المحضر

بشرى البستاني
2013 / 7 / 12



المَحضَر
بشرى البستاني
**
قالت له .. أتعبتك كثيرا ، ليتك تقول لي يوما : لا أستطيع لأطمئن ..
أجابها بهدوء ، لن أقول لكِ : لا أستطيع أبدا ..

شعرت بضربة نُبل مفاجئة ، كانت واقفة فجلست ، أحست أنه غمرها بكل فروسية أجداده ، لم تجد ما تقول . هذا رجل غريب يرفض أن يعطي نفسه ، وهي امرأة أغرب ، لأنها لا تريد أن تعرف ليبقى السر وامضا ، هو رجل لا نهاية لرجولة طفولته ، ولا حدود لشهامة التناقضات المُشعّة التي يرسم بها أجوبته لها وسلوكه معها ، وهي في غيابه تتلاطم بخضمِّ حضوره فيها ، حتى تعلمت منه غضَّ البصر عن تفاصيل كانت مولعة بها ، وعن أسئلة لا يسألها فيشعل في روحها غيظا من عبير ، ويدعها في غيبوبة أرجوانية أجمل من كل صحوة.
حينما انتهت المكالمة أمسكت رأسها ومسحت عنقود دمع . الدمعة مثل الكلمة تطهرنا ، تطفئ شيئا ما في الداخل .. اجتاحتها رغبة طفولية ، أن تمرغ دمعها بقميص طفولته المبتلّ بأحلامها الغامضة ، بكذبة واحدة تتمنى لو تركها على سمرة ضفائرها ، لكنها لا تحتاج لكذبه ، فصدق أصابعه أبلغ البراهين ..
لا تعرف ماذا يبكيها ، كل ما تعرفه أن روحها معه تتسع أكثر ، ويكبر قلبها، وبصير لصوته أناملُ تفتح أزرارَ حلمها الأزرق ، وأجنحةٌ تسامح بها بلادة الأيام ، وعقم البشر الذين مروا بها وعرفت ما تيسر من غبائهم ، لتشعر أنها تتشكل من جديد نبضة فنبضة ، وناياً فناي .
كل ما تعرفه انه علمها كيف تقول قولها هي ، لا قولهم هم ، وأن تنتزع ابتسامته من شهقة المحن لتلفه بحنو حريرها الأبيض.

حينما انتهت المكالمة غفت بقلادتها وخواتمها وأسورتها التي لا تستطيع بها النوم ، غفت خوفا من إطلاق نوبة صراخ اجتاحتها .
الكل يذهب ويعود ، والكل يذهب ولا يعود ، وهو يتربع عرش ليلها ولا يذهب . ينهض في مراياها ويلتف بأغطيتها الوردية ، ويشاركها قهوة الصباح .

بدأ الإنسان بالخوف يوم اكتشف أن الزمن ليس دائريا ، آه ، إلى أين سيذهبُ بها هذا الزمن الخطيُّ إلهي . المتصوفة أنقذوها بتقطع الزمن وانفصاله ، لكنها لا تريد لهذه اللحظة أن تنفصل . إنها الوهج المشرق في غُصَّة فذة ، وهي لوعة لا تهدأ إلا لتستعر ، إنها عذاب نعيم مقيم تتفيأ قسوته وحنوه وتصحو في قيلولته.

- ذكريني لو نسيتُ شيئا ..
وهو يدرك جيدا أنها لن تذكره إلا بشيء واحد .. هو أنها تنتظره .
هو يعرف أنها لا تأبهُ بالأحداث والوقائع ، ولا بترتيب الزمن أو تكسيره وتداخله ، وأنها توارب معه حين تدَّعي السرد ؛ لأنها منهمكة بالشعرية وزمنيتها المربكة ، وهي من زمن ترتب طروق البرق بعد ما طال الكرى ، تفتح الليل لما يجب ان يكون ، للحرية وإشراق كينونته على عتمة روحها ولهفة ستائرها ، ووحشة أوراقها . تتحدى به الزمن ، وبحضوره تنتزع أنين الغيم ودموع الوسائد لتقذفها على ظهر شُرفة يتيمة ..

في الليل تدعوه ليجوبا المدن وسط الرصاص والشظايا وأصوات متفجرات لا تعرف من أين يأتون بها لقتل أهليهم ، وتحت الأعمدة يقفان لا لإشعال الحرائق ، بل لإشعال قناديل الكون حتى يُلقى عليهما القبضُ من مجهولين .

- قال الحاكم : ألا تعرفان أن التجوال ممنوع ..؟
- تجيب السيدة : نعم ، نعرف.
- ما سبب وجودكما على الأرصفة إذاً ، وفي الليل ..؟
- لأنا محكومان بالنهار فقط ، فالنهار فضاء ما هو كائن ، أما الليل ففضاء ما يجب أن يكون ، وما يجب أن يكون هو ... خلاصنا.

- قال : كلامك غامض ، دعي الرجل يتكلم .
- قال الرجل ، كلامها واضح ، ليس لديَّ ما أضيف.
- قال : لا بد من ابتكار تهمة لسجنكما ، فابتكراها معا .
- نظر كلاهما بوجه الأخر ، ونطقا معا دون حوار : الحرية .
- هزَّ الحاكم رأسه موافقا ، وأقفل المحضر .