http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


الإسلام وحقوق الإنسان بين الوهم والإدعاء والعداء .

سامى لبيب

2011 / 9 / 12

وثيقة حقوق الإنسان جاءت نتيجة مخاض وصراع طويل للإنسانية نحو الوصول لصيغة تمنح حقوق وحريات للبشرية ليجد هذا النهج سبيله فى التغلغل داخل نسيج المجتمع الإنسانى ليصبح حلم ورغبة وثقافة إنسان بل منهج فكرى لا سبيل للإستغناء عنه أو التفريط فيه .
الإيمان والحماس لحقوق وحرية الإنسان قوض المنظومات الدينية بالضرورة بل حدث تصادم بالفعل , لتبدأ مراجعات لكل ما يحمله التراث من قيم وأطروحات تنال من قيمة الإنسان , وأرى أن إنتشار العلمانية والليبرالية والديمقراطية كمفاهيم قوضت وحجمت الأديان , وما العلمانيين واللادينين والملحدين إلا نتاج مراجعة للموروث الدينى بعد أن وجدوا مدى تصادمه مع مفرداتهم الحضارية والثقافية الجديدة المتمثلة فى حقوق الإنسان وحرياته ولتتضح الرؤية أكثر بأن الأديان ماهى إلا منتج وثقافة بشرية قديمة لا تتناسب مع قيم حضارة العصر وتطوره ورقيه .

هل للأديان علاقة ما بما يعرف بوثيقة حقوق الإنسان الزائعة الصيت ؟.. هل الأديان تقترب منها أم تتصادم وتتناقض معها .؟
هل تتوافق الأديان بما قدمته من منظومة سلوكية رسمت نمط وحدود العلاقات بين البشر مع ما إستحدثه الإنسان من منهج سلوكى وأخلاقى تَمثل فى وثيقة حقوق الإنسان ؟.

لو بدأنا باليهودية ومررنا عليها بقراءة عابرة للتراث التوراتي التلمودي سنجد تناقض بشع مع كل بنود وثيقة حقوق الإنسان , فالتوراة ماهى إلا منشور عنصرى من الطراز الفريد , بل يمكن القول أن العنصرية تأدلجت وسجلت حضورها على يد العبرانيين لنجد أنفسنا أمام كتاب لا يعنى بحرية وكرامة الإنسان , ولا تتوقف الأمور عند إنتهاك الحريات بل تحليل ممارسات قمعية إستئصالية للآخر .. والمثير للدهشة أن كل هيئات حقوق الإنسان لم تستطع أن تقترب من الكتاب العبرانى بإدانته كنص أدبى والمطالبة بمصادرته كونه منشور يروج للعنصرية وإنتهاك حقوق الإنسان .!
المسيحية منهج طوباوى يقترب من المثالية والصوفية ويفتقد فى الوقت ذاته لشريعة .. لذا لا تستطيع أن تتلمس نمط حقوقى محدد لتعتبره منهجا ً ولكن ستجد بالفعل بعض الأطروحات لقيم إنسانية رائعة وإن أفرطت فى طرحها , ولكن يمكن التعاطى معها وقبول حضورها فهى لا تتعارض مع المنظومة الحقوقية الحداثية .. كما ان المنهج المسيحى غير متصادم مع أى منظومة حقوقية بشرية من خلال نهج " أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله " - لذا فقد إرتضت ان تكون خارج ملعب القرار البشرى السياسى الإجتماعى , ولكن لن يعفيها هذا ومن خلال نفس هذا المنهج ذاته أنها سربت الخضوع لمنظومات سلطوية قاسية لا تعرف أى معنى لحقوق الإنسان بل منحتها المشروعية والحصانة .

لن تعنينا اليهودية فى التعاطى معها بحكم أنها غير حاضرة فى محيطنا .. كما لن تعنينا المسيحية كونها غير حاضرة على مستوى الحضور الجماهيرى الطاغى فى عالمنا العربى علاوة أنها عزلت نفسها من أن يكون لها تواجد فى صنع القرار الإنسانى المعاصر .. سيعنينا أن نتعاطى مع الإسلام بحكم أنه الثقافة السائدة والمهيمنة والداعية للحضور والفاعلية .. بل تستنكر على نفسها أن تبقى فى إطار المقدس فقط لتقدم رسالتها الروحية داخل مساجدها كما إرتضى اليهود والمسيحيون بذلك , بل تُصر وتلح أن تنزل إلى الشارع .

هل نستطيع القول بأن الإسلام يتلاقى مع حقوق وحريات الإنسان المعاصر أو يمكن له أن يتلاقى معها أم أن منظومة ومنهج الإسلام يتصادم ويتخاصم مع كل مفردة من مفرداتها .. المُحبين للإسلام يحاولون أن يجدوا أى صلة تثبت أن الإسلام يتوافق مع حقوق الإنسان حتى لو إضطروا للوى عنق النصوص وتفسيرها أو إهمال وإغفال ترسانة من النصوص والتراث المناهضة لحقوق الإنسان وقد يصل الأمر ببعض الوالهين القول بأن الإسلام كمنهج يتجاوز ويتقدم على وثائق حقوق الإنسان .!

بداية ليس مطلوب من الإسلام أن يكون متوافق مع الوثائق الحداثية كحقوق الإنسان .. كما ليس مطلوباً منه أن يتوافق مع العلم ليصيح أتباعه بالإعجاز العلمى بالقرآن وما هو إلا لوى عنق الكلمات من جهة وإهمال تام لنصوص تتصادم مع العلم من جهة أخرى .. إذن ليس المطلوب من الإسلام أن يكون وثيقة قانونية متقدمة نافعة لتنظيم علاقات إنسانية معاصرة ولا كتاب فى العلوم المادية فهو دين بالنهاية يسجل فكر ورؤية ومنهج إنسان زمانه بكل صدق وليؤمن التابعين به ويجدوا راحتهم فيه فلا غضاضة .. ولكن عندما يريد التابعون لهذه النصوص أن تكون حاضرة وفاعلة لتوضع فى مقارنة مع نظم فكرية وسلوكية متقدمة فهنا لابد من وقفة حازمة - ولا أرى أن هذا فى صالحهم بل عليهم أن يتحملوا عبأ هذا .

تعالوا نستعرض بعض بنود وثيقة حقوق الإنسان ونرى مدى علاقاتها بالمنهج الإسلامى فى التعامل والسلوكيات ونمط الحياة .
المادة 1 "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء."
المادة 2 "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود."
المادة 3 "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه."

يتضح من بنود الوثيقة الأولى تركيزها على حرية الإنسان فى الفكر بلا أى تمييز أوتمايز .. فما موقع الإسلام المؤدلج من هذه الرؤية الواضحة ؟!.
لن ننخدع بالعبارات المُرسلة المتلونة المُنطلقة من جماعة الأخوان المسلمين مثلا ًعندما تشدو بأن الإسلام يدعو لحرية الإنسان فهم ما يلبثوا أن يرتدوا عن هذا الشعار سريعا ً فى مواضع وأقوال أخرى .. لذا سيعنينا الإحتكام للنص والتراث لنحكم على موقف الإسلام من حرية وحقوق الإنسان وهل يتقابل معها أم يقوضها أم يناهضها بشراسة .

* حد الردة وحرية الفكر .
" من بدل دينه فاقتلوه "..هذا الحديث ورد على لسان نبي الإسلام معنيا ً بتأسيس شرع قتل المسلم إذا ترك دين الإسلام وأرتضى لنفسه أي معتقد أو فكر آخر .. ولا يأتى هذا الحديث منفردا ً بل نجد أحاديث أخرى وردت في السنة النبوية نذكر منها : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ " (متفق عليه) -- وهذا حديث آخر لعائشة :" أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَوْ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ " أخرجه النسائي بإسناد حسن ومثله عن عثمان .

هذه الأحاديث وجدت طريقها كشريعة إسلامية حادة وقاطعة لتتصادم بشدة مع حق الإنسان في حرية الفكر والإعتقاد و ما أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في البندين الثامن عشر والتاسع عشر ..فتنص المادة18 : لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده."
والمادة 19 :" لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى إلتماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود."

نحن أمام أول بديهية لحق الإنسان فى الحرية وهى حرية الإعتقاد والفكر والإيمان ليتم ذبحها بقسوة على مذبح الشريعة التى لا تعنى بحق الإنسان فى إختيار فكره وإيمانه .. ثم يتشدقون بكل بجاحة بالقول بأن الإسلام يتوافق مع وثيقة حقوق الإنسان بل يبلغ بعض المُحلقين الشطط بالقول أن الإسلام تقدم على هذه الوثيقة .!

لا تقف الأمور فى حدتها على رفض وقتل المسلم الذى يريد أن يعتقد أى فكر أومُعتقد مُغاير , فالمنهج الإسلامى لا يقبل فى ثناياه بأى فكر مختلف شأنه شأن كافة الأديان التى تتعامل مع الحياة بشكل حاد وقاطع من خلال منظور إحتكار الحقيقة المطلقة فيرفض كل فصيل بتعنت أى رؤية مغايرة لرؤيته للدين ليصير الرفض لكل مذهب داخل الدين الإسلامى ذاته كما فى الصراع السنى الشيعى والذى يصل لمرحلة التكفير وتكسير العظام .
لا يقف الإقصاء عند الإختلاف المذهبى بل تمتد الدوائر لتشمل أى فكر له رؤية تفسيرية مغايرة وهو ما يطلقون عليه "الإجتهاد" لتناصبها العداء والنبذ ولا تتورع فى محاربتها بل إضطهاد صاحبها وممارسة كافة أشكال المضايقات عليه لتصل فى أسقفها الأعلى إلى إهدار دمه .. وجدنا إضطهاد الدكتور نصر حامد أبو زيد لمجرد أنه طرح رؤية جديدة بالرغم أنه لم يلقى بثوبه الإسلامى جانبا ً وليشارك في ذبحه الدكتور عبد الصبور شاهين الذى لم يشفع تعصبه أن يشرب من نفس الكأس الذى جرعه للدكتور نصر , لتدور الدوائر ويتم إضطهاده والتضييق عليه هو الآخر لأنه طرح رؤية فى كتابه " آدم " بالرغم انه لم يبتعد عن إيمانه الإسلامى , ولم يشفع له أنه صقر من صقور الحفاظ على الإسلام .
يضيع أى معنى للإجتهاد والحرية الفكرية أمام منهج لا يحترم العقل وحرية الإنسان فى التفكير ليُمارس عليه كافة أشكال النبذ والإضطهاد لتصل فى حدها الأعلى لنزع رأسه عن جسده جزاءاً لهذا الرأس الذى مارس حرية التفكير. !

* الجزية و حق الإعتقاد .
" قَاتلوا الذينَ لا يُؤْمنُونَ بالله وَلاَ بالْيوَم الآخِر وَلاَ يُحَرمونَ مَا حَرمَ الله وِرَسُولهُ، وَلاَ يَدينونَ دَينَ الْحقَ مِنَ الذيَنَ أوتُوا الْكَتاب حتى يعطُواَ الجِزيَةَ عنْ يَدٍ وهُمْ صَاغِرونَ "
النص كما هو واضح يكرس العنصرية والتمايز على أرضية الاختلاف الديني .. كما يمارس دورا ً إرهابيا ً وقهرياًً جبريا ً على أهل الكتاب من يهود ونصارى , فإما الإيمان بالإسلام أو دفع الجزية ولا يخلو المشهد من الفجاجة والبشاعة فتحصيل الجزية لن يتم هكذا بل لابد من الوضع صاغرا ً ذليلا ً فهذا توصية الله .!! .. إذن الأمور لا تكتفى بفرض قيود وضغوط لتضييق الخناق على حرية الإنسان فى التمسك بمعتقداته بل تزداد الأمور إنتهاكا ً بممارسة سادية بشعة تتلذذ بالإذلال .
الجزية تعطى لفئة من البشر ميزة تفاضلية على أقرانهم الذين ارتضوا باعتقادهم وهذا المسلك لا يخرج بالطبع عن تكريس التمايز والعنصرية وقهر حرية الإنسان فى الإحتفاظ بأفكاره وإيمانه ولا داعى للتذكير أن الإسلام إنتشر هكذا .. فإما الإيمان الإسلامى أو طرد وقتل غير المؤمن أو فرض الجزية على المؤمنين من أهل الكتاب وذبحهم أيضا ً إذا لم يدفعوا الجزية وأصروا على التشبث بأديانهم .

محاولة المُبررين أن يُخففوا من هذا الإنتهاك الصارخ لحرية الإنسان بتبرير أن الجزية مقابل إعفاء أهل الكتاب من الدفاع عن الوطن لن تسعفهم بل ستزيد الأمور تعقيدا ً وإنتهاكا ً, لأننا سنصل أيضا إلى إنتهاك أخر فى المساواة للحقوق والواجبات فدفاع جميع أبناء الوطن هو حق وواجب أصيل عليهم بلا أى تمييز .. كما أن فكرة الإعفاء ستثير السؤال عن مغزى إقصاء أهل الكتاب من المشاركة فى الدفاع عن الوطن!.. فما هو التبرير سوى أنهم محل شك فى ولائهم -أى أنهم خونة - وهذا ما لم يخجل منه المستشار حسن الهضيبى مرشد جماعة الأخوان المسلمين بالتصريح به بفجاجة يحسد عليها فى حديثه لجريدة الأهرام ويكلى بقوله " ضرورة‏ ‏فرض‏ ‏الجزية‏ ‏علي‏ ‏الأقباط‏ ‏ومنعهم‏ ‏من‏ ‏الالتحاق‏ ‏بالقوات‏ ‏المسلحة‏ ‏أو‏ ‏تقلدهم‏ ‏لمناصب‏ ‏القضاء‏ ‏لأنه‏ ‏لا‏ ‏ولاية‏ ‏لهم‏ ‏علي‏ ‏المسلمين‏ ‏ولأنه‏ ‏مشكوك‏ ‏في‏ ‏ولائهم‏ ‏لمصر‏ ‏باعتبارهم‏ ‏عملاء‏ ‏للغرب‏ ‏المسيحي ".!!!
لقد صدر السيد المستشار الإرتياب والشك لفصيل أصيل من الشعب المصرى بل جعلهم عملاء خونة , والمضحك المبكى فى نفس الوقت أنه صاحب أرقى منصب قضائى .. لذا لا تسأل بعدها لماذا نحن متخلفون !!

* الولاء والبراء والولاية .
معنى الولاء هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم .. أما البراء فهو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق .
الولاء هو إبداء الحب والصفح والولاية للمؤمن فى العقيدة , والبراء هو إبداء الكراهية لغير المؤمن .. نعم المؤمن مُكلف فى تصدير الكراهية للأخر وإظهارها .!
لن يعنينا هنا تصدير مشاعر الكراهية والبغض والإذلال لغير المسلم بالرغم أن هذا إنتهاك صارخ وسلوك وممارسات عنصرية واضحة الملامح تفتح آفاق واسعة لممارسات بشعة ولكن سيعنينا إنتقاص الحقوق المادية لغير المسلم فى المجتمع الإسلامى .

آية " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } تُصدر تحذير شديد اللهجة من موالاة اليهود والنصارى بل تهدد المؤمنين بأشد الوعيد حال موالاتهم( ومن يتولهم منكم فإنّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) - وفى موضع آخر { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا }{ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } (النساء 144). }
وتتأكد الآية السابقة بآية آل عمران "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم اللهُ نفسَه وإلى الله المصير (آل عمران 28).وهذا تهديد شديد اللهجة لموالاة الكافرين وموادتهم ، فينبغي للمسلم أن يكون شديد الحذر من أن يتخذ الكافر وليا ً فيصبح خاسرا ً ويستجلب على نفسه غضب الله وأليم عذابه .!!

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق .. (الممتحنة 1).
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 118].
وفى تفسير القرطبيُّ وكأن النصوص تحتاج لتفسير : "نَهى الله المؤمنين بِهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكُفَّار واليهود وأهل الأهواء دُخلاءَ ووُلَجاء يُفاوضونهم في الآراء، ويُسندون إليهم أمورَهم"
إذن لا يحق لغير المسلم الولاية فى بلاده فهذا مرفوض فى الشرع الإسلامى لنجد أننا إمام إنتهاك واضح وصريح لحقوق الإنسان تُمارس فيه العنصرية بشكل فج فالحصول على الحقوق وفقا ً للهوية الدينية ولا مكان لحقوق متساوية أو كفاءة .

بالطبع هذا يتناقض بشدة مع وثيقة حقوق الإنسان فى مادتها الواحد وعشرون
-لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.
- لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
- إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
حسب الشريعة الإسلامية ليس هناك حق لغير المسلمين الإشتراك فى إدارة شئون البلاد بل نزع أى حق لهم فى تولى المناصب العامة فى البلاد .

وإذا تحدثنا عن الديمقراطية فليس لها مكان من الإعراب فليس هناك حكم للشعب بالشعب ولكن حكم وشرع الإسلام , كما ليس هناك أى إلتزام للحاكم تجاه المحكومين فله أن يأخذ برأى الشورى أو يلقى بها عرض الحائط , ولا يجب أن نهمل أن أهل الشورى ذاتهم هم أهل الإيمان من المسلمين فلا مكان لأى فصيل آخر غير إسلامى فى مشهد الشورى فلا يحق لهم التواجد أصلا مع أهل الشورى الذين يكتفون بإبداء المشورة بإستحياء .

تمتد الأمور لتصل إلى القضاء فحسب الشرع الإسلامى لا يصح تقليد غير المسلم القضاء على المسلمين , وعلل الفقهاء ذلك بأن القضاء من باب الولاية, بل هو أعظم الولايات , وغير المسلم ليس له أهلية لأدنى الولايات وهي الشهادة على المسلمين. فبالأوْلى لا يكون له أهلية لأعلاها - بهذا صرح الفقهاء من مختلف المذاهب كالحنفية والشافعية والشيعة الإمامية والزيدية والظاهرية.

سنجد أنفسنا أمام إنتهاك آخر عندما نجد أن الشرع الإسلامى لايقبل شهادة الغير مسلم على المسلم !! ..فقد روى أبو عبيدة عن أبي عبد اللّه أنّه قال: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولا تجوز شهادة أهل الذمّة" .. كما روى ابن غنم قال : سألت معاذ بن جبل عن شهادة اليهود على النصارى فقال: سمعت النبي يقول: «لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلاّ المسلمين فانّهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم» .
ماذا نقول عن هذا الإجحاف الذى يجعل أهل الكتاب أقل درجة من المسلم فلا يجوز أن يتولوا مناصب قيادية ولا قضائية بل لا يعتد بشهادتهم ولتذهب حقوقهم وكفائتهم ونزاهتهم للجحيم فهم فى الدرج الأسفل أمام المسلم المتميز .!!

* المرأة فى الإسلام وحقوق الإنسان .
الحديث عن المرأة فى الإسلام ذو شجون فالأمور لا تكتفى بحريات وحقوق مهدرة كإنسانة بل تتعداها لكرامة منتهكة تنال منها فى إنتقاص واضح ومتعمد لتتسم بشكل من أشكال الإذلال الفج ...بالطبع لن يتحمل هذا البحث الإسترسال فى إنتهاك حقوق وحرية وكرامة المرأة نظرا لضخامة الملف لذا سنكتفى بإيجاز شديد بإلقاء الضوء على نقاط سريعة تتحمل البحث المستفيض لمن اراد .
" لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة " المرأة فى الإسلام ليست لها الولاية على الرجل فى أى شأن عام فلا يحق لمرأة أن تكون فى مركز الريادة فى عملها كونها أكثر جدارة وكفاءة وهذا يتصادم مع وثيقة حقوق الإنسان على أرضية العنصرية للجنس ... ويمكن أن نجد صور عديدة للإنتهاك متمثلاً فى إجبارها على إرتداء الحجاب وطاعتها المقهورة للرجل وعدم الإعتداد بكفائتها وعقلها فشهادتها نصف شهادة الرجل ونصيبها من الميراث كذلك .

* العبودية فى الإسلام وحقوق الإنسان .
تنص المادة 4 : "لايجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما."
قد تكون هذه النقطة ليست بذات فاعلية كون العبودية قد إندثرت من المجتمع الإنسانى ولم يبقى لها حضور وتعاطى وتعاملات وكون الإسلام مارس العبودية فى الماضى على أوسع نطاق بل كان البنيان الإقتصادى والإجتماعى للدولة الإسلامية شأنه شأن كافة النظم الحاكمة فى ذلك الزمان , فهذا يُعتبر تاريخ لا يصح محاكمته إذا إكتفى بكونه تاريخ , ولكن الإسلام يرفض أن يكون تاريخ فهو منهجية صالحة لكل زمان ومكان لذا لم يتم إلغاء العبودية فى الفكر الإسلامى ليبقى الوضع كما هو عليه منذ تسطير حروفه الأولى المُعتمدة لمشروعية جلب وحيازة الرق وملكات اليمين ! - وليداعب هذا خيال أى مسلم لتحقيق رغبات سادية بإقتناء البشر وهنا لن يجد أى مؤسسة أو مرجعية دينية تستوقفه بل ستسمح بهذا شرعا ً , فلن تُجرم وتُدين أى إنسان يرغب فى تفعيله بحكم انه تشريع ونص مقدس لا يستطيع أى إنسان أن يلغيه .. نعم يمكن تعطيله فقط بحكم الظرف الموضوعى ولكن إحياءه وممارسته من قبل أى فرد لن يواجه بالتأثيم والتجريم ! .. وهذا ما دعى الشيخ الحوينى إلى إستنهاض المسلمين ودعوتهم للغزو والسبى وإسترقاق العبيد .. والمؤسف أكثر من قول هذا الشيخ أنه مازالت تمارس تجارة خفية فى الصومال وتشاد والنيجر لمحبى إقتناء العبيد من الأثرياء العرب .
يحدثونك عن توافق الإسلام مع وثيقة حقوق الإنسان ولا يجرؤ أحد منهم أن يُجرم أى إنسان يمتلك القدرة والهمجية فى إقتناء عبيد وعدة نساء كملك يمين .

* الحدود والقصاص وحقوق الإنسان .
العقوبات فى الإسلام تسمى بالحدود وتأخذ قوتها كقوانين حاكمة من الشريعة الإسلامية التى بدورها لا تتحمل ولا تقبل أى تعديل بها بحكم أنها شرع الله وإرادته الغير قابلة للتفاوض أو الإنتقاص أو التغيير والتبديل .
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "-ونلاحظ قوله : { كُتب } ِ بمعنى فُرض .. أى أننا أمام فرض واجب التنفيذ .

إذا كان الموقف من القاتل هو قطع رقبته بحد السيف فالموقف من السارق جاء بقطع اليد -" و السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله و الله عزيز حكيم" --أما الموقف من الزانى والزانية فهو الرجم العنيف حتى الموت أو الجلد -" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " ..وقول عمر في حديثه الصحيح المشهور : " فكان مما أنزل إليه آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ." -- بينما نرى تشريع الجلد فى الآية القرآنية : "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة "
أما الإفساد فى الأرض والتى تتسع لحرية أكثر فى ممارسات عقابية قاسية بقطع الأيدى والأرجل والصلب فجاءت بالنص القرآنى "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ "
هذه الحدود فى الشريعة الإسلامية تنتهك بشدة وثيقة حقوق الإنسان فى مادتها الخامسة و التى تنص : " لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة ".
الحدود فى الشريعة الإسلامية هى مجموعة من العقوبات السيكوباتية ليس لها أن تتواجد فى هذا العصر بما تحمله من مفهوم مخالف للعقاب ترمى فى إتجاه القسوة المفرطة والعقاب الثأرى الإنتقامى الذى لا يوجد ما يبرره وقد تناولت هذه النقطة بالتفصيل بمقال سابق بعنوان " القصاص فى الشريعة بين القبول والإدانة " .

أدرك أن بحثى هذا كان يتحمل المزيد من الإضافات والإسترسال فكل جزئية فيه جديرة أن تكون بحث مستقل بذاته تؤكد وتدعم خصومة التراث والفكر الإسلامى لأى مفردة من مفردات حقوق الإنسان المعاصرة ولكن أرى أن ما أوردته كفيل أن يبدد أى وهم بأن الإسلام لديه أى حالة توافقية مع وثيقة حقوق الإنسان بل هو فى حالة خصومة وتنافر معها .. فلا تعايش بين منظومة إنسانية أنتجت مفاهيمها عن الحريات والحقوق وبين شريعة إسلامية بنت زمانها ومكانها لتصل حالة الإنفصال والخصومة إلى حالة من العداء لكل مفرداتها .. فتغلغل مفاهيم الحرية والحقوق والحداثة فى نفسية ووجدان الشعوب يعنى بالضرورة تقويض الدين وتشريعاته وكل المنظومات الإستبداية التى تحتمى وتتحصن به .

فى النهاية نهمس فى أذن الوالهين بتراثهم والباحثين عن صور رومانسية بأن الإسلام لا يتوافق ولاينسجم مع وثيقة حقوق الإنسان وأن إى إدعاء بوجود صلة قرابة هو بعيد تماماً عن الحقيقة , لذا ننصح الباحثين عن صيغة مصالحة أن يبتعدوا عن الدخول فى مقارنات وليكتفوا بأن الدين ليس مطلوباً منه أن يكون وثيقة حقوقية تنسجم مع وثائقنا المعاصرة فلن تكون فى صالحهم بأى حال من الأحوال الولوج لتلك المقارنة - فليكتفوا بعبادتهم وروحانيتهم وليدعو الحضارة والثقافة تفعل فعلها .

دمتم بخير .

- "من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " حلم الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .


http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=275337