فرويد و ماركس: الجنس, العنف, والحداثة

طلال الربيعي
2014 / 2 / 9

ذكرت في مقال سابق ان السلطة السوفيتية السابقة اعتبرت التحليل النفسي (لا) علما برجوازيا, انثربولوجيا متشائمة, وتطبيعا ايديولوجيا للنظام الراسمالي (1). وكان هذا احد الاسباب التي حدت بهذه السلطة, مثلا, الى منع كتابات رائد علم النفس السوفيتي والذي يطلق عليه "موتزارت علم النفس", فايكوتسكي 1934- 1896 (2).

على العكس, فان مدرسة فرانكفورت, وخصوصا بعد تولي "هوركهايمر" ادارة المدرسة في 1930 فصاعدا, اعتبرت التحليل النفسي جزءا مهما للغاية في التحليل الاجتماعي, لكونه يوفررواقا فكريا بين التكوينات الايديولوجية والبنية الاجتماعية (3,4). وكان التواصل المكثف من قبل المدرسة مع المحللين النفسيين التقدميين العاملين في معهد التحليل النفسي في فرانكفورت تحت ادارة اوتو فنيخيل, عندما كانت المدرسة ملحقة بمعهد البحوث الاجتماعية, قد اقنع المدرسة بجذرية التحليل النفسي (5). فيمثل تركيز فرويد على اهمية العائلة في النشأة الاجتماعية, اضافة الى تحليله المادي للتركيبة الشخصية, نقدا لانعدام السعادة اساسا في المجنمعات المعاصرة, وليس اسنادا لتلك الانظمة الاجتماعية.

مع ذلك, فان مدرسة فرانكفورت بادارة اريخ فروم, ولاحقا ادورنو و ماركوزة, لم تكتف بالجمع بين التحليل النفسي, كاختصاص مكمل, والنظرية الماركسية حول المجتمع. فعلى خلاف التحليل النفسي الارثودوكسي, فان مدرسة فرانكفورت اكدت على الطابع التاريخي للتحليل النفسي من خلال نقد فلسفي لنظرية الغريزة واعادة البناء لاجتماعي للعلاقة بين الاشكال المتغيرة للعائلة والبنيات المتغيرة تاريخيا للشخصية. ويتفق هذا مع ما يذكره عالم النفس السوفيتي ليونتيف (1979-1930) ب "اكتشاف ماركس لنظرية نفسية جذرية، تتمثل في فكرة أن الوعي ليس مظهرا من مظاهر قدرة باطنية للدماغ البشري لتوليد "ضوء الوعي" تحت تأثير الأشياء التي تؤثر عليه- المحفزات-. فالوعي يتحقق من خلال علاقات الشخص مع الآخرين التي تدخل حيز الفعل من خلال الدماغ، الاحاسيس، والاعضاء الحركية. ولذلك فان الفعاليات التاتجة من هذه العلاقات تؤدي أيضا إلى قبول الأشياء في شكل صورها الشخصية في عقل الانسان، في شكل من أشكال الوعي" (6).

كان واضحا لدى فروم, استنادا على الموقف الانثروبولوجي في كتاب ماركس, مخطوطات اقتصادية وفلسفية 1848, بان مفهوم ماركس للانسان كحيوان فطري لا يعني مرونة لا نهائية في التعبير الاجتماعي, اي ان ماركس اعتقد بامتلاك "الحيوان الانساني" لمحفزات اساسية كالجوع والجنس, حيث تتشكل هذه المحفزات الفردية وتعبر عن نفسها تاريخيا, او يجري تشويهها, من خلال مجموعة من الاحتياجات الاجتماعية ذات النسق التاريخي- هنا يلتقي ماركس مع فوكو بخصوص موضوعة الجنس ونشوء هذا المفهوم تاريخيا, حيث ان مصطلح Sexuality ادخل لاول مرة في Oxford Dictionary of English في عام 1800.

انتقد ماركس المعاناة التي يسببها الاغتراب الرأسمالي بسبب شيوع ظروف غير طبيعية. بالنسبة الى فروم فانه اعتقد انه بامكانية التحليل النفسي تزويد الماركسية بتوصيف نظري للتداخل بين الغرائز الطبيعية, الاحتياجات المكيفة اجتماعيا, والتركيبات الشخصية, مما يساعد على توضيح القاعدة النفسية للأمل وكذلك الآليات المؤدية الى نشوء التدمير والمسايرة. ففي كتابه "نشوء دوغما المسيح", الصادر في عام 1931, يعزي فروم, على سبيل المثال, التغييرات المهمة في العقيدة المسيحية الى حدوث تحولات اجتماعية من جانب, والى تغيير في التركيبة الشخصية, من جانب آخر, مما يشكل جهودا مبكرة للتكامل بين الماركسية والتحليل النفسي (8, 7). يعتقد فروم بان نظروية فرويد تتضمن النشوء الاجتماعي للشخصية النمطية ذات الطابع الطبقي, وذلك بسبب ظروف عامة في التنشأة الاجتماعية- وما يصاحبها من نبذ لميزة محددة للأفراد- التي تمارس تأثيرها عبر طبقات المجتمع في لحظة تاريخية معينة. ان استخدام التحليل النفسي في علم الاجتماع يفضي الى اصباغ الطابع التاريخي على توصيفات التحليل النفسي, وخصوصا الاعتقاد اللامبرر بشيوع عقدة اوديب في كل المجتمعات عبر التاريخ, وهو اعتقاد رفضته العديد من المنظرات النسويات اللواتي اتهمن فرويد بالطابع الذكوري لنظريته.

اما فروم فانه اعتقد بان عقدة اوديب هي خصوصية مميزة للمرحلة الرأسمالية الليبرالية فقط. والتدمير الذي مبعثه التواجد الطبيعي لغريزة الموت في كل انسان, حسب فرويد, يعزي فروم اسبابه الى الملكية الفردية ومجتمع السوق. ولكن التوضيح الافضل, حسب فروم, فان الحصارة الاوربية, منذ عهد الاصلاح الديني في القرن السادس عشر فصاعدا, قد تميزت بتفضيلها الواضح للشخصية الشرجية, اي الشخصية المتميزة بالتقشف والرغبة في التملك. ولكن اشمئزاز الاشخاص من "قذارة" الجنسية الشرجية يحفز فيهم لاشعوريا متعة عقاب "المنحرفين", التي يصفها فروم كتماهي سادي-مازوخي مع السلطة او الشخصيات الاستبدادية- لقد عالجت شيوع الشخصية الشرجية في العراق ومضامينها السياسية وعلاقتها بموضوعة السادية-المازوخية في اماكن اخرى
(12- 9) . ولكن فروم تخلى لاحقا عن استخدام الابعاد الجنسية لتوضيح طبيعة المجتمعات الراسمالية او الفاشية. ويعود تخليه هذا, كما يذكر باوجر (13) بحق, الى تأثر فروم بنوع من التحليل النفسي المسمى "تحليل نفس الانا", وهو اتجاه رجعي في التحليل النفسي, منتشر بشكل خاص في الولايات المتحدة, ويهدف الى تشجيع او تسهيل تكييف الشخص مع النظام المهيمن.

في كتابه بالغ الاهمية, "الحضارة وسخطها", يصف فرويد تأثيرات الحضارة الغربية التي تحمل الشخص على تأجيل اشباع حاجاته الغرائزية او حتى نبذها, بسبب انصياعه الى متطلبات الواقع, مما يؤدي الى ما يصفه فرويد بسخرية قاتمة ب "التقدم المحرز في القمع العلماني". اي ان المجتمع الصاعي قد اصبح مجتمعا منتجا لمرضي مصابين بالعصاب الذي يجعل من المرجح اندلاع استيائهم من مطالب الزيادة المستمرة في الإنتاجية الى تفشي بركاني للاعقلانية.

ولكن العصاب الذي يتحدث عنه فرويد في المجتمعات الرأسمالية لا يعني بالضرورة خلو مجتمعاتنا من عصاب من نوع او آخر, كما, مثلا, في شيوع التحرش الجنسي وظاهرة الارهاب. فشيوع ظاهرة التحرش الجنسي في منطقتنا لربما يمكن تعزيته الى عدم تطور مجتمعاتنا رأسماليا وما يتطلبه ذلك من تأجيل أشباع الاحتياجات الجنسية-كما في الحضارة الغربية-الرأسمالية. ومما يزيد الطين بلة, وبالارتباط مع ما سبق, هو "عدم اختراع" النفس او تطورها كوجود حداثوي (14) بمعزل عن الطائفة او العشيرة الخ, مما يؤدي الى انعدام او ضعف الشعور بالمسؤولية الشخصية وشيوع الفساد والتصحر الثقافي والخمول الفكري وضعف روح المواطنة و انحدار حضارة المدينة وقيمها الجمالية: اي ان واجب الشخص الحداثوي, حسب تعبير احد اكبر شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم, بودلير(1867-1821), هو ان يقوم الشخص بخلق نفسه "كعمل فني" (15). وهو نفس ما يشير اليه هابرماس بخصوص بودلير ويؤكد ايضا ان وظيفة فن ال avant-garde هي اقتحام العوالم المجهولة وتحدي الموروث (16) - اذا الدعوة الى دولة المواطنة او الدولة المدنية مرتبط جذريا بتكون النفس ككيان نفسي شخصي من جهة ووجود بنى تحتية-اقتصادية تسمح, او تسهل, نشوء النفس او روح المواطنة, وتطور كهذا لربما مستحيل, او شبه مستحيل, بوجود دولة شمولية سياسيا و/او ريعية اقتصاديا.

تتضمن تسمية التحرش "الجنسي" شكل التحرش وليس مضمونه. فالتحرش, حاله حال الاغتصاب الجنسي, يشكل في مضمونه عنفا وأرهابا (17). فالجنس, كفعالية فردية اصيلة, تتطلب وجود النفس او الذات (المنشأة حداثويا). ولذلك فان التحرش "الجنسي" هو رغبة عبثية لتحقيق الذات. انها نفس الرغبة التي تجد تعبيرا لها في ارهاب السلطة او الميليشيات بمختلف انواعها. انه تعويض نفسي لشعور بالعجز الفردي والاجتماعي, حيث يصبح خللا منطقيا ينتمي الى عالم ما قبل الحداثة, يساوى فيه العنف (تجاه النفس او الآخرين) مع الاقتدار, هو المنطق السائد حاليا, حتى لدى العديد ممن يرتدون قناع الحداثة.

ان الاستخدام المفرط في منطقتنا للدين كمورفين مخفف للألم قد ازداد شيوعا في العقود الاخيرة. فالدين, كمورفين او بالاحرى مثيله الاندورفين المنتج داخليا من قبل الجسم, له قدرة كبيرة على تخفيف الألم وتحمل التعاسة. ولكن قدرته هذه لا تضاهي ابدا قدرة الموت. فالموت وحده هو القادر على ازالة الالم تماما, نهائيا, والى الابد. لذلك فان الموت يصبح الخيار الوحيد لأرهابي ما للقضاء على الم هائل يعجز اندورفين الدين في التخفيف عنه. ولكن الارهابي لا يصرح بألمه لشعوره بعدم جدوى شكواه. وهو لايعلن ان هدفه من تفجيره لنفسه هو موته. وهو لا يفعل هذا لاسباب منها انعدام البصيرة, الخشية من فقدان ماء الوجه بسبب عجز مبطن في مجابهة صعوبات الحياة او آلام صراعات داخلية يخنق صوتها ضجيج سلاحه وزعيقه هو ورفاقه "الله اكبر", او بسبب سطوة عقل القطيع في عالم ما قبل الحداثة الذي لا يميز بشكل واضح بين المادة الحية وغير الحية, والذي فيه "انسنة الكائن البشري" لا تزال مهمة غير متحققة.

ان وعد الله في (قرآنه؟) لعباده بثوابه لهم بدخولهم الجنة المكتظة بالحوريات والغلمان لا علاقة له بالجنس, كما اشير اليه اعلاه. فالنشوة الدائمة تشكل تخديرا هي الاخرى, ان لم يكن موتا لانعدام التغيير, باعتبار انعدام التغيير خاصية فريدة للموت. اي ان الله لم يكذب على عباده بوعده اياهم بالجنة, فالجنة والموت هنا سيان. ولكن الشخص المؤمن, بشعور وفي الغالب بدون شعور, يفضل خداع نفسه باعتباره الموت طريقه الى الجنة, وذلك من اجل التخلص او التخفيف من قلق وجودي بالنهاية الحتمية لكل انسان.

ان المؤمن يستخدم الدين للتخفيف من المه الوجودي, ولكن عندما يعجز الدين, فان الحل الوحيد للأرهابي هو قتل نفسه. ولكونه مخلوق ما قبل الحداثة ولم يحقق انسنته بعد, فليس هنالك رادع داخلي يمنعه من قتله للآخرين من "اللا اناس". فارهابي ما قبل الحداثة هو معادل شديد المرض لسايكوباث الحداثة.

تتميز السلطات في منطقتنا بكونها سلطات ذكورية, ولذلك تفشل في احتواء غضب مواطنيها والحيلوله دون تحوله الى عنف. احد جوانب الحل يقضي بتحويل هذه السلطات الى سلطات امومية. فالأم الجيدة بما فيه الكفاية, حسب تعبير المحلل النفسي وينيكوت (18), قادرة على امتصاص غضب اطفالها واحتوائه في داخلها كمحصن ضد سلوكهم العدواني المحتمل.

المصادر اضافة الى المذكورة اعلاه:
1- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=64643
2- http://vygotsky.afraid.org
3- Held, D. 1980. Introduction to Critical Theory. Berkley, CA.: University of California Press
4- Jay, M. 1973. The Dialectical Imagination. Boston, MA.: Little, Brown
5- Jacoby, R. 1986. The Repression of Psychoanalysis: Otto Fenichel and the Political Freudians. Chicago, Il., University of Chicago Press.
6- http://www.marxists.org/archive/leontev/works/1978/ch1.htm
7- http://www.sonoma.edu/users/d/daniels/frommnotes.html
8- Burston, D. 1991. The Legacy of Erich Fromm. Cambridge, MA.: Harvard University Press
9- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=308605
10- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=309848
11- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=312077
12- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=334022
13- Boucher, G. 2012. Understanding Marxism. Durham (UK): Acumen.
14- http://www3.dbu.edu/mitchell/modernit.htm
15- Brockelman, T. Lacan and modernism: Representation and its vicissitudes. 1996. In: David Pettigrew, & Francois Raffoul ((Eds.), Disseminating Lacan. State University of New York Press.
16- http://lgdata.s3-website-us-east-1.amazonaws.com/docs/2078/548492/Jurgen_Habermas_-_Modernity--An_Incomplete_Project.pdf
17- http://www.clarku.edu/offices/dos/survivorguide/definition.cfm
18- http://changingminds.org/disciplines/psychoanalysis/concepts/good-enough_mother.htm