؤمن به. داعيا الله ألا أكون قد ورطتّ أحدا بهدايته إلى ما لا أرى اليوم هدى فيه، ولعلي أكفّر اليوم ومنذ 2008 عما كان مني في ثلاثة عقود.
3. «إِنَّ الَّذينَ آمَنوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ آمَنوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ ازدادوا كُفراً لَّم يَكُنِ اللهُ ليغفِرَ لَهُم وَلاَ ليهديهُم سَبيلاً».
هنا وجدتني مرة ثالثة بعد التحولين الأخيرين، من الدين في ضوء تأصيل مرجعية العقل (1997 – تموز 2007) إلى الدين في ضوء المذهب الظني حتى آخر 2007، ثم إلى الإيمان اللاديني، والذي سيمته بعقيدة التنزيه، ولاحقا بلاهوت التنزيه. إذن كما تعبر الآية قد آمنت في طفولتي وبداية شبابي بالدين الفطري البسيط والالتزام المحدود، ثم كفرت بتحولي إلى الإلحاد، ثم آمنت بالله وبالدين ملتزما بأحكامه، داعيا إليه، عاملا من أجله، متروحنا في علاقتي بالله، مستمتعا متلذذا بعبادته، موسعا للدين ليشمل الحياة كلها، بما في ذلك شؤون السياسة والدولة، ثم كفرت بنفي تسييس الدين، ونفي كونه نظاما سياسيا وكيان دولة، واعتمدت كونه ليس إلا عبادة وأخلاقا ودعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لمن يحب أن يتلقى الدعوة، ثم كفرت تارة أخرى بجعلي الدين ظني الصدور عن الله، وجعلي إياه دينا غير متمذهب، ثم جعلته متحول الأحكام بحكم تحول الزمان والمكان، جاعلا الثبات للجوهر دون الشكل، ثم ازددت كفرا عندما جعلت ذروة الإيمان بالله بنفي الدين عنه، وبذا استحققت الوعيد باستحالة أن يغفر الله لي أو يهديني سبيلا، ولكن المعني بالله هو ذلك الله وفق التصور القرآني، وبالتالي فالذي يستحيل أن يغفر لي ويهديني، هو الله الديني، لا الله العقلي أو الفلسفي المتنزه عما نسبت إليه الأديان مما لا يليق بجماله وكماله وجلاله وعدله ورحمته.
03/05/2011

*: بقيت مترددا في تاريخ التحول الأخير إلى عقيدة التنزيه، فتارة أجد نصوصا تدل على أن الفترة من اعتمادي للمذهب الظني في أول تموز 2007، بل لعله في حزيران، حتى التحول إلى عقيدة التنزيه هي ستة أشهر، ثم أجد ما يشير إلى أنها كانت أربعة أشهر، أو ما يشير إلى أنها كانت تسعة أشهر. اليوم في 18/03/2013 أردت أن أتأكد من الفترة، فبحثت، في مقالاتي، لعلي أجد ما يشير إلى ذلك، فوجدت نصا كتبته في 26/10/2007 يشير إلى أني حسمت أمر ذلك التحول، مما يدل على أن الفترة كانت حتى أقل من أربعة أشهر، وأدرج أدناه هذا النص. لكني وجدت أن تاريخ كتابة مقالتي «أيهما حاكم في الدين على الآخر .. وحي السماء أم عقل وضمير الإنسان» هو 14/06/2007، وهذا لا يمنع من كون التحول إلى المذهب الظني كان في أول تموز، لأن المقالة كانت ربما عبارة عن مخاض لولادة ذلك المذهب، ولم تكن الولادة قد تمت في 14/06/2007، والآن مع النص المكتوب في 26/10/2007:

ثم انتصر الفنان على الراهب
كان ثمة صراع بينهما، بين أنا الفنان .. وأنا الراهب، صراع ساحته تلك الكينونة الكامنة، في ثنايا دواخلي، صراع بين الفنان المتمرد فيّ، وبين الراهب الناسك فيّ كذلك. رغم شدته، وحدته، لم يكن الصراع بينهما عنيفا، إذ كلما انتفض عنصر التمرد في الفنان، حالت إنسانيته بينه والعنف، وكلما تصاعد حنق المتدين، عبر تفاعل عنصر التزمت فيه، ردعه عن العنف خوف الله، وهكذا كان الرفق الميزة في الصراع بينهما، رغم عنفوانه. والصراع هذا بينهما، لم يتمدد كثيرا عبر مسافات الزمن، فهو لم يتجاوز إلا لحظة، من اللحظات الواقعة، على خط الزمن الممتد؛ مقدار تلك اللحظة الزمنية، كان ليس إلا نصف العمر [وقت كتابة هذا النص]، ثلاثين عاما لا غير، معها خمسة أشهر، وبضعة أيام، بل لعله أقل من أربعة أشهر ببضعة أيام. من شباط التحول الأول، عام اثنين وستين من قرننا المنصرم، حتى تموز الانعطافة الأخيرة، في العام السابع من ألفيتنا الجديدة. وأخيرا انسحب الراهب فيّ، لصالح الفنان، وبذلك انتصر الإبداع، على التقليد، وانهزم النص، أمام العقل، عندها انتصر الحب، على الفقه، لأن الإيمان كان هو الذي قد انتصر على الدين، وانتصر الله على كل ما نسب إليه من ظلم وجهل. انتصر الله على كل ما يتخذ باسمه موقع التنافر معه، فيكون عامل تنفير منه سبحانه، لا عامل جذب. انتصر الإيمان على الدين، لأنه نزهه سبحانه، عن كل ما نسب إليه الدين، وانتصر العقل على النص، لأن العقل لا الدين، هو الذي يتقن تهجي تسبيحه، حق تسبيحه، وانتصر الحب على الفقه، بعدما كان الفقه قد أفرغ الحياة، من معاني الحب، والجمال، فوجه الحياة، إلى حيث قطب التنافر والتباعد عن الله. وانتصر الجوهر على الشكل، لأن الأشكال مهما تجملت، فقدت جمالها، عندما انتُزع منها جوهر الجمال.
برلين في 26/10/2007.