ساعة ونصف من المتعة والنكد

رياض حسن محرم
2012 / 10 / 20



رغم أن فكرة الفيلم قد تكررت كثيرا فى العديد من الأفلام العربية والأجنبية الا أن القصة والاخراج صاغاها لنا فى اطار معاصر يعكس لقطات أشبه بالتسجيلية من واقع مهزوم وشديد المرارة، وقد نجح المخرج وائل احسان رغم حداثة عهده بالاخراج فى ادارة كاست كبير يتكون من عشرات الممثلين من أجيال مختلفة فمنهم من الجيل الأقدم الرائعة كريمة مختار ومن القدامى أحمد بدير وسوسن بدر ورجاء الجداوى ومحمود الجندى وهالة فاخر وانعام الجريتلى ومحمد فريد ومن الجيل الأحدث فتحى عبد الوهاب وسمية الخشاب واحمد الفيشاوى وماجد كدوانى بالاضافة الى كوكبة من الجيل الجديد الصاعد معظمهم من أبناء المشاهير الورثة لآبائهم حتى ان البعض علق ساخرا ان الصورة كانت تحتاج لعلاء وجمال حتى تكتمل.
يحاول المؤلف تشبيه مصر بقطار يتحرك على قضبان معروف ساعة وصوله وخط سيره ولكن الطريق خطر وغير مضمون وربما يمكن لبعض السلوكيات الاجرامية ان تدمر الواقع على رؤوس الجميع، ولكن يعاب على الفيلم من وجهة نظرى كل هذا الحشد من الأنماط فى اذدحام مبالغ فيه بحيث أدى الى ضعف فى التخديم على الشخصيات وعمل نسبيا الى تشتيت المتلقى وعدم نضج العمل ككل، فليس القطار سفينة نوح التى تجمع جميع الاصناف وكان يمكن الإستغناء عن بعض تلك الأنماط دون إخلال بالعمل، مثال ذلك الدور الساذج الذى لعبه أحمد الفيشاوى وماجد كدوانى بالرغم من نقله عن فكرة مماثلة الا ان حذف تلك المشاهد لم تكن تؤثر على قيمة العمل او رسالته، ولعل هذا العمل يذكرنا بفيلم الراحل العظيم صلاح ابو سيف "بين السماء والأرض" فى اشتباك مجموعة من البشر فى اسانسير لمدة مشابهه لزمن الفيلم وكذلك ايضا بفيلم "تيتانيك" المأخوذ كذلك عن قصة واقعية تنتهى بالموت الجماعى فى رحلة مأساوية غير ان المخرج "جيمس كاميرون" قد استطاع عمل فرشة اكثر تماسكا لشخصياته قبل ركوب السفينة.
لقد استطاع "أحمد عبد الله" من خلال سيناريو محكم أن يقدم رؤية إجتماعية شديدة الواقعية لعينة من البشر المسحوقين الذين يعيشون على هامش المجتمع والذين لا تساوى حياتهم او موتهم الكثير ومنهم من يتمنى الموت خلاصا لعدم قدرته على مواجهة هذا الواقع كتلك الشخصيات التى لعبها أحمد بدير وكريمة مختار وكريم محمودعبد العزيز ومعظم شخصيات الفيلم، ويثبت هذا العمل التطور الفنى لكاتب السيناريو بعد أعماله السابقة كفيلم الفرح وكباريه ومسلسل الحارة الذى ينحو ناحية ان المكان او الحدث هو البطل وليس الممثلين وتجلى ذلك بعدم تقديم الأسماء فى تتر البداية ولكن بعد نهاية الفيلم.
رغم قسوة الفيلم فإن الواقع أشد قساوة وعنفا، كانت هذه إجابة الروائى الجزائرى "محمد ديب" ردا على سؤال حول سوداوية أعماله حين ذكر ان الواقع أكثر قسوة بكثير مما يكتب، على ان اى عمل يجب ان يعطى خيطا من الأمل أو ثقبا من نور بدلا من طرح مشاكل بلا حل او املا فى المستقبل، وجاء منظر طاحونة الطعمية فى مشهدى البداية والنهاية لتدل بمباشرة تقريرية على مدى إنسحاق البشر فى المجتمعات المتخلفة، وكان واضحا أن المؤلف متعاطفا مع شخصياته التى صنعها بشكل مبالغ فيه أحيانا مثل محاولة تبريره لسرقة فلنكات القطار بأن من يصنعوا ذلك يعلمون أنه لن يؤدى الى كارثة أو ايذاء للآخرين وأن ضميرهم الحى هو الذى دفعهم لمحاولة انقاذ الركاب حتى لو ضحوا بحياتهم.
أخيرا يجب تحية جميع من صنعوا هذا العمل الجميل وعلى رأسهم المنتج الشجاع أحمد السبكى لإصراره على تقديم هذه النوعية المحترمة من الأفلام فى زمن يجبن فيه الكثيرون، كذلك كانت الموسيقى التصويرية لياسر عبد الرحمن عملا رائعا ومتناغما مع الأحداث، أيضا أدى معظم الممثلين أدوارهم ببراعة وصدق ولن أنسى دور الممثل الأردنى أياد نصار فى أدائه المتميز لشخصية الشاب الذى كان مناضلا ثوريا وكيف مسخه الواقع المرير الى بائع لكتب تافهه، والى مشاهد الماستر سين بينه والقديرة كريمة محتار.
يمكن اعتبار هذ الفيلم الجيد امتدادا لاعمال يوسف شاهين الأخيرة وعلى رأسها "هى فوضى" ولاعمال خالد يوسف وان كان تفوق عليها بخلوه من التحبيشات التجارية فى أعماله.