نموذج من إفرازات خطاب المؤسسة الدينية

أسامة الساعدي
2014 / 5 / 18

زرت قبل أيام أحد الشخصيات الدينية المعروفة (ولا داعي لذكر الأسماء!) فوجدت عنده جماعة من الزوار من جنسيات عربية مختلفة قد جاءوا لزيارته، بعضهم من الخليج وبعضهم من العراق ... الخ، فقال أحد العراقيين مخاطباً هذه "الشخصية": "شيخنا، عندنا جماعات في جنوب العراق تتبع أشخاصاً مجهولين، وتدّعي أن لدى هؤلاء الأشخاص ارتباطاً مباشراً بالإمام المهدي ! وأن هذه الجماعات كثيرة جداً وقد بدأ نفوذها بالتزايد وخصوصاً في مدينة البصرة ! ". فقال له الشيخ: " الوهابية هي التي تدعم هؤلاء ! " فقال له الجالسون: "أحسنتم أحسنتم"، وبعد فترة من الحديث حول الموضوع قال الشيخ: "الموساد الإسرائيلي هو الذي يقف خلف هؤلاء ! " فقال له الجالسون أيضاً: "أحسنتم أحسنتم".

قررت أن أتكلم، فقلت للشيخ وللحاضرين: "أنا لا أنكر أن هناك أيادي مشبوهة تقف وراء هكذا أناس لأهداف مختلفة، ولكن يجب أن نعترف بأن كثيراً من هذه الظواهر الغريبة والخطيرة التي تحدث في مجتمعاتنا الإسلامية تتحمل المؤسسة الدينية قسماً كبيراً من المسؤولية في حدوثها" فانتبه لي الحاضرون، وقال لي الشيخ: "ماذا تقصد يا أيها الساعدي؟"

فقلت لهم: "إن كثيراً من رجال الدين (سنة وشيعة وغيرهم) ساهموا في تخريب عقول الناس، فصار هؤلاء الناس المساكين فريسة سهلة لهؤلاء الضالين! لأن رجال الدين ركزوا على الجانب الغيبي فقط، وأهملوا العقلانية فيما يكتبون أو يقولون: فالخطاب التخريفي الذي تبثه أغلب قنواتنا الدينية، والكلام الهزيل الذي يردده كثير من الخطباء على المنابر، والكتب المحشوّة بالخرافات والأضاليل التي تطبعها منشوراتنا الدينية هنا وهناك: هذه كلها عوامل ساعدت على تدمير عقول الشباب المتدين، وحوّلت عقولهم إلى عقول ساذجة وبسيطة تؤمن بالخرافات وتنخدع بسهولة؛ لأنها فقدت حصانة العقل وقوة المنطق، فصار من الطبيعي أن تنجر لا شعورياً وراء كل صاحب دعوة وتمشي خلف كل حامل راية!"

وبعد أن أنهيت كلامي حدث أخذ ورد في المجلس، واعترض بعض الحاضرين على كلامي، لكن الشيخ أيّدني بشكل خجول!

صحيح أنني لم يقل لي أحد في تلك الجلسة: "أحسنتم أحسنتم". لكنني خرجت وأنا أكثر يقيناً بضرورة التركيز على العقلانية وتحديث الخطاب الديني حتى نحصّن مجتمعاتنا عن مثل هذه الظواهر التي جعلتنا شاذين عن بقية البشر في العالم.