http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


الدين أفيون الشعوب .... هل كانَ ماركس مُحقاً ؟

إبراهيم حسن

2012 / 7 / 31

لعلَ ابرز ما اذاعَ صيت ماركس عن غيرهِ من الفلاسفة والمُفكرين، هو مقولته الشهيره عن الدين ( الدين أفيون الشعوب ) ، والتي تعرّضت لنقدٍ شديد من قبل الاصوليين الاسلامويين وغيرهم، في حين أظهر الماركسيون أيمانهم الشديد بهذه المقولة فكراً وواقعاً، وبين هذا المد وذاك الجزر ، وبين مؤيد ومعارض ، ومتحرر ومتعصب . أتساءل هنا : هل كان ماركس مُحقاً بمقولتهِ هذه ؟ وهل كان ماركس يقصد الدين أم التدين ؟ هل كان يقصد رجال الدين ام الدين ذاته ؟

تضاربت آلاراء بهذا الخصوص، فأعداء ماركس يعتقدون انه كان قاصداً الدين ذاته، على إعتبار ان العبارة كانت صريحة في مقولتهِ. آخرون يعتقدون انه كان محقاً وانه احسن للدين ولم يسيئ له. في حين انبرى مدافعون عنه بقولهم أنه كان يقصد " المؤسسة الدينية " وليس الدين، مُمثلة بالكنيسة في اوروبا . وهي محاولة للتبرير او الدفاع جديرة بالاهتمام والبحث، وبغض النظر عما اذا كانت آلية للدفاع عن ماركس ، فإنها عبارة عن تحليل جيد ويحتاج الى دراسة : فهل كان ماركس يقصد المؤسسة الدينية عموماً في اوروبا ؟ نتيجة لما احدثته من تصدع وانهيار للقيم ونكوص ودمار في فترة ما قبل ماركس؟ و هل إن الدين أفيون الشعوب فعلا ؟ وهل المؤسسة الدينية تمارس هذه آلية من التخدير والادلجة ؟ ام إن ماركس كان مخطئاً بكافة المقاييس ؟ ام إنه كان محقاً ؟ هل كان ماركس يعتقد ان ثمة تلازماً وارتباطاً بين الدين ورجال الحُكم ؟

ان عملية التقييم في المعرفة، عملية تكاد تكون صعبة وعقيمة، وهي وان كانت عقيمة الا انها مُنتجِة، ولها نتائج قيّمة تنعكس دائماً في تعزيز البحث والتقصي والنقد. مما يُنتج حراك فكري سواء كان موضوعياً ام مُزيفاً. إن تقييم ماركس أولاً على أساس مقولتهِ هذه لوحدها يُعد نوعاً من الإجحاف بحقه. إذ أننا نقيّم ماركس على أساس ثلاث كلمات، وننسى إسهاماته الأخرى. كما انه لا توجد معايير موضوعية واضحة يحتكم إليها الجميع عند عملية التقييم، وهو الأمر الذي فتحَ المجال واسعاً أمام وجهات النظر المختلفة التي ما زالت قائمة في كثير من مجالات المعرفة إلى اليوم.
ماركس بصورةٍ عامة لم يكن مُهتماً بالبحث عن الدين وفهم طبيعته وتقييمه. فهو لم يكن متخصصاً في علم اجتماع الدين مثلاً. وهو أمر لا ينتقص من إسهامات ماركس القيّمة في مجالات أخرى. بيد إن المسألة تتعلق بمجالات معرفية متواشجة ومتشابكة تناولها ماركس في البحث. كالطبقة و الاقتصاد، والسياسة والحكم. وهو الأمر الذي ادخل ماركس – كما يرى البعض متوهماً – كباحث في الدين. الحقيقة ان ماركس استقى اغلب اراءه وأفكاره حول الدين من الفلاسفة والمفكرين في القرن التاسع عشر، كان ابرزهم لودفيغ فيورباخ، صاحب الكتاب الشهر : جوهر المسيحية ، الذي نشر لاول مرة عام 1841. فيورباخ كان يرى ان الدينَ هو مجموعة من القيم والأفكار التي ينتجها البشر خلال تطورهم الثقافي. ثم اسبغوها على قوى غيبية إلهيه فتحوّلت إلى عقائد راسخة في الذهن ومتطبّعة في الشخصية. ويبدو أن تأثير فيورباخ على ماركس كان واضحاً حتى في مقولته هذه ( الدين أفيون الشعوب).

ان ثلاثَ كلمات أطلقها ماركس قبل اكثر من قرن يجب ان لا تخيفنا كثيراً، وبالرغم من انها مزعجة ومثيرة للجماعات الاصولية، الا انها في كل الاحوال مقولة لها ما يبررها حينما اطلقت ولها ظروفها، ولقائلها رؤيته التي يجب أن تُحترم. كما إن عملية الرد على ماركس ينبغي أن لا تكون هجومية، بل يجب أن تكون طريقة بحثية ممتعة، تنطلق من تصور موضوعي لهذه المقولة ومحاولة إثبات صحتها من خطأها. مع اختيار الميدان الدراسي الذي يجب ان تجرى فيها بدقة.

قرأتُ كثيراً عن تفسير موضوعي لهذه المقولة، وقد اختلفت الاراء فيها بإختلاف الاطر المرجعية التي تتحكم في وجهة نظر الكاتب ، لكن أعجبتني الطريقة التي يفكر فيها ضياء حميو، في مقال نشره في الحوار المتمدن بعنوان(( حقيقة كلمات ماركس الثلاث (الدين أفيون الشعوب ) ))* ، انتزع منها ما يأتي. يقول حميو (( المضحك والمحزن بآن معا ان هذه الكلمات الثلاث أنتزعت بمنتهى الخبث والذكاء من جملة سبقتها ، من دونها تكون كقولنا " لاتقربوا الصلاة"..! . النص الأصلي الذي أورده هنا كان من ضمن مساعدتي لابنتي في ان تدرك الحقيقة من خلال جهدها في البحث عنها بنفسها، ورد النص في اللغة الانكليزية وكالآتي : Religion is the sigh of the oppressed creature, the heart of a heartless world, and the soul of soulless conditions. It is the opium of the people………… Marx, K. 1976. Introduction to A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right. Collected Works, v. 3. New York.

الدين هو تنهيدة المضطهد ، هو قلب عالمٍ لاقلب له ،مثلما هو روح وضع " شروط " بلا روح ،إنه أفيون الشعب ، ( ماركس "نحو نقد فلسفة الحق الهيجلية" 1844 ")

كلمة the sigh of تُرجمت بأكثر من كلمة ولم يختلف المراد ( تنهيدة ، آهة ، زفرة ) المقصود هو إنها آخر ماتبقى للإنسان المضطـَهد ...وأين..؟! في قلب العالم الرأسمالي وفي زمن " ماركس " كان هذا القلب هو " بريطانيا ، فرنسا ، ألمانيا ، أمريكا"وبشكل ما روسيا،ويسخر " ماركس منه بأسى بوصفه لهذا العالم بإنه بلا قلب أي بلا رحمة أو شفقة ،وهذا الدين هو روح هذا العالم البشع الذي بلا روح ..!!لا أظن ان أي شخص وخصوصا المؤمن ممكن ان يجد وصفا منصفا للدين أكثر من وصف ماركس..!!أما الكلمة الأخيرة في النص فقد تم تغييرها من صيغة المفرد إلى الجمع لتكون عامة وشاملة لكل شعوب العالم، فصارت " الدين أفيون الشعوب " بدلا من النص الأصلي "إنه أفيون الشعب "لأنهم لو أوردوها كما وردت في النص لانفضحوا ولما تم لهم استخدامها بفائدة حققها لهم مسخ النص وتحويره ..!!)) انتهى الاقتباس.


صحيح ان الطريقة التي يفكر فيها حميو أعجبتني، الا إنني لا اتفق معه تماماً، فهو على ما يبدو يعتقد ان ماركس مدح الدين وأحسن له. والواضح من مقولة ماركس لأول وهلة هو انه أساء للدين، وأنا لست من هؤلاء وأولئك، انا اعتقد ان هناك احتمالين او تفسيرين لمقولة ماركس هذه. الأول هو إن ماركس كان يرى ان الدين هو تخدير للشعوب في ظروف خاصة. في مجتمعات يحكمها الجلاوزة والسلاطين و يلتف من حولهم وعاظ السلاطين. ماركس لم يكن مخطئاً تماماً، إنما علينا أن نقرأ عبارته قراءة نسبية. وان نتجنب التعميم. ماركس كان يريد أن يقول إن الدين أفيون الشعوب في ظروف يسيطر فيها الإقطاعيون على وسائل الإنتاج. ويحكم البلدان سلاطين أغبياء يحيط من حولهم رجال دين نفعيين وصوليين. علينا أن لا نغضب من ماركس، كما علينا أن لا نجامله. ففي ظروف يكون الدين هو مؤجّج الثورة، كما يكون مؤجّج الفتن ومُشعِل الحروب. وفي ظروف أخرى يكون الدين قوة محافظة تجعل من الرعايا أناس هامشيون لا إرادة ولا رأي لهم. وإذا ما تعمقنا تحليلاً في مقولتهِ و نتساءل : متى يكون الدين ثورة ؟ ومتى يكون أفيون ؟ اعتقد انه سؤال مهم جدا. والإجابة عليه ليست بسيطة للغاية فماركس لم يجب عليه. إن الدين يكون ثورة عندما لا يستفيد رجال الدين من السلاطين والحُكّام. الدين يكون ثورة عندما لا تكون هناك حصة في الحكم لأرباب العمائم والكهنة وغيرهم. وعندما لا يكون لهم رأي أو مشورة في اتخاذ أي قرار. بينما هو يكون أفيون عندما ينتعش رجال الدين من جوائز وعطايا السلاطين، وعندما يكون لهم رأي في اتخاذ القرارات. وبالتالي فان رجال الدين تتناسى الرعية ومتطلباتها وتسعى إلى توطيد علاقتها بالدولة أكثر.

ان الرعية ببساطة تلهث وراء رجال دينها. فرجال الدين هم المتلاعبون حقاً في آراء ومشاعر وعقول رعاياهم. إنهم – الرعايا - بعبارة أخرى ألعوبة بيد رجال الدين يحركونهم ويجمّدونهم متى ما أرادوا. كما إن الدين منظومة عقائدية يتلاعب بها رجال الدين متى ما أرادوا وحسب مصالحهم وأهوائهم. بالتالي فإننا يمكن أن نضيف الاحتمال أو التفسير الثاني الآن، وهو إن ماركس كان يرى إن رجال الدين هم أفيون الشعوب.. كيف ؟ رجال الدين أفيون الشعوب عندما يحوّلوا الدين إلى أفيون بإرادتهم وبفتاويهم وآراءهم. رجال الدين أفيون الشعوب لأنهم هم من اوجدوا الدين من حيث لا يوجد، فالدين عندما يكون أفيوناً فإن من أنتجه يكون أفيوناً أيضاً.... انه دينٌ من إنتاج البشر ... هكذا قال فيورباخ الذي تأثر به ماركس !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ضياء حميو، حقيقة كلمات ماركس الثلاث (الدين أفيون الشعوب )، الحوار المتمدن :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=188215


http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=317955