http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


نظرية الثورة على التبعية للرأسمالية الإمبريالية: الإرهاصات الكلاسيكية والإتجاهات النيوماركسية

تامر البطراوي

2016 / 11 / 12

إتجاه آخر سيرى أن التخلف الإقتصادي بالدول النامية يرجع بالأساس لعوامل خارجية بالرغم من اعترافه بوجود عوامل داخلية ، إلا أنه يعتبر تأثيرها لا يقارن بتأثير العوامل الخارجية وهو اتجاه مدرسة التبعية (Dependency) ، فالتخلف ليس مضاد للتنمية وإنما كلاهما نتاج عملية واحدة تقوم على تعبئة فوائض الدول النامية وتراكمها بالدول المتقدمة ، فلا دول متخلفة بدون دول متقدمة أو العكس ، وليس أدل على ذلك بأنه قبل ظهور التنمية لم يكن هناك تخلف اقتصادي بدول العالم الثالث بالرغم من وجود فقر وبالتالي فإن هذا الإتجاه يقوم على تفسير حالة التخلف بالإستغلال وتحديداً إلقاء اللوم على الرأسمالية ، ولذلك فالتبعية ترجع جذورها لروح لماركسية الكلاسيكية ، وإن كانت أفكارها تتناقض حقيقة مع الماركسية الكلاسيكية في تفسيرها للتخلف ، فبالرغم من أن الماركسية أكدت على أن الرأسمالية هي سبب النزاع ما بين طبقتي البروليتاريا والبورجوازية الرأسمالية داخل الدولة ، والسبب الأساسي للنزاعات الدولية بين الدول الرأسمالية وبينها وبين الدول الفقيرة ، إلا أنه افترض أن اصطدام الرأسمالية الصناعية بنظم الإنتاج المتخلفة بالدول الفقيرة سيؤدي إلى تحولها إلى التصنيع وتحسين وتطوير تلك النظم ، كما أنه افترض تناغم مصالح العمال على الصعيد العالمي وهو ما استدرجته الماركسية اللينينية فيما بعد ، ولذلك فالتبعية تُمثل قطيعة نظرية مع الماركسية الكلاسيكية باعتبارها ترى أن الرأسمالية الصناعية رسخت التخلف بالدول النامية ولم تسهم في تحسين وضع تلك الدول ، ولعل السبب في ذلك أن ماركس لم يتسنى تحليل واقع المجتمعات غير الأوروبية ، وقدا اعتبر الاقتصادي الأمريكي (Paul Baran) أن الرأسمالية الاحتكارية في أواسط القرن العشرين لم تقوم بأي دور تقدمي بالدول النامية ، وبدلا من ذلك فقد قامت بإعاقة التصنيع في بقية العالم غير الرأسمالي للمحافظة على الأرباح الاحتكارية في المركز الرأسمالي.
تزامنت الثورة الصناعية الثانية بأوروبا عام 1870 مع ظهور مرحلة الإمبريالية الجديدة (1870-1914) والتي اتسمت بزيادة حدة المنافسة بين الدول الأوروبية على التوسع الإستعماري خاصة ما بين إنجلترا وفرنسا من جهة وما بين ألمانيا من جهة أخرى ، حيث شعرت الأخيرة بأن انجلترا وفرنسا كان لهما السبق في اقتسام أغنى المستعمرات من حيث المواد الخام وحجم الأسواق لتصريف الفائض ، مما أدى إلى اشتعال الحرب العالمية الأولى خلال الفترة (1914 – 1918) والتي انتهت بانتصار الحلفاء (انجلترا وفرنسا والإمبراطورية الروسية) ، وبانتصار الحلفاء تفككت الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية العثمانية وتم تقاسم مستعمراتهما بين الحلفاء ، بل أصبحت أفريقيا بالكامل مستعمرات تابعة لدول الحلفاء بالإضافة إلى الهند وجنوب شرق آسيا ، وبالرغم من أن الإمبراطورية الروسية كانت ضمن دول الحلفاء المنتصرة إلا أنها انسحبت من الحرب عام 1917 لقيام الثورة البلشيفية بقيادة فلادمير لينين مما أدى إلى انتهاء الإمبراطورية الروسية ، لقد وصف فلادمير لينين هذه المرحلة الممتدة من أواخر التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين بالرأسمالية الإمبريالية (Imperialism Capitalism) (الإمبريالية هي استخدام دولة القوة العسكرية للسيطرة على دول أخرى) بمعنى الهيمنة الإقتصادية ، كما توصف أيضاً بالرأسمالية الإحتكارية (Monopoly Capitalism) (الهيمنة على الأسواق خارج حدود الدولة عن طريق الشركات متعددة الجنسيات) أو الرأسمالية المالية (استثمار البنوك لأموالها في مختلف الأنشطة الاقتصادية) وذلك عام 1917 بكتيبه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" (Imperialism: the Highest Stage of Capitalism) حيث قدم لينين "نظرية الامبريالية" (Imperialism theory) كرؤية بنيوية للعلاقات الإقتصادية الدولية تقوم على علاقات الأطراف والمركز ، قسم من خلالها الإقتصاد العالمي إلى بنية ثنائية تتكون من مركز مهيمن يستغل المجموعات الطرفية الموجودة على هامش البنية ، وقد اعتبر لينين أن الإمبريالية الإقتصادية هي أعلى مراحل الرأسمالية ونهايتها ، كما لاحظ أن تحول الفائض لدول المركز أدى إلى تحسن أوضاع البروليتارية بدول المركز عن وضع البروليتاريا بدول الأطراف مما أعاد النظر في نظرية ماركس بتناغم مصالح العمال على المستوى العالمي.
في حين أن نظرية الإمبريالية اللينينية ركزت على فهم طبيعة المرحلة التي انتقلت إليها الرأسمالية الصناعية بالدول الغنية ووصفتها بمرحلة الإمبريالية واعتبرتها أعلى مستوياتها وآخر مراحلها (تعمل فيها الرأسمالية على تعبئة فوائض دول الأطراف وتحويلها إلى دول المركز) إلا أنها لم تركز بنفس القدر على تحليل مرحلة التخلف بدول الأطراف والتي اعتبرتها نتاج تاريخي لا نتاج إمبريالي ، بل على العكس تبنت رؤية ماركس بكون اصطدام الرأسمالية الصناعية بنظم الإنتاج المتخلفة من شأنه تحسين تلك النظم ، ومن هنا كانت النظرية اللينينية للبنية الثنائية ما بين الطرف والمركز مجرد تمهيد للتبعية لاحقاً.
لم يمضي عَقْد من الزمن على نظرية الإمبريالية (1917) حتى ظهرت أزمة الكساد الكبير ما بين عامي 1929 و 1939 ، والتي لفتت الأنظار إلى الأثر الإقتصادي الذي يلحق بدول الأطراف في حالة تأثر دول المركز ، وما أن إنتهى الكساد الكبير حتى تورط العالم في الحرب العالمية الثانية عام 1939 والتي استمرت حتى عام 1945 والتي أدت هي الأخرى إلى تبعات اقتصادية ضخمة على دول الأطراف تبعاً لما لحق بدول المركز الرأسمالية ، ساهمت تلك التغيرات في توجيه الفكر الإقتصادي نحو تحليل الآثار الفعلية للدول الرأسمالية وهي دول المركز على الدول النامية دول الأطراف ، فظهر عقب الحرب العالمية الثانية تيار من الإقتصاديين البنيويين الذين عملوا على تفسير ظاهرة التخلف بالدول الفقيرة والمتأخرة والتي أطلقوا عليها دول العالم الثالث ، حيث رفضوا نظرية ماركس ولينين بكون اصطدام الرأسمالية الصناعية بالدول الفقيرة سيؤدي إلى تحديث نُظم الإنتاج بها لأنها لم تتسق مع معطيات الواقع ، إلا أنهم بنو نظريتهم في تفسير التخلف على البنية التي قدمتها نظرية الإمبريالية اللينينية المركز والأطراف حيث اعتبروا أن تلك العلاقة هي السبب الرئيسي في تخلف الدول النامية ، وبذلك تحولت الإمبريالية من وسيلة لفهم مراحل الرأسمالية إلى وسيلة لفهم التخلف.
ظهرت نظرية التبعية لأول مرة عام 1949 وانتشرت بالخمسينات ، وقد وصفت التبعية التي عُرفت في تلك الفترة فيما بعد "بالتبعية الكلاسيكية" (Classical Dependence) والتي قل النشاط البحثي حولها بالستينيات بسبب المناخ الثوري الذي ساد دول العالم الثالث ، ليتسارع النشاط البحثي حولها مرة أخرى بالسبعينيات والثمانينيات وينقلها إلى طور جديد ، خاصة مع أعمال فوستر كارتر 1947 - معاصر (Foster Carter) والذي قدم التبعية في قالب جديد ميزه عن التبعية الكلاسيكية عُرف بالتبعية الجديدة (New Dependency) أو "الماركسية الحديثة" (Neo-Marxism) وذلك من خلال دراسة قدمها عام 1973 بعنوان "الاتجاه الماركسي المحدث في التنمية والتخلف" والذي اعتبر فيها أن العالم وِحده كليه وأن التنميه يجب أن تنبع من أهداف قوميه.
ظهرت نظرية التبعية لأول مرة عام 1949 بنشر بحثين مُستقلين لكلاً من الإقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبش 1901 – 1986 (Raúl Prebisch) رئيس مدرسة الوكالة الإقتصادية لأمريكا اللاتينية التابعة للأمم المتحدة ECLA (United Nations Economic Commission for Latin America and the Caribbean) ، والإقتصادي الألماني هانس سينجر 1910 – 2006 (Hans Singer) "تلميذ كينز" بجامعة كامبريدج والمدير الإقتصادي بمنظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة (UNIDO) ، فيما يُعرف بأطروحة سينجر بريبش (Prebisch–Singer thesis) أو نظرية "التبعية الكلاسيكية" (Classical dependency theory) ، حيث لاحظ كلاً منهما أن معدلات التبادل التجاري بين الدول المتقدمة والدول النامية تدهورت مع مرور الزمن ، اعتبر راؤول بريبش أن التجارة الدولية بين دول المركز والأطراف تعمل على تعطيل التنمية الصناعية في المحيط لصالح المركز (CORE) ، وذلك بدفع دول المحيط (Periphery) في التخصص في إنتاج المواد الأولية وتصديرها بأثمان قليلة لدول المركز ثم مقايضتها بالمواد المصنعة بالمركز بأثمان باهظة مما يعمل على تواصل تدفق المنافع من المحيط للمركز والذي يؤدي في النهاية إلى التخلف الإقتصادي بدول المحيط ، وقد اقترح بريبش سياسة تصنيع احلال الواردات.
أما التبعية الحديثة أو النيو ماركسية فقد ظهرت أفكارها ولأول مرة مع كتابات الإقتصادي الأوكراني الأمريكي الماركسي "بول باران" 1909 – 1964 (Paul Alexander Baran) والذي وضع التبعية الكلاسيكية بقالب ماركسي ، وذلك من خلال كتبه "الإقتصاد السياسي للتخلف" عام 1952 ، والإقتصاد السياسي للنمو عام 1957 ، حيث طرح باران أن التخلف هو نتاج للرأسمالية نفسها ، وليس نتاج لأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية التي كانت تهيمن في البلدان المتخلفة ، وقدم إلى ذلك بمقدمة مفادها أن استغلال الدول النامية لم ينتهي باستقلالها وانتهاء الحكم الإستعماري ، بل إن الإستقلال في أغلب الأحوال لم يكن سوى تغيير للحكام الغربين مع بقاء تبعيتها للدول الرأسمالية والتي ظلت تتحكم بها من الناحية الاقتصادية من خلال الشركات المتعددة الجنسية والتي قامت بفتح فروع لها داخل دول العالم النامي مستغله رخص الايدي العامله وتوفر المواد الخام لتصبح هي المسيطرة على اقتصاد تلك المجتمعات ، وأن الرأسمالية عندما اصطدمت بالمجتمعات الفقيرة لم تعمل على تحديث نظم الإنتاج المتخلفة كما افترض ماركس ، بل عملت على ترسيخ التخلف وإعاقة التصنيع والذي أفرز بدوره علاقة تبادل لامتكافئ كآلية لإمتصاص فوائض القيمة من الدول الرأسمالية الفقيرة لصالح الدول الرأسمالية الغنية ، وبذلك فقد اعتبر أن تطور الرأسمالية قد أدى إلى انشطار العالم إلى شطرين وهما؛ الدول الرأسمالية المتقدمة بالمركز والدول الرأسمالية المتخلفة بالأطراف ، والتفاعل بين هذين الشطرين يتم على ثلاثة مستويات وهي التجارة وحركة الفائض والهيمنة السياسية ، وقد اعتبر أن الطريق تحقيق التنمية هو التخلي عن السياسات الرأسمالية في الدول المتخلفة وتبني سياسات التخطيط الإقتصادي الشامل ، إلا أن ذلك التخطيط لا يمكن القيام به في ظل مجتمع تسيطر عليه القوى الإستهلاكيه ، وبذلك فقد أضفى باران على التبعية الكلاسيكية الجانب الماركسي كتمهيد للإضافات اللاحقة بدءً من أعمال كاردوسو وفاليتو.
ففي عام 1965 ظهر بحث مشترك بعنوان "التبعية والتنمية بأمريكا اللاتينية" (Dependency and Development in Latin America) بين عالم الإجتماع البرازيلي فرناندو هنريك كاردوسو (Fernando Henrique Cardoso) أستاذ العلوم السياسية والإجتماعية في جامعة ساوبولو والذي أصبح رئيساً للبرازيل خلال الفترة من 1995 وحتى 2003 ، والمؤرخ الشيلى أينزو فاليتو 1935 – 2003 (Enzo Faletto) ، وقد رفض البحث الإتجاه الكلاسيكي البنيوي لمفهوم التبعية على أنها مجرد علاقة ما بين إقتصادين أحدهما تابع والآخر مُسيطر ، واعتبر التبعية تعبيرا عن مجموعة من الأنساق التي تخدم أهداف السيطرة الرأسمالية بالتوافق ما بين مصالح الرأسمالية المحلية والدولية والتي يتحداها من الجهة الأخرى الطبقات الواقعة تحت السيطرة.
وفي عام 1967 نقل المؤرخ الإقتصادي الألماني الأمريكي أندريه غوندر فرانك 1929 – 2005 (Andre Gunder Frank) نظرية التبعية إلى عالم الإنجليزية ، لتصبح كتابات فرانك السبب الرئيسي في نقل نظرية التبعية من أمريكا اللاتينية إلى أمريكا الأنجلوساكسونية وشهرتها بالأوساط الإنجليزية بدءً من السبعينيات ، وقد اعتبر فرانك بكتابه "الرأسمالية والتخلف فى أمريكا اللاتينية" الصادر عام 1969 ، أن العالم الثالث محكوم عليه بالركود لأن الفوائض التى يحققها تستأثر بها الدول الرأسمالية المتقدمة من خلال مؤسسات مثل الشركات المتعددة القوميات ، ليشكل ذلك التسرب المتواصل من الفائض تشوهاً متنامياً في اقتصاديات الدول التابعة فيما أطلق عليه بـ (تنمية التخلف) ، وأنه لن يتحقق النمو بتلك الدول إلا إذا قطعت صلاتها بالرأسمالية وتبنت استراتيجيات اشتراكية للتنمية خاصة بها ، فالنظام الرأسمالي أسهم في احداث التنميه في مناطق وإحداث التخلف في مناطق أخرى ، فالبلاد الأمريكية اللاتينية كانت نامية ولكنها لم تكن متخلفة ، فالتخلف يشير الى خصائص هيكلية معينة بدأت مع الدمج العنيف لهذه الدول في السوق الرأسمالي العالمي ، والذي ترتب عليه تقدم البلدان الصناعية وتخلف الدول النامية.
وفي السبعينيات بدأت تظهر الكتابات العربية بمدرسة التبعية بريادة أستاذ الإقتصادي السياسي المصري ذو التوجه الشيوعي سمير أمين (1931 - معاصر) وذلك من خلال كتاب "التراكم على الصعيد العالمي" عام 1973 ، وكتاب "التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة" عام 1974 ، وكتاب "التطور اللامتكافئ" عام 1974 ، بالإضافة إلى أستاذ الإقتصاد السياسي المصري ذو التوجه الماركسي فؤاد مرسي 1925 – 1990 ، والذي طرح في كتبه "المشاركة كشكل من أشكال الإستعمار الجديد" عام 1974 ، وكتاب "التخلف والتنمية – دراسة في التطور الإقتصادي" عام 1984 فكرة تطور الرأسمالية من مرحلة الرأسمالية التجارية إلى الرأسمالية الصناعية ثم الرأسمالية المالية أو الإمبريالية كما وصفها لينين واعتبرها آخر مراحل الرأسمالية إلا أنها تطورت إلى مرحلة جديدة أطلق عليها مرحلة الرأسمالية ما بعد الصناعية أو الرأسمالية المعلوماتية والتي يتسم الإنتاج بها بالإعتماد بشكل كثيف على المعلومات ومنافسة العمل المتجسد في التكنولوجيا للعمل الحي ، لقد اعتبر فؤاد مرسي أن الرأسمالية استطاعت أن تجدد نفسها وتنتقل إلى مرحلة جديدة انتقلت فيها من أساليب الإستعمار القديم إلى أساليب الإستعمار الحديث ، وظلت علاقة التبعية موصولة بتشكيلها لمجتمع الإستهلاك بالدول التابعة.
وفي عام 1977 أضاف أستاذ الجغرافيا السياسية الفرنسي جيرار تشالياند 1934 – معاصر (Gérard Chaliand) في كتابه "ثورة في العالم الثالث" (Revolution in the Third World) مفهوم "تقسيم العمل الدولي" لتفسير التبعية بالدمج ما بين نتائج بول باران حول الربط ما بين الإستعمار والتخلف وبين نتائج فرانك بكون دول العالم الثالث لم تكن متخلفة قبل الإستعمار ، حيث اعتبر جيرار أن استعمار الدول الرأسمالية الأوروبية قد أدى إلى ترسيخ هيكلي لتقسيم لامتكافئ للعمل ما بين دول المركز وما بين مستعمراتها بتخصيص الأخيرة في إنتاج المواد الأولية ومقايضتها بالسلع المُصنعة من الدول الأوروبية وهو السبب المباشر في تشكيل التخلف الإقتصادي بالدول النامية ، مع الإستدلال بتوصيف "الماركيز سالزبوري" وزير شؤون الهند في العام 1875 في معرض تحذيره من السياسة البريطانية المفرطة في استنزاف الهند (أن ما دامت الهند يجب أن ينزف دمها فان هذا النزف يجب أن يتم بحكمة) وبالتالي فإن ما فعلته الدول الأوروبية في مستعمراتها كفرنسا في الدول الإفريقية كغينيا ، وبريطانيا في احتكارها للثروات الوطنية لمستعمراتها هو السبب الرئيسي في تلك الفجوة وظاهرة التخلف الإقتصادي ، وقد أكد جيرار على أنه بالرغم من حصول تلك الدول المستعمرة على استقلالها السياسي إلا أنها ظلت مرتبطة اقتصادياً بالنظام الرأسمالي تبعاً للتقسيم الجديد للعمل الدولي فيما يعرف "بنظرية تقسيم العمل الدولي" ، والذي لا يقتصر على الجانب الإقتصادي فقط بل يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية ، والتي تعمل جميعا نحو هدف ترسيخ الدور الوظيفي لدول العالم الثالث بإنتاج وتصدير المواد الأولية والعمالة الرفيعة.
دمج أستاذ الإقتصاد السياسي التشيلي ريكاردو لاجوس 1938 – معاصر (Ricardo Lagos) ورئيس دولة تشيلي خلال الفترة من 2000 إلى 2006 ، ما بين نتائج بحث البرازيلي كاردوسو (رئيس البرازيل خلال الفترة 1995 - 2003) والتشيلي أينزو فاليتو "التبعية والتنية بأمريكا اللاتينية" عام 1965 بكون تبعية العلاقات الدولية تأخذ شكل الأنساق التي تخدم أهداف السيطرة الرأسمالية لا السيطرة المركزية وما بين فكرة التبعية الثقافية والعلمية التي أشار إليها الفرنسي تشالياند وذلك لتفسير المكانة داخل النسق الدولي بالريادة التكنولوجية والريادة في مستوى المعيشة ، فيما يُعرف "بنظرية المكانة الدولية" حيث اعتبر لاجوس أن المجتمعات القومية في ظل النظام الإقتصادي المعاصر تمثل نسقا بنيوياً اجتماعياً دولياً ، تتخذ فيه الدول أوضاعاً ترتيبية وفقاً لما تتمتع به من درجة الريادة التكنولوجية ومستوى المعيشة والتي بانخفاضها تنخفض المكانة الدولية ، فيما يُعرف "بنظرية المكانة الدولية" والتي طرح أفكارها في العديد من مؤلفاته لاسيما كتابه "أمريكا اللاتينية: بعض الحقائق الإقتصادية المعاصرة وقدرتها التفاوضية" عام 1980 ، وكتابه "البنية التحتية والتنمية" عام 1996.
وفي عام 1990 قدم فؤاد مرسي بكتابه "الرأسمالية تجدد نفسها" التطور الذي لحق مرحلة تقسيم العمل الدولي حيث انتقلت الرأسمالية لمرحلة جديدة وهي مرحلة "تدويل العمل الدولي" والذي أصبحت عملية الإنتاج بها شِركة ما بين عدة دول ، فلم تعد علاقة تبادل المواد الخام من الأطراف والمواد المصنعة من المركز كما الماضي ، وإنما اتجه التبادل إلى تقليل الإعتماد على المواد الأولية وتكثيف تبادل المواد المصنعة بإضافة العمل ورأس المال لا سيما العمل المتجسد بالتكنولوجيا ، إن المرحلة الجديدة التي انتقلت إليها الرأسمالية (وهي مرحلة ما بعد الصناعية أو مرحلة الثورة التكنولوجية والعلمية) أدت إلى تغيرات في الهيكل الإقتصادي العالمي بتكثيف البحث العلمي نحو تقليل الإعتماد على المواد الأولية وترشيد استخدام الطاقة وإيجاد بدائل لموارد الطاقة التقليدية وزيادة الإعتماد على المواد المُصنعة ، وبالتالي تراجع الطلب على المواد الأولية من الدول النامية ، كما اتسمت تلك المرحلة بنشر الصناعة المريضة جنوباً وهي الصناعة التي تعتمد على العمالة الكثيفة وتؤدي إلى تلويث البيئة ، بالإضافة إلى الصناعة غير الحيوية والمعدات الصناعية البالية التي تجد لها أسوقاً بالدول النامية ، ونشر الزراعة الحديثة شمالاً وهي الزراعة كثيفة رأس المال والتي تعتمد على التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية "مزرعة المصنع" ، وبذلك فقد عملت الرأسمالية في مرحلتها الجديدة وهي مرحلة التدويل على إدماج الدول النامية في إطار السوق الرأسمالية بتبعية جديدة اختلفت عن الشكل القديم للتبعية ، لتستمر معه العلاقة اللامتكافئة (نظراً لضعف قدرة الدول النامية على تطوير قواها الإنتاجية) التي يتواصل معها تشويه الهيكل الإقتصادي للدول النامية وتواصل التخلف الإقتصادي.

تامر البطراوي (2016). أبحاث في الإقتصاد السياسي، مطبعة دار السلام، الأسكندرية.

Facebook: Tamer Elbatrawy
Email: acms2010@yahoo.com


http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=537697