كلمات القدرة ولغة الضاد

محمد حسين يونس
2013 / 1 / 11



قدماء كهنة مصر كانوا يعتقدون أن لكل كائن في الوجود اسم سرى من يعرفة يستطيع بواسطته التحكم في صاحب هذا الاسم يخضع له ،يضبط سلوكه ويستطيع تسييره وفقا لارادته .
وكانوا يعتقدون أن بارىء هذا الكون الاله خالق نفسه سواء كان رع ، أمن ،أتن ،خبرى أو بتاح يمتلك شفرة هذه الاسماء ويستخدمها هو أومن يوكل اليه من الكائنات المقدسة ادارة جزء من هذا العالم طبقا لارادته.
فالرب الذى يعلم السر وما يخفي ، الذى وفقا لارادته تتحرك الالهه ، البشر ،الكائنات،الكواكب ، الشمس والقمر ،القادر علي أن يقول كن فيكون من اللاشيء شيء،يحي ويميت ،يسعد ويشقي ،يصيب عبيدة بالمرض و يجعلهم يبلون منه ،يهب من يشاء ويحرم من يشاءمن نعمه، كانت اداته للقيام بهذا هي كلمات القدرة التي لم يمنحها الرب الاعظم الا لتاسوعه من كبار الارباب مثل تحوت الذى يضبط بها مع قرينته ماعت إنتظام ايقاع حركة الافلاك بالسماوء ،الرياح ، الامواج ويسقط الامطارويبعث بواسطتها(اى كلمات القدرة ) بنسمة الفجر الندية مع كل طلعة للرب من المشرق كل صباح ،او لشو رب الهواء والعواصف ، تفنوت ربة الرطوبة و الندى ، نوت ربة السماء او رب الارض اكر .
الرب الاكبر(رع) كان يعرف مصير وحركة كل خردلة في الكون يسيرها طبقا لمشيئته سبحانه عن طريق النطق بالكلمات،فالمصرى القديم كان يعتقد أن للكلمات تأثير السحر بل هي سحر مبين يخضع الاخر لسلطة من يتقن النطق بها وكان يقدس ايزيس لانها الربة التي مكرت برع وعلمت منه اسمه السرى فاستطاعت بواسطته ان تمتلك فنون السحر و الطب و علاج الامراض .
بعيدا عن حواديت الكهنة كان للكلمة المنطوقة والمكتوبة قدرة (في ارض الواقع )علي خلق الوعي بالوجود بعد أن كانت السبب في تحويل حيوانا غرائزى السلوك الي بشري يفهم معني الرمز ومدلولات الكلمات، يتحاور وينقل خبرته ورؤيته ورغبته الي الاخرمن خلال الكلمات يسجل تاريخا تستوعب مفرداته الاجيال التالية ،يرتقي في سلم التحضركلما اتسعت مفرداته اللغويه و تنوعت وبرع في استخدامها حتي اصبح انسان هذا الزمن الذى يمتلك ذكاءا -اختص به بني البشردونا عن باقي الكائنات المحيطة-لم يمتلكه الا ارباب الازمان الغابرة.
اللغة والرمز هي التي خلقت الانسان وميزته عن السائمة ولكل عصر لغته التي تتغير ،تتطور وتتدرج بتطور ادوات الانسان ،بمعني لو اننا قلنا انترنيت منذ ثلاثة عقود (لاتزيد) هل كان بمقدور السامع حتي لو كان استاذا عالما ان يستوعب ما يستوعبة طفل اليوم الذى يدرس منذ اللحظة الاولي بواسطة البرامج و الكمبيوتر. علي الجانب الاخر عندما نقول (غثاءا أحوى) هل يفهم غالبية الناطقين باللغه العربية معناها دون الرجوع الي المعاجم و القواميس .
وكما ان لكل عصر لغته فله ايضا بصمته علي البشر .. فاليوم لا يمكن ان يوجد في الفراش لدى الاغلبية من سكان المدن و الارياف حشرة البق و قد كانت منتشرة منذ نصف قرن او نجد في شعر الصبية والبنات قمل وصئبان و هو كان جزء من مكونات شعر سكان بادية ما قبل البترول بشكل وبائي وذلك لتقدم فن الوقاية والعلاج و انخفاض ثمنها بحيث اصبح في مقدور افقر الفقراءأن يذهب للطبيب فيدله (بواسطة اللغة )علي اسلوب حماية شعر الابناء من الحشرات المؤذية .علي الجانب الاخر لو ان شخصا ما عاد الي عصر الخلافة العثمانية وهو يمتلك كومبيوترا مبرمجا باحدث انواع الموسيقي والافلام و الرسومات و التواريخ و المعلومات .. كيف سيستقبله الخليفة ورجاله وهل سينجو من سيف مسرور السياف بصفته ساحرا شريرا .
حضارة البشر التي اساسها الرمز و اللغة التي ادت الي تطور المنطق والفلسفة بشقيها الميتافيزيكي و القيمي( من حق وخير وجمال ) نمت وتطورت بفضل توريث ونقل خبرة الاجداد الي الاباء و الابناء(و هو ما لم يحدث لباقي الكائنات فستجد ان ذبابة او بعوضة اليوم تكرر نفس مسار حياة جدتها منذ خمسة عشر قرنا فيما عدا تاثرها البيولجي بالمبيدات الحديثة التي لم تكن معروفه في ذلك الزمن) إن اضافة كل جيل بما يتناسب مع تطورات العلوم والفنون في زمنه في تراكم صاعد متكامل لا يتوقف هو ما تسبب في خلق حضارة الانسان حتي اصبح ابن اليوم يتمتع بوعي وذكاء لم ينله الاقدمون الا قليلا .. فلنتخيل ان شابا حاصل علي الثانوية العامه اوروبية (وليست مصرية) جلس اليوم مع جاليليو او كوبرنيكس ليتحدثا في قوانين الطبيعة والكون .. فان العالم العظيم سيبدو غرا ضعيف الذكاء امام الشاب الذى اصبح متأكدا من ان الارض كروية وتدور في مدار حول الشمس التي هي نجم صغير في سكة اللبانة التي هي مجرة متوسطة الاتساع بين مليارات المليارات من المجرات المعروفة حتي الان .
و بنفس المنطق تخيل ان شابا صغيرا ركب الة الزمن وعاد لخمسائة سنة فاصبح في زمننا، كيف سيرانا و هو يشاهد ادواتنا البدائية تعرض مشايخ السلفيين وهم يتقيأون مواعظهم علي شاشات الفضائيات وكيف سيتعامل مع من سيدعوه الي الصلاة و الا عاقبة وضربه وسجنه باسم الشريعة في الغالب سيواجههم بنفس منطق كولومبوس عندما تعامل مع سكان امريكا الاصليين او قد يعتبرهم حفريات اصولية تستحق ان يعود ببعض منها الي زمنه ليدرس كيف كانت راس البشر في القرن الحادى و العشرين اقرب للتوحش الحيواني منها للانسان. إن استمرار التطور الكمي لمنجزات العلوم والتكنولوجيا سوف ينتهي الي تغير نوعي يشبه ذلك الذى حدث للهومواريكتوس فانتصب و تكلم وابتعدعن المملكة الحيوانية أى ان ذكاء المستقبل سينتج عنه بشرا اقرب للسوبر يفرق ذكائهم عن ذكاء الانسان المعاصر بنفس النسبة التي تفرق ذكائنا عن الشمبانزى .. الهه الاولمب وهليوبليس و بابل واشور ستتجول ثانيا علي الارض تنطق بكلمات القدرة فتتغير المصائر و الاقدار.
في كل زمان كان هناك دائما ثلاثة احزاب حزب التأخر يحاول تثبيت اللحظة و العودة الي الماضي السعيد عندما كان لازال جنينا في رحم الام الحاضنة و اخر يتقدم الركب منطلقا نحو افاق المستقبل بروح التحدى و المغامرة والصراع مع معطيات اليوم لاستخراج قوانين باكر و الجزء الاكبر من الساعين بينهما يحمل أفراده بعض من صفات الحزبين بنسب متفاوته.
عندما تتحرك الجماعة الوسطيه في اتجاه الحزب الرجعي تنتكس الامة وتأسن و تتحلل و يتوقف نموها و مساهمتها في التطور البشرى .. و العكس اذا كانت الجموع ساعية خلف المطالبين بالتغيير و التطوير .
في بلادنا عندما فقدت لغتنا تطورها وتوقف ابداعها واسنت مكتفية بانجازات الزمن الذهبي السعيد، تحفظ الشعر الجاهلي والمعلقات والفيات ابن مالك والادعية المستجابة لكل مناسبة وتفسيرات سيادة الشيخ الوزير.. متجاهلة اللغة الراقية لانتقادات طه حسين لاسلوب التعليم العقيم في الازهر.. توقف المجتمع معها و ما لبث الا ان دار للخلف يبغي العودة الي رحم الخلافة الامن الذى سيفقد فية الفرد الاراده الا ما تقدمه له مشيمة الرحم من اسباب الحياة.
تطور لغه الام ( العامية المصرية) سار متزامنا مع التغييرات التي حدثت للطبقات الحاكمة و المسيطرة اقتصاديا خلال النصف قرن الماضي، فالحرية و الاشتراكية والوحدة التي صاحبت سنوات الحكم الناصرى وكلمات الميثاق المتزنةعن العمل حق، العمل واجب، العمل حياة اوعن وحدة القوى العاملة وتحمل المسئولية عند الانضمام للتنظيمات السياسية ، أغاني العمل والصمود و مقاومة الاستعمار، تناقصت تدريجيا لتترك مكانها لاحاديث الانفتاح الاقتصادى و من يمتلك قرشا يساوى قرشا و المسرح المتزن للطليعة حل محلة مسرح الفودفيل و المسخرة لتلبية احتياجات المستهلك العربي الجاهل وذوق الطبقات الصاعده من اغنياء الحرب والحرفيين ، الموسيقي الكلاسيك والبالية تحولت الي رقصات الكباريهات و دقات الزار التي تتوافق مع الثقافة السائدة المدرة للاموال ، و بدأت لغة الشارع تنحدر نحو السباب و الالفاظ الخارجة وسفالات لغة الجنس المكشوفة و تلميحات التجار لتسود حالة من الانتهازية وفقد الانتماء والجشع لامتلاك اكبر قدر من الفوائد علي حساب مصلحة الامة .. حالة التلوث المجتمعي الذى صاحب الانفتاح ترك مكانه لدراويش السلفيين و تجار الاخوان لتبدأ لهجة تضطهد المرأة و الاقباط و تحارب العلمانية و الليبرالية و لتخرج لنا دستورا لم تشهد اكثر دول العالم تخلفا مثيلا له حتي ان باكستان تبرأ قادتها من سلوك نفس طريق الاخوان المصريين .
الانتكاس والعودة الي اسلوب حياة السلف الصالح ..تحول الي مكابح توقف حركة العربة المتحركة للامام ثم العودةبها الي القهقرى .. فالساسة الجدد عندما نظروا للخلف لم يقرأوا الا ثلاث اتجاهات .. الاول كان الخداع و المغالطة كما فعل عمرو بن العاص مع ابو موسي الاشعرى .. لقد اتفقا علي خلع معاوية والخليفة(علي)، مندوبيهما في التفاوض ،و خرج الكهل ابو موسي علي الناس يقول خلعت (علي) كما اخلع هذا الخاتم من اصبعي وبعده خرج الشاب عمرو قائلا خلعت (علي) كما اخلع الخاتم من اصبعي وأثبت معاوية كما اثبته في اصبعي ثم اعاد لبس الخاتم .. لتشتعل حروب لم تنتهي حتي اليوم .. الاخوان والسلفيين فعلوا نفس المستوى المتدني من الخداع قالوا لا نطمع في الحكم و لن يكون لنا الا نصيبا محدودا اذا ما خلعنا مبارك فقام المعسكر الليبرالي بخلع (علي) أقصد مبارك و هنا ثبت معسكر الخداع( معاوية) أقصد المرشد .
الاتجاة الاخر هو الانتصار بالرعب .. فالمسلمين الاوائل اشاعوا في شبه الجزيرة العربية رعبا من قوتهم جعلت القبائل و الاحزاب تسعي لمناصرتهم و التوحد معهم حتي لو كانوا غير مقتنعين او ضامرين للخيانة .. و من خلال الرعب استطاعت قريش تجنيب الانصار و القبائل المناصرة بعيدا عن مناصب القيادة و تهميش دور قبائل اليمن وحضرموت .. و احتلال كل منافذ السلطة بواسطة رجالها لتنفجر الخلافات بعد ذلك و تتشرذم الجماعة الغازية بين شيع و بطون بحثا عن المغانم فتقوم بينها حروبا ودسائس و استعانة يقوى خارجيه لازالت قائمة حتي اليوم .. الاخوان فعلوا نفس السيناريو مع الانصار (السلفيين ) و همشوا الليبرالين و العلمانيين و استولوا علي الاعلام و الجيش و القضاء و ها هم يتحركون علي طريق الشرذمة و التفريق بين جميع العناصر التي خرجت منذ سنتين تنادى الشعب يريد اسقاط النظام ويعقدون الصفقات التي ستغرق البلاد في الديون من اجل ان تتكسب عصابتهم وتزداد غني ونفوذا .
الاتجاة الثالث هو العيش علي حساب الاخر والتحكم في البشر عن طريق منح وعطايا بيت المال .. لقد شرع العرب علي الموالي المحتلين ان يرسلوا الفيء للقوم المحصورين بشبه الجزيرة و كان علي الولاة استخدام كل الطرق لحلب (اللقحة ) و لم يتصور احدهم ان هناك اسلوب اخر لاقامة المجتمع يتصل بالعمل والكد ..ان الاغارة علي ما بيد الاخر اسهل و اضمن .. في بلادنا دارت الاحاديث حول تعذيب المبارك واولادة ورجال العهد القديم وخلع اظافرهم كما كان يفعل سلاطين المماليك بعد ان يقفزون علي الحكم و يجلسون علي السجادة السلطانية يرسلون السابقين الي المقشرة لفرك الكعوب و التعذيب حتي تخرج الاموال من تحت البلاطة .
الاخوة الذين احتلوا مصر لا يوجد لديهم الا الكتاب القديم يقرأون منه عن حياة متوحشة انتهي عصرها لم يعد انسان العصر يستثيغ ان يذهب الي سوق النخاسة ليعود بصبية يعبث بها و يمرمرطها في خدمته طول النهار والليل .
اللغة القديمة لم تعد تصلح فمفرداتها غير مفهومة وعندما تقول العجوز اكلت جبجبة فاصابتني زلخة فان الشابة ستنظر لها باندهاش و تتركها في حين انها لو قالت اعاني من الاسهال بعدما اكلت قطعة لحم ضاني فستعطيها الدواء .
الكلمات هي التي جعلت منا بشرا نناطح ارباب الاولمب و طيبة .. ومع رقيها وتقدمها يتقدم الانسان ،وفي القرن الحادى و العشرين نحن نحتاج للحديث بلغة انسان القرن، الرياضيات،العلوم ،الفنون ، الفلسفة ،المنطق ،اللغات الاجنبية التي يدون بها العلوم الجينيه ، الطب ،الهندسة الفضائية، حقوق الانسان وعلوم الاتصالات .
نحن في حاجه لارتياد البحار العالية نستكشف خباياها بعيدا عن البحيرات الراكدة الاسنة التي تحبسنا فيها كلمات لغة الضاد .