ما الدور والمهمات السياسية التي يفترض في الحزب الوطني الديمقراطي النهوض بها بالعراق؟

كاظم حبيب
2013 / 6 / 1

من عاش السنوات التي أعقبت إلغاء الانتداب البريطاني على العراق حتى منتصف العقد السابع من القرن العشرين ومارس السياسة أو قرأ عنها وعن القوى السياسية التي تشكلت وناضلت خلال هذه الفترة المهمة من حياة الشعب العراقي يدرك أيضاً أهمية الدور النضالي السياسي والاجتماعي والثقافي الذي لعبه الحزب الوطني الديمقراطي, إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي وقوى سياسية أخرى, باعتباره واحداً من أبرز الأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية التي أثرت في السياسة العراقية وفي أجيال من المناضلين الأوفياء لوطنهم وشعبهم.
وقد تعرض قياديو ومناضلو هذا الحزب إلى الكثير من المشاق والاعتقال والسجن, وغالباً ما اتهم بعضهم بالشيوعية ولم يكونوا كذلك, بل شكل البعض غير القليل منهم الجناح اليساري في الحزب, وبعضهم كان معتنقاً للماركسية غير أنه لم يكن شيوعياً أو عضواً في الحزب الشيوعي, ولكن الحزب الوطني الديمقراطي ورئيسه, كامل الجادرجي, التزما اتجاهاً اشتراكياً ديمقراطياً عاماً وسعيا للتعبير عن ذلك في برنامجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ودافعا عن مصالح فئات عديدة في المجتمع.
كان أول بروز لهذه المجموعة الوطنية والديمقراطية في العام 1933 في تشكيلة جماعة الأهالي ومن ثم في جماعة الإصلاح الشعبي. والأخيرة شاركت في انقلاب بكر صدقي وساندته وساهمة في عدة حقائب وزارية في حكومة حكمت سليمان الانقلابية, ثم انسحبت من الحكومة لأسباب كثيرة وقبل اغتيال بكر صدقي وسقوط الحكومة الانقلابية. والشخصية الوطنية البارزة في الجماعة القيادية للإصلاح الشعبي, عبد الفتاح إبراهيم, اعترض على مبدأ الانقلاب العسكري قبل وقوعه ورفض المشاركة فيه. وفي العام 1946 تأسس الحزب الوطني الديمقراطي إلى جانب حزب الاستقلال وبعض الأحزاب الأخرى بإجازات رسمية, كما منعت قوى أخرى من تأسيس أحزابها, كما حصل مع حزب التحرر الوطني باعتباره الواجهة العلنية للحزب الشيوعي العراقي.
لجأت قيادة الحزب الوطني الديمقراطية في العديد من المرات إلى تجميد نشاط الحزب, إما احتجاجاً على سياسات الإرهاب التي كان النظام السياسي الملكي يمارسها وإما بسبب رغبة قيادة الحزب تجنيب الأعضاء والمؤيدين الملاحقات القمعية والاعتقال والتعذيب والسجن, وخاصة في فترات إعلان الأحكام العرفية. وكان يعود للعمل بعد فترة من الزمن وبعد أن تهدأ الحالة الأمنية.
لعبت صحيفة الحزب الوطني الديمقراطي (الأهالي) دوراً مهماً في الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة من سياسات الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي, وكانت منبراً مفتوحاً للقوى الديمقراطية والقوى المدافعة عن الحريات العامة والديمقراطية والسلام.
شارك الحزب الوطني الديمقراطي, ومعه الحزب الشيوعي العراقي بدور مهمٍ في تأسيس جبهة الاتحاد الوطني التي كان من بين أبرز إنجازاتها التحضير الفعلي مع تنظيم الضباط الأحرار بقيادة عبد الكريم قاسم لانتفاضة الجيش ومن ثم في اندلاع التأييد الجماهيري الواسع لحماية الانتفاضة وتطويرها إلى ثورة وطنية ديمقراطية فعلية. ولكن الثورة وبعد أكثر من عام ونصف العام تقريباً انتكست نسبياً ثم تعرضت لانقلاب دموي كاسح.
حين أدرك رئيس الحزب كامل الجادرجي بوضوح وفي فترة مبكرة, أي في العام 1959, الخلل الملموس في مسيرة الثورة وعدم رغبة العسكريين بترك الحكم والعودة إلى ثكناتهم وتسليمه للمدنيين ووضع دستور دائم وحياة برلمانية حرة ونزيهة وإطلاق حرية الأحزاب في ضوء قانون ديمقراطي, وحين شعور بالعاقب الوخيمة لهذا السياسة, كف عن تأييد سياسة عبد الكريم وسحب ممثلي الحزب من الحكومة, وحين رفض البعض, وعلى رأسهم محمد حديد, ثاني شخصية في الحزب الوطني الديمقراطي, الالتزام بقرار الحزب, بادر محمد حديد إلى تشكيل حزب جديد في العام 1960. أطلق على هذا الحزب اسم "الحزب الوطني التقدمي" وواصل العمل مع عبد الكريم قاسم حتى النهاية المرة والحزينة. وقد أضعف هذا الانشقاق الحزب الوطني الديمقراطي وأعاق مسيرته لأن قاسم كانت له شعبيته حتى بعد أن ارتكب الكثير من الأخطاء التي ساهمت في تلك النهاية المرة والدموية. وكانت غالبية أعضاء الحزب, أثناء عقد المؤتمر لمعالجة المشكلات المثارة حينذاك, إلى جانب كامل الجادرجي, إذ حصل على أعلى الأصوات ولم يحظ محمد حديد, الذي تغيب عن المؤتمر بحكم استقالته من الحزب قبل ذاك إلا بعدد ضئيل من الأصوات (85) صوتاً مقابل 783 صوتاً لصالح كامل الجادرجي.
لم يستطع الحزب بعد سقوط الجمهورية الأولى من النهوض الفعلي على قدميه وتعطل عمله, رغم وجود حاجة فعلية لوجوده ونشاطه. كما انتهى عمل الحزب الوطني التقدمي.
ومنذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 أعاد الحزب الوطني الديمقراطي نشاطه ببطء شديد وضعف ملموس بعدد قليل من الأعضاء القياديين والمؤيدين. ولم تمر فترة طويلة على بدء عمله حتى انشق هذا الحزب لأسباب ذاتية وأنتج عملياً حزبين يحملان نفس الاسم تقريباً ونفس التاريخ والتراث والمهمات. وقد هذا الأمر إلى إضعاف الحزبين. والأسئلة التي تدور في بالي وحاورت البعض من أعضاء هذا الحزب القياديين هي: هل يمكن إعادة وحدة هذا الحزب؟ وهل يمكن النهوض ثانية وبناء حزب وطني ديمقراطي يستطيع العمل بين صفوف الفئات البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة والمثقفين وغيرهم من فئات المجتمع التي يستطيع تبني مطالبهم والدفاع عن مصالحهم وطرح برنامج جديد ينسجم مع واقع المجتمع وحاجاته في المرحلة الراهنة؟
كان هناك تأييد من البعض للأفكار التي طرحتها, وأنا لست معنياً بعضوية هذا الحزب, بل معني بوجوده لأنه يشكل حاجة ماسة في أوضاع العراقي الراهنة أولاً, ولأني أدرك بأن المرحلة التي نمر بها تستوجب وجود حزب من هذا النوع يستطيع أن يتبنى مطالب فئات عديدة من المجتمع العراقي وينهض دفاعاً عنها ويعبئ الناس حوله لهذا الغرض ثانياً, وهو القادر على منافسة القوى التي عبأت حولها فئات اجتماعية غير قليلة ولكنها غير مؤهلة للدفاع عن مصالح فئات المجتمع لأنها ذات وجهة طائفية مقيتة تشق وحدة الشعب ولا توحده.
إن وحدة هذا الحزب ضرورية لأسباب ترتبط بواقع إن أهداف الحزبان المنشطران واحدة وأساليب عملهما واحدة والقوى التي يسعيان لكسبها والدفاع عنها واحدة. والاختلاف بينهما يدور حول القيادة, وهي المشكلة التي يفترض حلها لصالح العمل الجماعي لقيادة هذا الحزب وربما التناوب على رئاسة أو سكرتارية أو الرئاسة المزدوجة للحزب مثلاً.
أدرك جيداً بأن الحزب الوطني الديمقراطي يحتاج إلى شبيبة تحقن الحزب بدماء جديدة وحيوية وذات مبادرة , وخاصة قيادة هذا الحزب التي أغلب أعضائها من كبار السن الذي يحملون خبرة نضالية طويلة, ولكن وحدها غير كافية لقيادة حزب وطني ديمقراطي, إذ إنها لم تعد قادرة في الوصول إلى فئات المجتمع أو خوض النضال اليومي الجماهيري, وهو أمر طبيعي وسنة الحياة. لهذا فهي بحاجة إلى شبيبة من النساء والرجال في القيادة وفي الكوادر الأساسية والقاعدة, رغم المصاعب الكبيرة التي تعترض طريق النضال اليومي بالعراق خلال هذه الفترة, ولكن طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم والأخطاء الفاحشة التي يرتكبها يومياً في غير صالح الجماهير ووضع البلاد على حافة الهاوية والحرب الطائفية هي التي تفتح للكثير من القوى السياسية الجادة مجالات واسعة للعمل وتعبئة الناس ضد هذه السياسات وضد المحاصصة الطائفية المقيتة وضد التصعيد الطائفي المقيت الجاري من الأطراف الحاكمة. كما أن وجود جزءا الحزبين في التيار الديمقراطي يفسح لهما في المجال إمكانية الحوار للوصول إلى عمل مشترك في البداية ومن ثم التفكير في التوحيد اللاحق أو الاستمرار معاً على طريق النضال المشترك. ويساعد العمل الجبهوي الراهن على توفير أرضية صالحة لتوسيع قاعدة الحزبين والمؤيدين لهما كما تفتح ذات الإمكانية لبقية قوى التيار على العمل والتوسع والتعبئة النضالية.
إن "شعار قووا تنظيم الحركة الوطنية تتعزز قدرات القوى والأحزاب المشاركة فيها" يصبح يوماً بعد آخر, شئنا أم أبينا, وفي ظروف العراق الملموسة, أكثر أهمية لكل القوى الوطنية والديمقراطية العراقية دون استثناء.
إن على شبيبة الحزب الوطني الديمقراطي الأن تأخذ على عاتقها مهمة الانفتاح على الشعب ورفع شعارات تعبر عن مشكلات وحاجات ومصالح الفئات الاجتماعية وهي التي يمكن أن تكون مع بقية القوى الوطنية والديمقراطية حمالة مبادئ وأهداف ومهمات المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. إن ضعف هذا الحزب بجزئيه هو ضعف للحركة الوطنية الديمقراطية العراقية, وضعف لقاعدتها الاجتماعية ولقدراتها مجتمعة على تحقيق المهمات التي يسعى إليها التيار الديمقراطي ومواجهة الأوضاع والقوى الراهنة بصوت مسموع وإذن صاغية.
إن على الحزب الوطني الديمقراطي أن يشخص الحلقة الرئيسية في ضعفه الراهن, وأن يسعى لدراستها بعمق وشمولية ومسؤولية وأن يخرج باستنتاجات قادرة على إخراج الحزب من أزمته الراهنة, التي تتجلى في ضعف قاعدته الشعبية وضعف موارده واعتماده على أموال قادته التي لا يفترض أن تكون أساساً لعمل الحزب ودوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
إن حمل الشعارات الاقتصادية, ومنها التصنيع وتحديث الزراعة وبناء الاتصالات الحديثة والحد من تجارة الاستيراد وإغراق الأسواق المحلية بالسلع الأجنبية التي تعطل التصنيع المحلي وتصريف المنتجات المحلية, يمكنها أن تكون الطريق الموصل لأوساط البرجوازية الوطنية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة, إضافة إلى شعارات الحرية والحياة الديمقراطية...الخ.
إن انتماء أعضاء جدد للحزب الوطني الديمقراطي يحملون تجارب غنية في العمل السياسي ومعارف جيدة, إلى جانب مجموعة مهمة من الشبيبة الواعية والفاعلة والمؤثرة, سيكون في مقدوره المساهمة في حل المعضلات الراهنة وتجاوز الأزمة الفعلية التي يعاني منها هذا الفصيل الوطني المهم وسيتغلب على انشقاقه من خلال انشغاله بالعمل مع الجماهير وكسب الناس والتأييد بدلاً من الصراع على المواقع القيادية في الحزب.
إن مقالتي هذه تنشد الخير لهذا الحزب, وهو خير لكل القوى الديمقراطية والتيار الديمقراطي العراقي, وهي مسؤولية الجميع في مساعدة كل القوى المشاركة في التيار الديمقراطي على النهوض بأعباء المرحلة ومهماتها من خلال معالجة مشكلاتها والنواقص التي تعترض سبيل عملها وتطوير الجوانب الإيجابية المشرقة في نشاطها وعلاقاتها بالمجتمع ومشكلاته وطموحاته الكبيرة. إن تعزيز قوى التيار الديمقراطي هو الطريق للخلاص من الواقع المؤلم والخطر الذي يمر به العراق من جراء السياسات المدمرة التي تمارسها القوى المشاركة في حكم البلاد.
1/6/2013 كاظم حبيب