http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


الحسن الثاني والفلسفة والسوسيولوجيا: -العلوم الإنسانية لا تخلق إلا مثيري الفتن-

إدريس ولد القابلة

2014 / 8 / 12

ظل الملك الحسن الثاني يراقب بحذر شديد عواصف الاستيلاب الغربي والشرقي والتي كانت تجتاح المغرب . وهذا موازاة ، مع تتبع عن قرب ، المد الشيعي والاشتراكي وتنامي أفكار اليسار في الجامعة وفي صفوف الشباب. وهذا ما كان يقلق النظام بشكل واضح. إضافة إلى هذا ، كان هناك خطر آخر في سبعينيات القرن الماضي ، إنها أصداء الإيديولوجية " الخمينية" التي كرست تصدير الثورة الإسلامية إلى مختلف البلدان العربية.
إن أول اصطدام بين الملك الحسن الثاني والمتعلمين كان سنة 1965 (انتفاضة مارس 1965). كانت مظاهرات عارمة ضد الملك وقتها ادرك الملك مدى الخطورة التي تشكلها هذه الفئة الصاعدة من المجتمع. وفي هذا السياق سبق للحسن الثاني ان قال : "ليس هناك أكثر خطرا على الدولة من أشباه المثقفين"(...) كان من الأفضل أن تكونوا كلكم اميين".وفي لقاء مع أعيان الشمال المحليين خاطبهم الملك الراحل قائلا ، إنه يرتاح معهم أكثر من المتعلمين. وخلال مناظرة إفران سنة 1969 بخصوص إشكالية التعليم ، رفض قادة الإتحاد الوطني لطلبة الإمتثال لبروتوكول السلام على الملك ، مما دفع بالحسن الثاني إلى القول :"لا أريد أناسا يتأملون".
ومن المعروف عن الملك الراحل أنه كان لا يفضل في المتعلمين إلا التقنيين لأنهم كانوا بعيدين على المجال الإيديولوجي، علما أن المدرسة المحمدية للمهندسين شكلت بؤرة للمعارضة قبل أن يتم عسكرتها لتصفية الجانب الإيديولوجي فيها والحفاظ بالمستوى التقني والعلمي.
إن تعميم التعليم، يشكله الصحيح، كرافد للتنوير والحداثة وثقافة المواطنة من شأنه أن يجعل الأرضية التي تقوم عليها السلطة تتآكل مع الزمن . لذا بدأ الحسن الثاني منذ 1965 يطور التعليم التقني والمهني في مقابل الحد من تدريس العلوم الإنسانية . فكل الجامعات التي أنشأت بعد جامعتي الرباط وفاس ، كانت خالية من الفلسفة والإنسانيات.
الفلسفة مشكلة وجب التخلص منها
أجمع المتتبعون أن الفلسفة في عهد الحسن الثاني تعرضت إلى التخريب بمنعها كلية أو بتغيير برامجها للانتصار لفكر إسلامي مبثور وفق ما أراده الذين كانوا وراء هذا التخريب.
عمل الملك الراحل الحسن الثاني على تطويق الخناق على الدراسات الفلسفية بالجامعة باعتبارها مصدر "التطرف" في الحركة الطلابية، وكذا "إعدام" معهد علوم الاجتماع .
هذا في وقت كان شطط سياسة العقاب والقمع الشرس غذت ميولات متطرفة لدى عدد كبير من مناضلي ونشطاء الحركة الطلابية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ويقر المعطي منجيب، رئيس مركز ابن رشد للدراسات والتواصل وعضو اللجنة الأولى التي تكلفت بإعداد ميثاق التربية والتكوين في أواسط تسعينيات القرن الماضي – يقر أن محاربة الفلسفة وإدخال الدراسات الإسلامية الموغلة في التقليدانية إلى الجامعات المغربية ساهم في تكوين أعداء للنظام أخطر بكثير من الذين برزوا قبل إلغاء الفلسفة من التعليم العالي.
فقد أراد القائمون على الأمور ضرب الماركسيين والعلمانيين بالإسلاميين، وكان هذا تلاعب بمصير المجتمع المغربي، سيما وانه أدخل البلاد في متاهات ما زالت تتخبط في تداعياتها وانعكاساتها إلى حد الآن.ففي فترة بدا كأن القائمين على الأمور لا يرغبون فعلا أن يحط قطار المغرب على سكة التطور الفعلي، ومن ثمة الانتقال بالبلاد والعباد إلى عهد جديد تلعب فيه المعرفة الدور الأساسي لتحقيق التقدم المأمولين، سيما وأن المغاربة طال انتظارهم بهذا الخصوص .
وقبل ذلك كان التعليم الابتدائي ق تلقى ضربة ستأثر عليه على امتداد أجيال ، وساهمت في ترسيخ أسس تدني مستوى التعليم منذ الانطلاقة. إذ بعد الاستقلال اضطرت الدولة ، في ظل النقص الفظيع للأطر والموارد البشرية لتشغيل "فقهاء المسيد" ( معلمي الكتاتيب القرآنية) كمعلمين في المدارس، ولم يكن هؤلاء على إلمام بالمناهج التربوية العصرية، الشيء الوحيد الذي يتقنونه هو الحفظ عن ظهر قلب و "الزلاط" كما كانوا يفتقدون لأي مستوى ثقافي من شانه مساعدتهم على استيعاب مبادئ التكوين القصير والسريع الذي خضعوا له خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر . هكذا تم وضع مصير أجيال بين أيدي معلمين غير مؤهلين.
تعويض الفلسفة بالدراسات الإسلامية
رأى الكثير من المتتبعين أن إلغاء الفلسفة وإقرار الدراسات الإسلامية خلق أعداء للنظام لا يؤمنون بالحوار، وبذلك تعمقت الهوة بينه (أي النظام) والشباب ونخبتهم.
آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني قد صرح أن " التعليم غير منتج". والحالة هاته ، فإن المغرب لم يتمكن من تقعيد اقتصاد عصري يمكن أن يشكل رافعة للتقدم . ولاستدراك هذا النقص " الحضاري" كان لا مناص من الاستثمار في التعليم وليس تقويضه سيما وأن التعليم في المغرب ، منذ الاستقلال ، كان في وسعه خلق وحدة وطنية وهوية مغربية موحدة لولا المتاهات التي دخلت فيها البلاد على خلفية الصراع من أجل السلطة، وانغمس قطاع التعليم في التخريب من الداخل على امتداد عقود إلى أن صبحت منظومتنا التعليمية اليوم لا تعمل سوى على تكوين وتخريج المعطلين وتوسيع صفوف محتجين ومتظاهرين دائمين أمام البرلمان.
فمع اقتراب نهاية سبعينيات القرن الماضي، جمع الحسن الثاني فعاليات العلوم الدينية وطلب منهم العمل على تحصين الهوية السياسية المغربية. وكانت اول خطوة على هذا الدرب تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية في الجامعة المغربية.
ويعتبر محمد بلبشير من أبز الذين اضطلعوا بخلق تلك الشعبة مستعيرا نموذجه من الشرق الإسلامي.
كان محمد بن البشير آنذاك يشتغل في فريق محمد الفاسي ، وزير الثقافة و التعليم الأصيل.
و قد استند على مشروع العالم التونسي بن عاشور المتعلق بخلق كلية للفكر و الحضارة الإسلامية ، و هو المشروع الذي رفضه بتعنت شديد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.
ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، طرح هذا المشروع للنقاش بكلية أصول الدين بمدينة تطوان بحضور علال الفاسي و عبد الله كنون اللذان رفضا هذا المشروع رفضا مطلقا، و ذلك باعتبار أن جامعة القرويين تقوم بهذا الدور. لكن مع احتقان الوضع بالمغرب و السيطرة المطلقة التي فرضها الإتحاد الوطني للطلبة المغرب على الجامعة و شرع عز الدين العراقي ، وزير التعليم الجديد وقتئذ ، في دراسة طلب محمد بن البشير الرامي إلى خلق شعبة الدراسات الإسلامية بالجامعة المغربية . و لم يمر وقت طويل حتى أقدم الوزير على إصدار مذكرة إلى عميد الجامعة يأمره فيها بفتح شعبة الدراسات الإسلامية ، و كذلك إغلاق شعبة الفلسفة نهائيا. وهذا ما أقلق محمد بلبشير الذي رأى في هذا المنع محاربة الفلسفة ، الشيء الذي يستحسنه.
في البداية برز مشكل المدرسين ، فتم اللجوء إلى حل ترقيعي سريع ، ستكون عواقبه وخيمة على مستوى نوعية التكوين و القيمة العلمية للدروس. لقد تم اللجوء إلى تكوين المكونين ، و ذلك بإخضاع طلبة حاصلين على الإجازة لسنة من التكوين قبل التحاقهم بمدرجات الجامعة لمزاولة التعليم العالي.
ومن أجل إنجاح الإقبال على شعبة الدراسات الإسلامية عمدت بعض الكليات إلى رفض تسجيل حاملي الباكالوريا في جملة من الشعب الجديدة.
استعان المغرب ببعض الكوادر الدينية السورية الفارة من تسلط حزب البعث وكذلك ببعض المصريين، من أجل إعادة ترتيب البيت الديني الداخلي. ومن هؤلاء محمد فاروق النبهان وفاروق حمادة وعمر بهاء الدين الأميري وعبد الكريم المشهداني ومامون الكزبري ، واغلبهم من مدينة حلب السورية.
وفي هذا السياق وجب ذكر أن عمر بهاء الدين، الذي قدم إلى المغرب في غضون ستينيات القرن الماضي، كان على صلة وثيقة بالملك الحسن الثاني والدكتور الخطيب، لقد شكل مع هذا الأخير خلية عمل داخل القصر الملكي للإشراف على بلورة برنامج واستراتيجية للتصدي لليسار والتيار القومي، وذلك عبر تكثيف الثقافة الدينية في المؤسسات الدينية .
وهناك من يذهب إلى القول بأن عمر بهاء الدين الأميري كان مستشار الحسن الثاني في الأمور الدينية .
إغلاق معهد السوسيولوجيا
في بداية سبعينيات القرن الماضي أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإغلاق معهد السوسيولوجيا في الرباط، وهي الوحدة العلمية حديثة النشأة، التي كان يديرها عبد الكبير الخطيبي. ولم تشفع تدخلات بعض الشخصيات المغربية ، على غرار المحاولة التي قام بها الصحافي خالد الجامعي، رفقة عبد الجبار السحيمي، اللذين حاولا إقناع علال الفاسي بالتدخل لثني الحسن الثاني عن قرار الإغلاق، حين خاطبهم قائلا: "هاذاك المعهد جامعْ غيرْ المُلحدينْ.. غيرْ خليوْه يْتـّسدّ"، فقد تصدق النزعة السياسية لمنتسبي المعهد إلى الحقل المعرفي اليساري آنذاك، لكن وراء قرار المنع هناك أيضا اعتبارات تجد تفسيرها في الطبيعة "المزعجة" لهذا التخصّص العلمي (علم الاجتماع)، خصوصا على صناع القرار.
لقد أعلن الملك الحسن الثاني عن إغلاق المعهد الوطني لعلم الاجتماع بالرباط خلال انعقاد مناظرة إفران سنة 1970 .
فبعد الاستقلال، كانت العديد من الموضوعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية محلّ مساءلة من لدن المثقفين المغاربة، الذين كانوا يطمحون إلى تغيير مجتمعيّ مبني على فكرتـَي التحديث والعصرنة، والقطع مع جذور التخلف.
وفي سياق المغربة، التي همّت قطاعات إدارية واقتصادية واسعة، تم أيضا ربط علم الاجتماع بسياقه الاجتماعيّ، المحلي الوطني، وظهرت أصوات نادت بالقطع مع الإرث الكولونيالي، الذي طالما استخدم آليات البحث الاجتماعي بهدف الهيمنة وضبط "الأهالي" (المغاربة في عرف المستعمر). في تلك الظرفية التاريخية، سيرتبط ميلاد عِلم الاجتماع المغربي بــ "بول باسكون"، الذي جعل من هذا الصنف المعرفيّ نشاطا مناضلا، فعلاوة على تتبّع السياسات العمومية للمغرب المستقل ومصاحبتها، كان همّ "بول باسكون" ينصبّ على الدفاع عن فئات عريضة، مُهمّـَشة اجتماعيا واقتصاديا أو مجاليا، بواسطة عُدّة نظرية ومنهجية جد متطورة وقّرتها السوسيولوجيا وقتئذ. آنذاك كان البحث والالتزام السياسي، بالنسبة إليه وإلى الرعيل الأول من السوسيولوجيين المغاربة، يسيران جنبا إلى جنب، في إطار مشروع مجتمعيّ تقدمي وحداثي، وكانوا يكرسون في أبحاثهم مقولة باسكون: "إنّ المعرفة وُجدت لتغيير العالم (...) وإنّ «الدفاع عن المُزارعين والجماهير يجب أن يحرّك الباعث البحثي لدى علماء الاجتماع". وهذا ما رسخته
أعمال كل من عبد الكبير الخطيبي ومحمد جسوس وإدريس بن علي وآخرين.. لقد كان هؤلاء يجتهدون في تفكيك بنيات المجتمع التقليدي، ومن هنا بدأت تبرز الطبيعة الفاضحة لعلم الاجتماع كعلم لإماطة اللثام عن التحولات والتناقضات التي تخترق المجتمع المغربي، خاصة مع غلبة المجال القروي على الدراسات السوسيولوجية، وهو المجال الذي كان يشكل مع مطلع الاستقلال أكثرَ من 80 في المائة من النسيج المجتمعيّ. علما أن القائمين على الأمور ظلوا يحرصون على إبعاد العالم القروي من السياسة. فقد ظلت الدولة تضع خطوطا حمراءَ أمام معارضيها وغيرهم من المثقفين حتى لا يلجوا البادية المغربية.
لقد كان "باسكون " شغوفا بالمغرب، الذي ازداد في أحد سهوله وحمل جنسيته في ما بعد، حيث رأى النور يوم 13 أبريل من سنة 1932 من أبوَين فرنسيين في سهل سايس، وغداة الحرب العالمية الثانية فـُرِضت الإقامة الجبرية على والدَيه بسبب مناهضتهما نظام فيشي الموالي للنازية. فاضطرّ "بول" إلى المكوث في إحدى داخليات فاس لوحده طيلة فترة الحرب حتى الإنزال الأمريكيّ سنة 1942. وقد بقي معزولا عن أقرانه الفرنسيين، ما عدا عن أصدقائه المغاربة الذين عوّضوه الدفء الأسَري المفقود، فانكبّ على تعلم اللغة العربية، جاعلا منها لغته الأجنبية الثانية، وهو الأمر الذي سوف يؤثر لاحقا في مساره الفكري والعلميّ، ويسمح له بفهم متقدّم لـ»شفرات» المجتمع المغربي، وكذا بالاطلاع على الوثائق التاريخية للزوايا والجماعات التي قام بدراستها.
وكان المعهد الوطني للسوسيولوجيا قد أنجز دراسة قيمة أكدت أن انتفاضة مايو 1968 بفرنسا كان لها تأثير كبير ومهم على الحركة الطلابية المغربية. وهذا ما أزعج الملك الحسن الثاني كثيرا. علاوة على دراسات أخرى اهتمت بالعالم القروي بالمغرب الفضاء المحظور على الأحزاب السياسية والجمعيات.
وبعد إقفال المعهد ، خرج أحمد العراقي بافتتاحية في جريدة " لوماتان" يبرر فيها هذا القرار بقوله إن العلوم الإنسانية لا تخلق إلا مثيري الفتن.


http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=427969