http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


جدل مجلة فكرية- سياسية – ثقافية العدد 2 : نيسان 2008

تجمع اليسار الماركسي في سورية

2008 / 4 / 16

افتتاحية العدد:
عن الثقافة / المثقف العضوي
إذا نظرنا في هذا العصر الإمبريالي الرأسمالي، بأفق واسع؛ بأفق كوني، نرى أن العالم المعاصر قد فقد سمته العنصرية منذ أن اكتشف مفهوم الحقل في الثقالة والكهرباء /المغناطيسية والحقل النووي وحقل الأفعال الضعيفة المتبادلة بداية القرن العشرين، و منذ أن تكرّست مفاهيم مقاربة خاصة على يد فرنر هايزنبرغ في قوله عن علاقات الارتياب وعن استحالة الجمع بين تعيين مكان الإلكترون وسرعته في نفس الوقت عنصرياً . ونستخدم العنصر هنا والعنصرية كاستعارة من علمي الكيمياء والفيزياء النووية كمقابل مفهومي للعلاقة والعلائقية في فهم العالم المعاصر، من الفيزياء النووية حتى ديالكتيك "الميتافيزياء" الإمبريالية الرأسمالية.
يتوجب إذاً توسيع الأفق والاهتمام بمفهوم العلاقة بما يخص الإمبريالية الرأسمالية الراهنة . ففهم بلد إمبريالي رأسمالي كالولايات المتحدة وهمٌ إذا ما أخذ عنصرياً؛ الديمقراطية في القطر الأمريكي ، الرفاه، الحقوق المدنية، الخ.. بالتالي ، لا بد من الخروج من هذا التجريد العنصري لأمريكا خارج العلاقة الإمبريالية الرأسمالية الكونية. كم هو مفارق ومتعسف الحديث عن القرية الكونية عند مديح ما يدعى بـ "العولمة" الرأسمالية، في الوقت الذي نتحدث فيه عنصرياً وقطرياً عند الحديث عن الديمقراطية القطرية والرفاه القطري في الولايات المتحدة الأميركيّة.
يسمح لنا تجاوز العنصرية في الفهم ، تجاوز الفهم التجريدي لمفاهيم مثل "الغرب" ، و "الشرق"، في الوقت الذي بات واجباً على المثقفين أن يقرؤوا هذا "الشرق" بعين العلاقة الإمبريالية الراكبة في الأقطار الطرفية الرأسمالية ومنها الأقطار العربية على طبقات بورجوازية رثة غير وطنية وملحقة، هي صورة عن العلاقة الإمبريالية الراكبة عليها ركوب الرياح على السحاب. تتجلى هذه العلاقة الإمبريالية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموجهة توجيهاً معادياً لشعوب هذه البلدان.
إن فهم العلاقة الإمبريالية في صورها الطرفية الرأسمالية هو فهم شمولي للإمبريالية الرأسمالية بما هي علاقة كونية متجاوزة للعلاقات العنصرية ما قبل الرأسمالية، ولا يمكن الحكم على السلوك الإمبريالي والطبيعة الإمبريالية الرأسمالية خارج فهم كهذا الفهم.
إن الثقافة المنتشرة في العالم والسلفيات بكل أنواعها وأشكالها، واستعارة الأسلحة الثقافية الدينية العتيقة واحتلال بلدان بكاملها من قبل الولايات المتحدة، وتراكم نصف ثروة الأرض في هذا البلد والتنافس بين حزبين محتكرين للسلطة والثروة وتصدير ثقافة العنف والموت ، وثقافة الدعارة والاتجار بأجساد الأطفال والنساء والرجال، ومحاربة كل ما هو شعبي في سياسات الدول؛ كل هذه الصور والهيئات هي صور وهيئات إمبريالية؛ هو تجسيد للعلاقة الإمبريالية الرأسمالية وقائدة حاميتها الولايات المتحدة الأميركية. نحن ضد الثقافة العنصرية ، ومع ثقافة تقوم على الفهم العلائقيّ مع عناصر مهيمنة أو مع عنصر مهيمن ضمن هذه الشبكة.
إن المطالبة بدور للمثقف في المجتمع يعني أن له رسالة وهذه الرسالة مرتبطة أساساً بموقعه بالنسبة لطبقة هامشية متظلمة ذات موقع أساسي في التنظيم الاقتصادي للمجتمع. بهذا المعنى : المثقف العضوي هو مثقف يساري بالضرورة ؛ مثقف يدفعه فعله النقدي لوصل الثقافة بأيديولوجيا الطبقة التي ارتبط بها من حيث الموقع ، وهذا الوصل يحتاج إلى توسط العلم التاريخي الاجتماعي؛ أي تحويل الثقافة إلى حالة وعي علمي تاريخي بالمجتمع وإلى إيمان بقدرة هذا الوعي التاريخي/ الاجتماعي على تغيير الوضع القائم ، أي تغيير العلاقة الإمبريالية في الأقطار العربية على سبيل المثال نحو علاقة ذات توجه شعبي و ديمقراطي.
يجد المثقف العضوي نفسه في بلد من بلدان الأطراف الرأسمالية (قطر عربي مثلاً) في مواجهة مهام ثقافية وإيديولوجية مركّبة؛ فهو مدفوع بقوة تظلُّم الطبقة التي تحمله وبقوة لياقته الأخلاقية- التاريخية إلى فهم حقيقة العصر الإمبريالي الرأسمالي القائم، وإلى رسم ملامح أفق لبدائل هذا النظام الإمبريالي الكوني، أي إلى التأسيس لبناء علاقة مضادة للعلاقة الإمبريالية . وهذا الأمر لا يسير بخط مستقيم وبكل يسر، فالمسائل أعقد من ذلك بكثير. حيث يترتب على المثقف العضوي في الأقطار العربية أن يلتفت نقدياً إلى التراث القومي ، فحماة التراث ومكرّسّوه كما هو بالضبط ، يقدمون الثقافة التراثية وما تفرضه أو تقتضيه من علاقات ما قبل رأسمالية ومن علاقات اثنية وعرقية وطائفية كبديل للعلاقة الإمبريالية، متوهمين بهذا النبش للقبور أنهم يرجعون لأصولهم "الحضارية" ، بالتالي يحافظون على هويتهم الأبدية وأصلهم الصافي. لكن من حسن حظنا أننا تحدثنا في بداية هذه الافتتاحية عن الفهم العلائقي الذي يبين لنا أن هذه الردّة الثقافية والسياسية السلفية للشعوب في البلدان المتخلفة (الأطراف الرأسمالية ) إن هي إلا صورة من صور العلاقة الإمبريالية الرأسمالية كما تظهر في أطراف النظام الرأسمالي الكوني.
إن نقد الثقافة القومية في ذاتها وفي صورتها الإمبريالية ، وإنتاج العلم التاريخي بالمجتمع من قبل المثقف العضوي يحوّل الثقافة من ثقافة خانعة مطمئنة وغابطة إلى قوة مقلقة ومحرضة وداعية تغيير . "يتحتم على المثقفين العضويين أن يكونوا أولئك الذين يحتجون على التعصب القومي في الوطنية، وعلى الشعور بالامتياز الطبقي والعرقي أو الجنسي.. وتبني القيم الأشمل في سبيل تجاوز اليقينيات السهلة التي توفرها لنا خلفيتنا الثقافية - القومية"
المثقف العضوي في هذا العصر مثقف علماني وديموقراطي وشمولي الوعي ، غير عنصري بالضرورة، لأن أضداد هذه الصفات هي صفات المثقف الإمبريالي في مركز النظام وفي أطرافه.
إن الذين يغتبطون لغياب المثقف العضوي في المجتمع ولدوره في مواجهة العلاقة الإمبريالية وصورها والتحضير للبديل كثر : هذا الغياب "غياب يجب الاحتفال به " حسب عبارة ارنست غلنر. هذا الاحتفال بمثل هذا الغياب يعني الاحتفال ببقاء العلاقة الإمبريالية بكل ويلاتها على شعوب العالم كافة خاصة المتخلفة منها. ويعني من جهة أخرى امتداح المثقف الاعتباطي الليبرالي الجديد في سعيه لتكريس عالم ظالم محتضر وعنيف.
لابد للمثقف العضوي من ترك مسافة تجاه المؤسسة ، وتجاه الأدوات التي يصنعها ويبنيها بيديه ، والنقد المتواصل هو أداته في ترك تلك المسافة سواء كانت المؤسسة دولة جديدة أم حزباً ثورياً .
قد يظن القارئ أن المثقف يستطيع انجاز مهامه المعقدة تلك كهرقل. لا، المسألة مرتهنة بحركة التاريخ وما تقدمه من إمكانات التحرك الكتلي للطبقات الهامشية والجماعات المحرومة قومية كانت أم غير قومية.
يبدو لنا أن أكثر الأخطاء شيوعاً - كما يقول غرامشي في كراسات السجن - هو البحث عن معيار التمييز(تمييز المثقف) ، في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين (في النشاط الفكري)، بدلاً من البحث عنه في مجمل نسق العلاقات الذي تجري فيه هذه الأنشطة، أي في داخل المركّب العام للعلاقات الاجتماعية" . ويضيف غرامشي: "يمكننا إذن أن نقول أن كل الناس مثقفون ، ولكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف في المجتمع " .. ففي أي عمل عضلي حتى أكثر الأعمال تدنياً وآلية لا بد أن يتوفر فيه حد أدنى من المؤهل الفني ؛ أي الحد الأدنى للنشاط الفكري الخلاق. وكما سبق أن لاحظنا ، لا بد أن يتمتع المثقف سواء أكان منظماً في الصناعة أم عضواً مرموقاً أو متدنياً في حزب ثوري ؛ أي بحكم موقعه ذاته ، بقدر معين من المؤهلات ذات الطبيعة الفكرية ، وإن كان دوره في المجتمع لا يتوقف عليها ، بل تحدده العلاقات الاجتماعية العامة التي تحدد على الأخص موقعه فيها كمنظم. إذاً لا يتوقف تعريف المثقف في المجتمع على الطبيعة الجوهرانية لمؤهلاته الفكرية ، بل يحدد هذا التعريف وظيفته التنظيمية في هذا المجتمع سواء أكان تنظيماً تقنياً لصالح الطبقة السائدة أم تنظيماً سياسياً معارضاً أو ثورياً لصالح الطبقات الهامشية والجماعات المحرومة.
هيئة التحرير


الماركسية والدين
أعمال ندوة حوارية- القسم الثاني

الأستاذ منصور أتاسي:
المسألة الأولى: للدين دور رجعي إذا أخذنا الدين بمعنى النفط، إذا أردنا أن نأخذ مشايخ النفط فالدين لعب دوراً سلبياً وكان له أيادي سوداء في التصدي لكل أشكال النضال من أجل التقدم والتحرر والنهضة وإيجاد مجتمعات مدنية. ويمكن للتاريخ أن يكشف الآثار التي لعب فيها رجال الدين هؤلاء حتى في أفغانستان أدوار متفاوتة ؛ بين تيار يريد أن يطور أفغانستان وتيار أشد سلفية. كان صراعاً قاسياً لا رحمة فيه وكان يرعاه أيضاً مشايخ النفط.
عندما انتصرت ثورة شعبية غير خاضعة للولايات المتحدة في إيران وكان زيها دينياً، كان يبشر "دين النفط" في المنطقة العربية بحرب كبيرة ضدها ، وكان يموّل صدام حسين وكان يمهد لخطر إثارة صراع طائفي كبير بين الشيعة والسنة، وإثارة صراع أكثر رجعية وأكثر تخلفاً. ولعب هذا "الدين النفطي" دوراً رجعياً، وما يزال يلعب هذا الدور.
لم يكن لدينا في المنطقة العربية بورجوازية صاعدة، وفي النضال من أجل التحرر من العثمانيين، ثم من الاستعمار الأوربي لعب الدين أو قسم من الدين دوراً تحررياً وأخذ موقفاً معادياً للعثمانيين كدولة مستعمرة ثم من الاستعمار الأوربي، لن نتكلم عن الشيخ محمد الأشمر، إبراهيم هنانو، وصالح العلي، وسلطان الأطرش، وعبد القادر الجزائري وفي ليبيا عمر المختار، كلهم كانوا رجال دين و كلهم كانوا رجال تحرر وطني.
إذاً، دين الفئات الشعبية؛ الدين الشعبي؛ الدين الذي يمثل تطلعات شعبية كان يلعب دوراً إيجابياً. والدين السلطوي النفطي كان ولا يزال يلعب دوراً تخريبياً في بنية المجتمع؛ أي يخرب المجتمع.
الظاهرة السائدة هي سيادة التيارات الأكثر سلفية، لماذا؟ لثلاثة أسباب:
أولاً: هذا التطرف يقابل تطرفاً آخر. نحن نعتقد أن وعد بلفور لليهود كان قراراً متطرفاً عبر طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من فلسطين، و احتلال العراق تطرفاً، احتلال أفغانستان تطرفاً، النظرة الاستبدادية التي تمنع القوى التحررية النهضويّة من العمل؛ هذا تطرف، توزيع الدخل الوطني في العالم العربي بين أثرى أثرياء العالم وبين أناس لا يتجاوز دخلهم اليومي دولاراً واحداً هو تطرف، لذلك، لمعالجة الظواهر بجدية لا بد من مناقشتها، عندما يقتل كل يوم 20 أو 30 فلسطيني أو تحاصر غزة هذا تطرف.
المسألة الثانية: البورجوازية العربية كبنية اجتماعية، كتقاليد بورجوازية كلاسيكية (أوربية)، كعقد اجتماعي، فشلت في إقامة دولة حديثة وطنية، لا يوجد لدينا هذه البورجوازيات الوطنية، يقول قائل أنه في بلدان التحرر مثل سوريا ومصر جاءت الدولة وضربت هذه البورجوازيات! طيّب، في البلدان الأخرى التي لم تضرب، ماذا فعلت هذه البورجوازيات العربية، لم تستطع أن تلعب لا دوراً نهضوياًَ ولا دوراً تحررياً ولا دوراً تقدمياً بالمعنى التاريخي. لقد كانت مجرد بورجوازيات تابعة لعبت دوراً في انسداد الأفق أمام جماهير الشعب.
المسألة الثالثةً: الماركسيون أيضاً فشلوا في نشر أفكارهم عندما انشغلوا في مسألتين أثبتت التجربة أنهما خاطئتان. أولاً، شكل العلاقة مع الاتحاد السوفييتي لم يكن ندّياً بل كان تبعياً ولم يكن منشغلاً بالتجربة العربية ، لذلك حتى الآن لا يوجد حزب شيوعي عربي ولا حركة شيوعية عربية لديها تصور حول شكل بناء الاشتراكية في المنطقة العربية. كل ما لدينا سياسات يومية تقوم على ردود الأفعال أما سياسة إستراتيجية فلا يوجد. أما حلفاء الشيوعيين في حركة التحرر العربي (التيار القومي العربي) فقد هزم مشروعه عام 1967 ولم يستطع أن يخرج من هزيمته حتى الآن، هناك عوامل موضوعية أدت إلى انسداد الأفق التاريخي أمام الشعوب، هذا الانسداد يشكل البيئة (الحاضنة الطبيعية) لإنتاج هذه التيارات المتطرفة سواء أكانت دينية أم غير دينية. وأحد أغراض هذه الندوة تفسير أسباب نشوء هذه الظاهرة، ظاهرة السلفيات الدينية العنيفة. أنا أنهيت كلامي وننتقل الآن إلى الدكتور نايف.
د نايف سلّوم: أصدقاءنا، بشكل عام المرة الماضية بقي لدينا محوران هامان: عالم الدين، واستعارة ماركس من عالم الدين. أين تكمن أهمية هذه الاستعارات.
كلمة استعارة؛ أحياناً بالكلام اليومي العادي تقول لأحدهم جذر هذا الموضوع كذا: هو استعارة من عالم النبات، فروع هذه المسألة كذا: هذه استعارة من عالم النبات.
ماركس استعار من عالم الدين عبارات وأدخلها إلى علم الاقتصاد السياسي ونقده كي يشرح بعض القضايا الصعبة جداً في الاقتصاد السياسي. الموضوع يحتاج إلى تركيز.
الاستعارة من عالم الدين لم تكن قضية مجاملة للدين ولا استسهال للموضوع ، كان الهدف منها توضيح شرح وتوضيح وصياغة جيدة لقضايا في الاقتصاد السياسي، كان على ماركس أن يستعير عبارات من عالم الدين حتى يوضح قضايا غاية في الصعوبة في حقل الاقتصاد السياسي، وخاصة شرح مسألة القيمة في "رأس المال". سأعرض عدة نماذج من هذه الاستعارات ثم أعود للأستاذ نجيب بعدها.
الاستعارة الأولى:
يكتب ماركس في الفصل الرابع والعشرين من رأس المال: "سر التراكم الأولي: ... القيمة الزائدة تفترض سلفاً الإنتاج الرأسمالي والإنتاج الرأسمالي يفترض سلفاً وجود كتل كبيرة من رأس المال وقوة العمل بين أيدي منتجي البضائع [الرأسماليين] . وتبدو هذه الحركة إذاً وكأنها تدور برمتها في حلقة مفرغة لا يسعنا الفكاك منها إلا بافتراضنا أن تراكماً "أولياً" previous accumulation" (حسب تعبير آدم سميث) قد سبق التراكم الرأسمالي ، وهو تراكم لم ينتج عن أسلوب الإنتاج الرأسمالي ، بل يشكل نقطة انطلاقه. ويلعب هذا التراكم الأولي في الاقتصاد السياسي دوراً يماثل على وجه التقريب الدور الذي تلعبه الخطيئة الأصلية في اللاهوت. لقد قضم آدم التفاحة فحلت الخطيئة في الجنس البشري... حقاً إن الأسطورة اللاهوتية عن الخطيئة الأصلية تحكي لنا كيف حلّت على الإنسان لعنة أن يأكل خبزه بعرق جبينه،
بأي حال لا بأس! وهكذا حدث أن راكم الطرف الأول الثروة [المالكون]، ولم يبق لدى الطرف الثاني ، في آخر المطاف ، شيء للبيع ، غير جلودهم بالذات. فبهذه الخطيئة الأصلية يبدأ تاريخ فقر الأغلبية العظمى ، التي لا تملك حتى الآن ما تبيع غير نفسها بالذات، رغم كل ما تبذل من عمل ، وتاريخ ثراء القلة الذي يتنامى باضطراد ، رغم أنها كفت عن العمل منذ زمن بعيد." ... إن العلاقة الرأسمالية تفترض سلفاً فصل العمال عن ملكية الشروط التي يحققون بواسطتها عملهم [الأرض ، الماشية الأدوات، الخ..] وعندما يقف الإنتاج الرأسمالي على قدميه بالذات فإنه لا يحافظ على هذا الفصل ، بل يجدد إنتاجه على نطاق يتسع باستمرار، إذن فالعملية التي تولد العلاقة الرأسمالية ، ليست سوى فصل العامل عن ملكية شروط عمله ، وهي عملية تحويل وسائل الإنتاج الاجتماعية ووسائل المعيشة إلى رأس مال من جهة ، وتحويل المنتجين المباشرين إلى عمال مأجورين من جهة أخرى. وعلى هذا فإن ما يسمى بالتراكم الأولي ليس سوى العملية التاريخية لفصل المنتج (الفعلي) عن وسائل الإنتاج، وهي تبدو "أولية" لأنها تؤلف مرحلة ما قبل تاريخ رأس المال وأسلوب الإنتاج المطابق له"
إذن العملية التي تولد الرأسمالية ليست سوى عملية فصل العامل عن ملكية شروط عمله ، أي ليست سوى اغتراب هذا العامل عن هذه الشروط عبر نزعها منه بالعنف.
وقضم: أكل بأطراف أسنانه أو فمه ، وما ذقت قضاماً : أي لقمة . لقد قضم آدم التفاحة فحلت الخطيئة في الجنس البشري" ففي عملية القضم عملية نزع جزء من التفاحة وفصلها إلى أجزاء ، وفيها مبادرة أن يأكل الإنسان خبزه بعرق جبينه" حسب سفر التكوين التوراتي، أي يعيد إنتاج شروط حياته ، والذي يميزه عن جميع الحيوانات الأخرى. هذا الانفصال عبر الإدراك والعقل، والقدرة عند النوع الحيواني الجديد على إعادة إنتاج شروط حياته بعرق جبينه عبر البنية التشريحية والفسيولوجية الجديدتين هو سر السقوط وظهور النوع الإنساني؛ أي سر الخطيئة الأصلية التي أدت إلى هبوط آدم من الجنة الحيوانية وانفصاله بالإدراك والقدرة على إعادة إنتاج حياته الاجتماعية عن الطبيعة الحيوانية السلبية والمنفعلة والدخول في إنسانيته، أو بشريته. كذلك تكون عملية نزع الفلاح في العصور الوسطى عن ملكية أرضه التي هي الأساس الطبيعي لإعادة إنتاج شروط عيشه؛ الأرض كأداة طبيعية ورئيسية لإنتاج تلك الشروط.
الاغتراب الديني والسقوط من الجنة أو الانفصال عن الطبيعة هو اغتراب تاريخي "طبيعي" للإنسان حصل في التاريخ الطويل لحياة هذا النوع ، والاغتراب الرأسمالي وظهور أسلوب الإنتاج الرأسمالي هو اغتراب تاريخي أيضاً. وكما "نمت البنية الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي من البنية الإقطاعية للمجتمع الإقطاعي ، وانحلال هذا الأخير حرر عناصر الأول " كذلك نمت البنية التشريحية والفسيولوجية للإنسان من البنية التشريحية الحيوانية السابقة فتحررت يده وانطلق لسانه ، فأعاد بهما إنتاج شروط عيشه بعرق جبينه واخترع لغته.
السقوط فتق وتفريق وفصل ومسافة خلقها الإدراك الإنساني بظهوره ؛ فظهر نوع ذو نفس آدمية نيرة والتي سوف يركب عليها الأمر كما تركب الرياح السحاب ؛ يقال للريح ركّاب السحاب. فالروح نازل من عالم الأمر ، راكب على النفس الآدميّة النيرة التي تحررت بالسقوط أو بالهبوط من الجنة الطبيعية الحيوانية . صحيح أن الهبوط قد حرم النوع الإنساني من راحة الاندغام بالطبيعة، لكنه حرره من المحدودية الحيوانية ومن الانفعالية والغريزية الحيوانية، وقدم له نعمة العلم والمعرفة بالطبيعة وبطبيعته وبشروط حياته، ومتعة التمتع الجمالي بالموجودات الطبيعية والمعنوية.
يكتب ماركس: "إن الحركة التاريخية التي تحول المنتجين إلى عمال مأجورين ، تبدو من ناحية أولى كتحرير لهم من القنانة ومن أغلال الطوائف الحرفية، وهذه الناحية وحدها الموجودة بنظر مؤرخينا البورجوازيين . ولكن هؤلاء المحررين ، لا يصبحون من ناحية ثانية ، باعة أنفسهم إلا بعد أن تنهب منهم وسائل إنتاجهم كافة، وتنهب منهم جميع ضمانات العيش التي كانت توفرها المؤسسات الإقطاعية القديمة" [قارن هذا القول مع ضمانات العيش الحيوانية من غذاء طبيعي وفراء وماء وهواء، هذه الضمانات التي اضطر الإنسان أن يعيد إنتاجها بعرق جبينه إثر الهبوط من الجنة الحيوانية] .
ننقل عن كتاب "قصص الأنبياء" للدكتور عبد الوهاب النجار:
"سكنُ آدم وزوجته الجنة وخروجهما منها بسبب إغواء إبليس:
أمر الله آدم أن يسكن الجنة بعد أن خلق له حوّاء يسكن إليها ، وأباح لهما كل شيء في الجنة إلا شجرة عيّنها لهما ، ولكن إبليس وسوس لهما بالأكل منها وأغراهما بأنواع المغريات وقال لهما: إن ربّكما لم ينهكما بالأكل من هذه الشجرة إلا لأن الأكل منها يجعلكما من الملائكة وتكونان خالدين، ولا يقرب الموت والفناء ساحتكما. وقال لآدم : "هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" فأكل آدم وحواء من الشجرة فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة ليسترا عورتيهما ويجعلان ورق الشجر على هيئة الثوب الساتر. وعاتب الله آدم على مخالفته أمره والأكل من الشجرة ، فندم آدم وأخذ يعتذر ، فطرده هو وحواء من الجنة ، وطرد إبليس قائلاً : اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، وهداه واجتباه وبقي في الأرض هو وبنوه الذين أتى بهم من حواء في الأرض"
عندما أكل آدم من شجرة المعرفة هبط وبدت سوءته ؛ أي أدرك أن له سوءة مكشوفة فصنع ثوباً ساتراً ، وأكل خبزه بعرق جبينه، هبط على الأرض مع حيرته ومع حوّاء التي هي عين إبليس الخضراء القاتمة ، التي هي الإبلاس و التحير و الحيرة والتي خلقت من طبيعة النفس : النفس تتحير . لقد فتقت السماء عن الأرض بظهور الإدراك و ظهرت المسافة بينهما ، وهي عملية الفتق وانسلاخ الوعي الإنساني من الطبيعة.
بالكلمة البشرية التي هي صوت ومعنى تاب عليه ربه ، أي نزل عليه كالروح النازل على النفس. وبالكلمة عاتب الله آدم .
والعتبة : أُسكفّة الباب (خرج آدم من باب الحيوانية ودخل من نفس الباب إلى الإنسانية بظهور الإدراك وصنع الأدوات واللغة)
والعتبة: الشدة والأمر الكريه (هذا الانتقال والانسلاخ مؤلم وشديد ومكروه ، تماماً كنزع ملكية الفلاحين المستقلين ورميهم كعمال مأجورين يأكلون خبز يومهم بعرق جبينهم)
العتبة : المرأة ؛ إنها باب فيه الكثير من الهواجس الحسية ، والكثير من الطبيعة والعاطفة ؛ إنها كالباب الذي خرج منه آدم؛ باب الطبيعة [باب الكتاب]
والعتب: ما بين السبابة والوسطى (حيث تقابل الإبهام الأصابع الأربعة الأخرى) الإبهام: هذا الأصبع العبقري الذي ظهر مع الإنسان كنوع ؛ إنها اليد الإنسانية بكل جبروتها ومهارتها.
والعتْب: الموجدة .. والملامة (ظهرت الملامة مع ظهور النفس البشرية: النفس اللوّامة مقابل النفس المطمئنة)
والمعاتبة: أن تثب برجْل وترفع أخرى (وهو علامة على الانتصاب البشري والمشي على قدمين بدل أربع)
والتعتُّب: تواصف الموجدة ومخاطبة الإذلال.
والعتُتبى: بالضم الرضا (الاطمئنان)
وأعتب: انصرف (انصرف عن حيوانيته ودخل في إنسانيته).. عُتبة وعُتيبة كجُهينة أسماء ، وعند جهينة الخبر اليقين.
واعتتب: رجع عن أمر كان فيه إلى غيره(تاب عليه ربه أي رجع ) أي رجع إلى طمأنينته بالفكر الحق والمعرفة الموضوعية ؛ المعرفة الحقة كتجاوز للشقاء (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) .. وذُكر آدم في (سورة طه) خمس مرات.
واعتتب الجبل ، واعتتب الطريق: ركبه ولم ينب عنه ، ومن الطريق ترك سهله ، واخذ في وعره ، وقصد في الأمر. (طريق آدم وعر كونه يعيد إنتاج شروط حياته بنفسه ولا يتكل على الطبيعة ويستسلم لها كباقي الحيوانات)
"وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين" [فصلت / 24 ] أي إن يستقيلوا ربهم لم يُقلهم، أي لم يردهم إلى الدنيا ؛ أي لم يردهم إلى الحياة البورجوازية العادية بعد أن احترفوا السياسة وحياة الشأن العامّ.
وما عتبت بابه: أي لم أطأ عتبته (العتبة ومفهوم الباب في الفكر الديني الصوفي: النفس باب وحجاب يشف ويحجب الموجودات وحقيقة هذه الموجودات )
ملاحظة: بعضكم لبعض عدوّ: أي أن بعض النفس عدوّ لبعضها الآخر. والهداية معرفة الأمر ، وحوّاء (إبليس) خرجت من نفس آدم لأن من صفات النفس التحير والضلال .
"فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
البقرة(38)
إبليس قوة السلب عبر الشيطنة والخروج عن الأمر: "فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما" الأعراف/20 أي ما خفي عنهما.
جاء في (سورة طه): "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي، ولم نجد له عزما(115) وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى(116) فقلنا يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألاّ تجوع فيها ولا تعرى(118) وأنك لا تظمأ ولا تضحى(119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى(120) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى(122) قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123) "
الوسوسة للنفس والشقاء لها.
عصى : خرج عن الأمر
غوى: ضلّ (يتبعهم الغاوون، أي المُبْلسون المحتارون)

الاستعارة الثانية:
.. في معالجة الشكل النسبي للقيمة تظهر هذه الاستعارة عند ماركس، حيث يكتب: "ففي علاقة القيمة التي تكوّن فيها السترة معادل النسيج ، يلعب شكل السترة دور شكل القيمة . ولذا فقيمة البضاعة النسيج يجري التعبير عنها في جسد البضاعة السترة ، كما يجري التعبير عن قيمة بضاعة في القيمة الاستعمالية لبضاعة أخرى. إن النسيج بوصفه قيمة استعمالية شيء يتميز حسياً عن السترة . أما بوصفه قيمة (مجردة) فهو "مشابه للسترة" ويبدو كالسترة تماماً. هكذا يكتسب النسيج شكل القيمة المختلف عن شكلها الطبيعي [الاستعمالي، الجسدي] ويتجلى وجوده القيمي في مشابهته للسترة كما تتجلى طبيعة المسيحي الخروفية في تشبيه نفسه بحمل الربّ"
النسيج = السترة في المبادلة المفردة بين بضاعتين . هنا المشابهة بين جسدين مختلفين من الناحية الحسية لأن كليهما يحتوي نفس المقدار من قوة العمل البشري
طبيعة المسيحي الخروفية = حمل الرب لأنهما كليهما يعبران عن وجود اجتماعي معين . فالخروفية والانهزامية عند المسيحي ، وفكرة حمل الرب المنخلعة و المغتربة عنه وعن البشر هما تعبيران عن استسلام اجتماعي عند الأفراد وكأن الظلم قدر ماحق لا يمكن مواجهته.
فالذي جعل طبيعة المسيحي المستسلمة شبيهة بحمل الرب هي هذه العلاقة الاجتماعية المحددة، وهذا الوجود الاجتماعي القاهر لإرادة البورجوازي الصغير المحدود الأفق.
سلوك المسيحي المستسلم أو سلوكه الخروفيّ ؛ تنازله عن حقه = حمل الرب. غير متشابهين ، لكنهما يحملان شيء مشترك هو القيمة الاجتماعية للدين ، هذا التجريد للخروفية يجعل حمل الرب مشابهاً له، إنهما ليسا سوى تعبيرين عن أمر واحد ، تعبيرين عن وجود اجتماعي معين، مغترب أو منخلع ، تماماً كالسترة والنسيج ليسا سوى تعبيرين عن قيمة العمل النافع في مجتمع رأسمالي ينتج البضائع التي هي قوة عمل مغتربة عن منتوجها ذاته بفعل العلاقة الرأسمالية .
إن خروفية المواطن السوري بحكم تكييف عشرات السنين وبحكم الحصار السياسي والقمع المستمر جعلت منه مضارعاً للخروفية المسيحية وبالتالي مضارعاً لحمل الربّ.
الأستاذ نجيب روميّه: بداية، الدكتور قد أطال وأفاض كثيراً في الشرح؛ العودة إلى التاريخ قد تفيد أحياناً لمعرفة نبض هذا التاريخ هذا مهم والتحولات الخطيرة في مسيرة الإنسان الكبرى عبر هذا التاريخ. الماركسية لم تستطع أن تضع قدمها على تربة الفكر الإنساني لتصبح تتويجاً عبقرياً وخلاقاً لتمثل قمة الفكر الإنساني إلا منن خلال قراءة هذا التاريخ وتفسيره ورسم الأفق لتغيير هذا العالم. الماركسية لم تأت أصلاً لتكون حرباً على الإله ولم تأت الماركسية لتكون تحدياً للسماء لا، لم تأتي الماركسية لتعلن الحرب المسعورة والضارية بين المؤمنين والملحدين. الماركسية طرحت مسألة الصراع الطبقي والحرب القائمة هي بين مستغل ومستغل وبين مضطهد ومضطهد عبر التاريخ نلاحظ من فجر التاريخ مع تقسيم العمل ونشوء الملكية الخاصة بدأ الاستغلال وبدأت حكاية العذاب الكبرى للإنسان، الماركسية قرأت وعبر الممارسة النضالية العملية ماركس لم يكن في غرفة مغلقة فعلاً، فقرأ واستنتج وقدم نظرية إنما كان معجوناً في قلب الصراع الطبقي وكان زعيماً سياسياً بامتياز لذلك ربط النظرية بالتطبيق هذا الذي جعل للماركسية هذه الصدْقية العالية لأنه فكر علمي فكر مادي يرجع دائماً إلى الواقعة ليحتكم إلى الواقع، من هنا تأتي هيمنة وسيطرة الفكر الماركسي على كل الأفكار الأخرى بامتياز. السبب هذه المادية الصارمة للفكر العلمي الماركسي منبتها الواقع الاجتماعي الحي.
إذاً ماركس لم يعلن حرباً على الدين للدين إنما أعلن أن الصراع الطبقي هو قانون تطور المجتمعات وهذه حقيقة لذلك الفكر المادي العلمي الماركسي ليس صراعاً بين مؤمن وكافر بخلاف الأيديولوجية الدينية ، الإيديولوجية الدينية تسوق الأمر على الشكل التالي: تختصر عملية الصراع أنه بين مؤمن ومشرك ملحد ومؤمن والصراع بين الخير والشر فتهمل الواقع كلياً، تعمى عن رؤية الواقع كلياً وحركة هذا الواقع لتنقل الإنسان إلى عالم المجرد: حق باطل، خير شر. مجردات ليس الصراع إذاً بين غني وفقير حسب الأيديولوجية الدينية، وهذا هو التناقض بين الأيديولوجيتين.
لذلك الماركسية نظرت إلى الدين من هذا الموقع فرأت إلى الأثر السياسي، أخذت الماركسية بالاعتبار آثار الدين السياسية أثر الدين السياسي الخطير كيف يتم توظيف الدين إن كان يهودياً أم إسلامياً أم مسيحياً من قبل المضطهدين حيتان المال مستثمري الشعوب أعداء الشعوب هؤلاء الذين يجعلون الإيديولوجية الدينية غلافاً خارجياً لتضليل الفقراء ولجرهم إلى صفوفهم هم فيكون الفقير عدواً لنفسه لأنه يفهم المسألة فهماً مغلوطاً من جراء هذا التضليل الإيديولوجي نحن لا ننظر إلى الدين نظرة نقد من خلال الموقع الديني ومع احترامي لكل المؤرخين والمفكرين المسلمين والمسيحيين عبر العصور إذ وقفوا على تربة الدين وأرادوا أن يفلسفوا الدين بطريقة جديدة أنا أرى إلى المسألة من وجه آخر أرى، وهذا لا يعني عداء للدين أبداً، أنا أرى أننا لنعمم المعرفة العلمية يجب أن ننطلق من موقع آخر نقيض، لا يمكن أن أدحض زعماً لاهوتياً كهنوتياً دينياً مثلاً بأداة دينية أدحضها بالفكر النقيض الفكر الديني فكر غيبي ذات مرة أذكر أنه سئل لينين مرة سؤالا إذا أراد أحد القساوسة أن ينتمي إلى حزبك السياسي ألا تقبله، فأجاب أقبله لكن بشرط أن يقبل بالبرنامج السياسي للحزب، أن تحتفظ بقناعاتك إذا كان الدين بالنسبة إليك ضميراً تأخذ منه بعض القيم التهذيبية الروحية الأخلاقية أنت حر في ذلك لكن أن تقحم الفكرة الدينية في السياسة وفي الصراع الطبقي فهذا غير مقبول.
أ.منصور: الاتحاد السوفييتي في المنطقة ؛ كنا ندافع عن وجود الاتحاد السوفييتي في المنطقة، في فترة ما بعد الانهيار وكنا نتراجع ونسكت رغم رؤيتنا كشيوعيين عن كثير من المظاهر الخطرة التي كانت موجودة من أجل هدف آخر هو هدف وجود الاتحاد السوفييتي لأننا نعتبر المعركة بين معسكرين ونعتبر وجودنا داعماً للمعسكر الاشتراكي وليس منضجاً للظروف الاشتراكية ومنها اشتراكية البلاشفة هذه كانت نقطة خطيرة نتائجها كانت واضحة جداً؛ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كثير من الشيوعيين العرب تحولوا إلى ليبراليين وتحولوا إلى عملاء للأميركان (نموذج الحزب الشيوعي العراقي)، نموذج آخر، مثلاً المنقسمين عن الحزب الشيوعي اللبناني الذي سموا أنفسهم "حركة اليسار الديمقراطي" (الياس عطا الله). لدينا في سوريا مجموعة مشابهة هو التيار الذي يقوده رياض الترك، أكبر المناضلين الشيوعيين وأصلبهم بعد خروجه من السجن تحول إلى ليبرالي.
لأننا لم نقيم وننقد تقديم العلاقة مع الاتحاد السوفييتي على برنامجنا الوطني ولم نقيم انهيار التجربة أدى إلى انهيار كل خطتنا وإلى انقلاب معظمنا ، وأنا أرى أن هذه الانقلابات خطيرة جداً.
نقطة أخرى: فهمنا للتحالفات، الشيوعيون العرب ما عدا اللبنانيين تحالفوا مع التيار القومي بقيادة التيار القومي. هذا التيار القومي المهزوم لم نستطع أن نخرج التيار القومي من الهزيمة ووقعنا نحن في هذه الهزيمة. مثلاً بعد هزيمة حزيران 1967 تحالفنا بقيادة المهزومين هنا وفي مصر وفي كل مكان عدا لبنان وسنتكلم عن لبنان لاحقاً. وأدى ذلك إلى إدخالنا في الهزيمة وإلى مشاركتنا في هذه الهزيمة وعدم قدرتنا على الحفاظ على هذا التيار القومي، لذلك لا يوجد الآن في المنطقة العربية شيء اسمه التيار القومي.
الحزب الشيوعي اللبناني عام 1986 تكلم عن أزمة قيادة حركة التحرر العربية وطالب بتغيير القيادة وبادر إلى الدخول إلى المعركة الوطنية والقومية عبر المقاومة وأسس المقاومة ولعب دوراً كبيراً وأصبح قلب الحركة الوطنية اللبنانية، وصار جورج حبش رمزاً وعندما أخطا في التكتيك سقط، عندما أخطأ في التكتيك وأوقف المقاومة سقط، إذاً في تلك الظروف هناك مفاهيم معينة سيطرت والنقطة الأخطر والأهم- أيها الرفاق- هي اللاديمقراطية التي كانت موجودة في الحركة الشيوعية كل هذه الآراء كانت تناقش ولكن بدل أن تناقش عبر القيادة كانت تلفظ ، محولة إيانا عبر الآراء وعبر الظروف الصعبة إلى مجموعة فرق. هذه هي الحقيقة وهذه الأسباب هي أسباب أزمة الحركة الشيوعية، ولا نزال بحاجة إلى بحث هذه الأزمة، لا نزال قريبين إلى مرحلة الانهيار وكلما ابتعدنا أكثر كلما استطعنا أن نراها أكثر وعلينا جميعاً أن نقرأ الماضي قراءة موضوعية وجدية قراءة نقدية موضوعية جداً وانتقادية جداً حتى نستطيع أن نخرج من واقع مأزوم ، من الأزمة. حتى نستطيع تعويد أنفسنا الخروج من الأزمة.
أريد أن أتكلم عن أمر آخر، أريد أن أؤكد على الفكرة التي ذكرها الرفاق، الآن الحركة الشيوعية تأخذ مهام البورجوازية. أريد أن أتكلم عن نقطتين: الآن الإدارة الأمريكية تريد أن تعيد تقسيم المنطقة على أسس دينية وطائفية وإثنية وأقوامية؛ يعني ثوب ديني؛ يعني إنضاج الدور الديني من أجل إعادة التقسيم، انظروا ماذا حصل: أمام اجتماع أنابوليس يعلن عن إسرائيل دولة يهودية وفي حوار جرى بالأمس بحضور الدكتور نايف كنا نريد إدانة أنابوليس فرفض ممثلوا قومية معينة إدانته لأن هذه الدولة الدينية يقابلها دولة إثنية أو أقوامية. قرار الكونغرس الأمريكي تقسيم العراق إلى مجموعة دول عبر تقسيم ديني واثني : شيعة وسنة وأكراد، الخ.... وبالصراع الموجود في كل مكان من المنطقة العربية في سوريا في لبنان في الجزائر، الخ.. في الصومال في كل مكان إذاً الشرق الأوسط الكبير يعيد تقسيم المنطقة على هذه الأسس، نحن مهامنا أيها الرفاق أن نوحد المنطقة ولا يمكن أن تتوحد إلا بالخروج من الفهم الديني للدولة إلى الفهم العلماني. هذه المهمة كانت مهمة البورجوازية، والبورجوازيون قطعوا رأس كبار الكهنة في الثورة الفرنسية وأنجزوا دولة علمانية ولم يؤثروا على الدين حافظوا على الدين ولكن الدين تحول إلى طقوس فردية، إلى قناعات فردية ولم يصبح حكراً؛ كمؤسسة فكرية. نحن الآن أيها الرفاق لا يمكن لنا أن ننقذ هذا الوطن بدون أن نطرح علمانية الدولة وبدون هذا المفهوم العلماني للدولة لا يمكننا أن نكون اشتراكيين، والاشتراكي بدون هذا الفهم العلماني لا يمكن أن يكون اشتراكياً ولا ديمقراطياً، يعني مثلاً هتلر كان يتكلم عن المفهوم العلماني للدولة وكذلك ستالين كان يتكلم عن هذا المفهوم ولينين يتحدث عن المفهوم العلماني للدولة ولكنه مرحلة أرقى، التبني العلماني للدولة يخفف ويضعف التأثير السياسي للدين؛ تأثير الدين السياسي على السلطة، هذه مهمة رئيسية من مهامنا بدون أن نعيد طرح مسألة الصدام مع الفكر الديني المعزز لسيطرة البورجوازية على المؤسسات الاقتصادية (هذه المهمة التي كانت قد أنجزتها البورجوازية الأوروبية من قبل) وكان على البورجوازية السورية بين الحربين أن تقوم بهذه المهمة فترة حكمها ولكنها جبنت عن القيام بذلك. والشيوعيون في الفترة الماضية تعاملوا مع الدين ليس برؤية احترامه، بل برؤية الخضوع لبعض مقولاته. علينا أن نتمرد على هذه المقولات لنحمي وحدة وطننا وإذا كانت هناك مهمات فهذه واحدة منها. ماذا فعل البورجوازيون: الإقطاعيات الصغيرة كانت تنسجم مع الإنتاج الإقطاعي، الدوقيات في فرنسا تحولت هذه الدوقيات مع صعود البورجوازية إلى دول ، الآن في بلدنا بالعكس تفتت دول إلى اقطاعات وإمارات، هذه هي الظاهرة الخطيرة التي نشير إليها. لذلك هذه المهمة مهمة وطنية وطبقية، هي مهمة بورجوازية وليست مهمة اشتراكية ولكن بسبب جبن البورجوازية يجب أن نتصدى لهذه المهمة وهي مهمة رئيسية وفي رأيي أن اللقاء القادم إذا ما وافقتم أن نكرس هذا الفهم حتى لا يكون هذا الفهم صدامياً مع المتدينين؛ مع مشاعر المتدينين، ولا يكون فهماً متطرفاً بل فهماً علمانياً علينا أن نطوره بكل جدية وبكل قوة وبكل جرأة ونعبئ الجماهير حوله ولذلك أقترح أن يكون موضوع الندوة المقبلة حول العلمانية.
أحمد: أرى أن النقطة الأهم هي تبعية مشروع اليسار العربي إلى مركز أممي بيروقراطي كانت من النقاط الهامة التي أدت إلى فشل هذا المشروع؛ تبعيته بشكل مطلق هناك مثلاً المسائل على صعيد القيادة بشكل بيروقراطي وليس ديمقراطي هذه من أهم المسائل التي أدت إلى فشل هذا المشروع.
عارف: تعقيباً على هذا الارتباط بالمركز الأممي البيروقراطي حيث تكلم الأستاذ منصور في بداية الحديث عن هيمنة التكتيك على الإستراتيجية في البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري. حقيقة هي آتية من نفس السبب باعتبار قرارك قادماً من الخارج حكماً سيرتبط برنامجك بالشروط الموضوعة لهذا الخارج فأنت عملياً ليس لديك أية إستراتيجية، وهذا هو السبب الذي أدى إلى هيمنة التكتيك على الإستراتيجية في الحركة الشيوعية العربية على مدى عقود.
بشار: أريد أن أبدأ بكلام الأستاذ منصور؛ هو حدد الأفكار التي أدت إلى صعود السلفية بثلاث نقاط أو أربع بالارتباط مع البورجوازية وفشل الماركسيين في نشر أفكارهم وفشل التيار القومي. أنا لا أريد أن أتكلم عن موضوع دور فشل البورجوازية وانسداد آفاق التحديث في صعود التطرف الديني بل أريد أن أتكلم عن دور فشل الماركسيين في نشر أفكارهم ، ودور ذلك في صعود هذا التطرف، تحدث الأستاذ نجيب عن الفكر الماركسي وقال أنه أرقى فكر وصلته البشرية. نحن الوحيدون القادرون على قراءة الواقع قراءة التاريخ هذه النقطة كنت أتمنى أن تصاغ بشكل أفضل، لماذا؟ حتى الآن لا يوجد أي تطلع عند أي حزب ماركسي حول الوضع العربي. كنا من قبل نطبق التجربة السوفييتية وذلك نتيجة عجز أي مشروع عربي على إنتاج تجربته الخاصة رغم امتلاكنا لكل المقومات، ونظراً لفشل المشروع الديني والمشروع القومي. ورغم ذلك تستقطب هذه التيارات كثيراً من الكوادر بينما يعجز المشروع الماركسي عن الاستقطاب، رغم أن لديه جميع مقومات النجاح نرى أنه عاجز. أريد أن أعقب حول موضوع النقد الديني حسب طرح الأستاذ نجيب: يجب أن يكون النقد من موقع الفكر النقيض أنا أفترض أنني أفهم تماماً هذا الرأي أحد الإشكاليات التي تحصل في نقد الدين، في نقاشنا مع الفكر الديني نظهر وكأننا نتمترس، لأن هذا الطرح بالأصل يرفضه المتدين ويرفض حواره ويرفض الآلية التي أتحدث أنا بها وأنا أقول من فمكم أدينكم إذا كنت قارئاً للتاريخ وبالتالي أنا قادر على هذه الإدانة أما إذا أردت أن أتمترس خلف أفكاري فسوف تكون ردة فعله أنه لن يستطيع فهمي ولا أن يسمعني وهو بالأصل غير معترف بي وهذه إحدى إشكاليات الفكر الماركسي في الفترة السابقة حيث كان الماركسيون يتمترسون خلف أفكارهم أو وراء التجربة السوفييتية.
د.نايف: فكرة القراءة من موقع النقيض بالنسبة إلى الفكر الديني وبالنسبة إلى التراث فكرة صحيحة لأنك إذا قرأت كل التراث القومي والديني من موقعه دون أن تتسلح بأدوات جديدة متقدمة قادمة من فكر آخر ومن بنية فكرية أخرى كالفكر البورجوازي الأوربي والفكر الاشتراكي فإنك لا تستطيع أن تحرز أي تقدم على مستوى هذه القراءة النقدية وسوف تكون النتيجة إعادة تكرار التراث بألفاظ حديثة لا أكثر ولا أقل. مثال ذلك نصر حامد أبو زيد في تجربته في قراءة التراث، اطلع على أدوات معرفية متقدمة كعلم الإشارات والسيمياء وعلم الصوتيات الخ.. وخرج بنتيجة جيدة نعرفها جميعاً. إذن عندما أقرأ التراث من موقعه فأنا أكرره من هنا ضرورة قراءته من موقع نقيض متقدم أو مختلف يستطيع الخروج بنتائج علمية. الأستاذ نجيب يريد أن يقول أنك إذا قرأت الغيبيات من موقع غيبي لن تخرج بأي نتيجة لذلك عليك أن تقرأ هذا الفكر الغيبي من موقع الفكر العلمي (الفكر الماركسي؛ الفكر التاريخي الاجتماعي وبواسطة الديالكتيك) كمنهج إجمالي، فحتى أفهم الفكر الغيبي كتمظهر لواقع اجتماعي بعينه وكفهم مقلوب لهذا الواقع عليّ أن أقرأه من موقع الفكر العلمي
أ.منصور: نحن بعد عام 1969 (أي بعد المؤتمر الثالث) قررنا البحث في التراث وربط الحزب بالتراث صدموا الحزب بالتراث وأضحى لدينا تياران في الحركة الشيوعية السورية أتكلم عن الخطورة وأؤكد على الخطورة الرفاق جماعة رياض الترك خرجوا بنتيجة أن التعامل مع الدين هو تعامل مع تراث وطني تحرري يؤدي إلى النهوض (هكذا بشكل آلي من دون نقد) ، على أساس أن قسم من علماء الدين المتنورين ساهم في مرحلة التنوير الأولى، أدى فيهم ذلك أنهم في مرة من المرات أصدروا بياناً يحيون فيه ميلاد الرسول وتعاطفوا في بداية الثمانينات مع الأخوان المسلمين، كل هذا نتيجة الفهم الخاطئ للتعامل مع التراث، التجربة السلفية والعنف السلفي أدت بالألوف إلى القتل.
عارف: هناك خلط بين مفهومين: مفهوم القطيعة المنهجية مع الفكر الديني والموقف القيمي للدين، إذا أنت اعتقدت أن نقد الدين هو معاداة للدين فأنت مخطئ تماماً. إذن القطيعة المنهجية تعني اعتماد أدوات حديثة لقراءة التراث الديني لإعادة الارتباط معه نقدياً وفي مستوى أعلى (أرقى)، بهذه الحالة أنت تعيد إنتاج الدين ولا تقف موقف العداء منه، الذي تفضل به الأستاذ منصور والذي أخذه بعض الماركسيين بشكل بسيط أدى إلى نتائج مؤسفة .
أ.منصور: أريد أن أكمل فكرتي وأوضحها في الموقف الآخر من التراث كيف قرأ الماركسيون اللبنانيون التراث حيث ظهر لديهم كتاب حسين مروة: "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية". جماعة رياض الترك ساروا خلف "الإسلام" من دون نقد، الماركسيون اللبنانيون مشوا خلف الثورة. الآن عبر هذه الرؤية يتناولون موضوع العلمانية في لبنان وقادرون طبعاً، لذلك لا بد من رؤية التجارب حتى نستطيع أن نحدد . والتجارب في منطقتنا عديدة جداً وكبيرة جداً.
د.نايف: بخصوص التمترس وراء الأفكار ونقاش المتدينين، نموذج بسيط وهام في كتابي "ما بعد الحداثة" قدمت قراءة في تجربة الصوفي المعروف الحسين بن منصور الحلاج. عشرات المتدينين المتزمتين قرؤوا هذه القراءة الحديثة للحلاج لم يقرؤوا القراءات القديمة حول الحلاج في هذا الوقت لماذا؟ هناك رجال دين عاديون من محيطنا جاؤوا يسألون عن رأيي في الحلاج لأن هذه القراءة قراءة من موقع حديث، أتمنى على القراء أن يعودوا إلى كتاب ما بعد الحداثة لمراجعة هذه القراءة، إذاً عندما وقفت في موقع الفكر العلمي وقرأت الفكر الغيبي أو الصوفي أنتجت معرفة، حتى المتدين أصبح قادراً على التواصل معها ، لماذا؟ لأنني بهذا قد فتحت حواراً وأسست لتواصل من نمط جديد مع هذا المتدين وفكرته طبعاً عبر هذه الشخصية التراثية أو الدينية التي يحبها المتدين ومرتبط معها عاطفياً والتي ارتبطتُ معها نقدياً. إذاً إن القطع المنهجي مع التراث يصلك معه من ناحية النقد ومن ناحية إنتاج العلم بهذا التراث، أما التماهي المنهجي مع التراث أو مع عاطفة المتدين فيجعلك تسير في ركب المتدين ولا يسمح للباحث بإنتاج أي شيء على مستوى العلم بالتراث ذو قيمة.
أ.نجيب: تكرار القول لا يعني معرفة بالقول والنقد لا يكون إلا من موقع الاختلاف لا من موقع التماثل ودائماً المنطق الديني يواجه بمنطق علمي مادي لا أن تسب الدين لا،هذا الرجل المتدين الطيب النظيف القلب أحترمه وأجلّه تماماً عالمه في كون آخر خلاصه في مملكة أخرى هذا الرجل حين يمتلك المعرفة وينمو عنده الوعي ويكتشف أنه مسروق ماله منهوب مضطهد بقوة أرضية لا بقوة سماوية الفقر ليس من الله والمرض ليس من السماء والكوارث والحروب والأوبئة .. ووو وكل ما يجرح كرامة الإنسان ليس من السماء إنما هو من صنع أرضي ويكتشف هذا الأمر عيانياً وبالملموس سوف يقف فيما بعد إلى جانب رفاقه المناضلين الفقراء البائسين وبالتالي تطوير وعيه عبر الممارسة ، عبر الممارسة لا يمكن أن أواجه رجلاً متديناً نظيف القلب بهذه العدائية لا يمكن أن أواجهه بهذه العدائية أحترمه لأنه يرى أن باب الخلاص فوق أنا أنقل هذا النقد عبر عملية الوعي والممارسة أن الخلاص هنا لا في السماء، من الذي يؤكد أن الخلاص سماوي من له مصلحة في ذلك هم الذين يسرقون ويحتكرون وينهبون الثروة .. وو . على سبيل الظرف والدعابة أن أحدهم قال يوماً لأحد أصدقائه يا صديقي تأخذ مكاني وآخذ مكانك تأخذ قناعاتي وهذا الوعد الإلهي تأخذه وتعطيني ما تملكه أنت تعال نتبادل الأدوار، هذا تضليل!
مسألة الوطني والطبقي في مجتمعنا العربي وإنتاج الفكر العلمي المادي الذي ينسجم مع هذا الواقع ويقرأ هذا الواقع أكدنا في مطلع هذا الحديث على أن الارتباط بواقعنا أبجدية أولى وكل إنتاج معرفي خارج نطاق هذا الواقع نظرة في الفراغ وغير مجدٍ يجب أن لا نقلّد ويجب أن لا نتبع ويجب أن لا نكون ظلاً يجب أن نصنع معرفة بهذا الواقع ويجب إنتاج الفكر الماركسي العلمي المادي.
العلاقة بين الوطني والطبقي هذا من منتجات الحركة الماركسية العربية المعاصرة قديماً في الكلاسيكيات الشيوعية العربية (الستالينية والبكداشية) الصراع الوطني تقوده البورجوازيات أولاً تنهي مهامها الوطنية فتأتي الطبقة العاملة لتبدأ بالصراع الاجتماعي فتبني الاشتراكية. هذا المنطق مرفوض لأن العدو الوطني الآن هو عدو طبقي في الوقت ذاته وبالتالي الصراع الوطني الطبقي مزدوج وعلى الطبقة العاملة الثورية أولاً هي أن تتولى القيادة لا البورجوازية جربنا البورجوازيات وقيادتها وسبق أن أشرت إلى أن البورجوازيات عبر تاريخنا الحديث أثبتت فشلها وفشلها لم يعد بحاجة إلى دليل وبالتالي القيادة في المعركة الوطنية الطبقية يجب أن تكون للطبقة العاملة الطليعية المتنورة طبعاً بالفكر العلمي المادي وحزبها الطليعي. إذاً نقد الدين لا يعني أننا نتعاطى مع رجل الدين أو المتدين تعاطياً سلبياً هكذا لا، كل ما في الأمر نقل الوعي نقل عملية الوعي وعبر الحوار والممارسة. أيضاً ما مصلحة العامل الفقير أن يجلس خلف رجل الدين في الجامع أو خلف رجل الدين في الكنيسة وينفخه بالمواعظ وهو يتضور جوعاً ما مصلحة هذا البائس أوليس من الأجدى أن أكشف لهذا البسيط وأقول له: أنك أنت مضطهد فقير بائس حكايتك هي التالية....أن أعده بأن الله سبحانه وتعالى سوف ينصفك فيما بعد عن عذاباتك وشقائك هذا منطق يقبله العامل يقبله البائس المسروق المحتاج الفقير الجائع المسلوب، الدين لم يأت برغم التاريخ إنما أتى في سياق تطور التاريخ وهو ظاهرة اجتماعية بامتياز لذلك كي لا نتحفظ كثيراً الإنسان هو الذي خلق الإله قد يكون هذا الكلام مراً. نعم ، الإنسان هو الذي خلق الإله! . أ. منصور: مرة من المرات أكله.(لأنه من تمر)
أ.نجيب: بجرأة، جرأة العلم لا حياء فيها جرأة العلم لا تعني كفراً ولا تعني إلحاداً والطبقة العاملة ليست ملحدة. ما مصلحة الطبقة العاملة في الإلحاد؟ هي تريد حلاً للمشكلة الاجتماعية حل المشكلة، إبطال الاستغلال حل المشكلة ألا يكون هناك ملكية لوسائل الإنتاج لدى قلة تتحكم بحياة البشر، إنقاذ البشر بتجنيبهم الحروب إنقاذهم من الفقر والبؤس عبر العدل الاجتماعي والتخلص من الفقر والمرض والبؤس ونصنع جنة على هذه الأرض وليس من كوكب آخر هذا القرار يأخذه الإنسان الواعي العاقل والشعوب أنا أرى أنها متجهة بهذا الاتجاه رغم الانتكاسات وبرغم أن الإمبريالية التي تقود العالم إلى الهاوية وبرغم الدماء التي تسيل أنهاراً هنا وهناك، للشعوب فجر وغد منتظر تتجه إليه وتترقبه بجدية ولا يمكن أن تضيع لا نضالات الشعوب ولا تضحياتها سدى هذه انتكاسات، سقط المعسكر الاشتراكي صحيح وسقطت التجربة صحيح ولكنه سقوط على طريق طبيعي، الدرب طويل جداً لا يمكن للرأسمالية العالمية وللإمبريالية أن تترك مواقعها هكذا. لا يمكن بالعكس حين تترك موقعها تحن حنين الإبل إلى العودة وتحاول أن تعود وبأشرس وبأقسى من سابق وهذا ما حصل حالياً؛ يعني الهجمة حالياً على الفكر العلمي أشرس وأقوى من سابق لماذا؟ حتى الرئيس الأمريكي قالها مرة بصراحة كانت خطيئة كبرى أن التجربة الاشتراكية في روسية قد نجحت إن هذه غلطة تاريخية لن تكررها الولايات المتحدة إطلاقاً إذاً هناك حنين إلى العودة.
بشار: أنا طرحي ليس هنا. تخيل بعد كل هذا النقاش وأتهم بالإلحاد كماركسي لأنه بعد كل هذه النقاشات يتهم الماركسي بأنه ملحد، تخيل أن أي إنسان من تيار قومي أو من تيارات سياسية أخرى غير الشيوعية يكون قمة الإلحاد ومع هذا لا يتهم هذا الاتهام. أحياناً تعتبر صفة الشيوعي تهمة بحد ذاتها وتلحق بالصفة الأخرى التي هي الإلحاد
د.نايف: عليك التركيز على الممارسة ، فالممارسة يمكن أن تحل مثل هذه القضايا مسألة مقاربة رجل بسيط متدين وفتح حوارات معه.
بشار: كل ما هنالك أن هذا الإنسان البسيط، كيف أخاطبه؟ ما هي آلية الخطاب؟ كل ما هنالك أن أختصر المسألة بعبارة لينين ما العمل؟ أي آلية الخطاب وهذه الآلية في رأيي غير موجودة وأغلب نقاشنا يدور حول هذه الآلية أما الأفكار النظرية الأخرى فأنا لست ضدها وأتفهمها رغم أننا نمتلك كل المقومات كماركسيين ومع ذلك لم نستطع الوصول إلى هذه الآلية.
نبيل: الماركسية الآن ليست حالة شعبية وليس مطلوباً منا أن نكون حالياً حالة سياسية شعبية عامة وليس المطلوب أن نخرج خطاباً لعامة الجمهور وغير مسموح أن نوصل هذا الخطاب في حال إنتاجه وغير مسموح النشاط بمعمل أو مؤسسة ولا في مصنع ولا في مؤسسة. مسألة الخطاب الاجتماعي تعالج لاحقاً عندما نخاطب الجمهور ببيانات معينة لن نخاطبه بأعمال ماركس وأعمال لينين هذا كل ما في الأمر و لا غير، مع الشكر.
أحمد: علينا أن نفرق بين النقد والنقض والخلط بين الأمرين من الأخطاء الشائعة التي وقع فيها الشيوعيون السوريون سابقاً بأنهم عملوا على نقض الدين والنقض يعني تهديم الشيء وقلبه من أساسه الدين هذا تراثنا القومي شئنا أم أبينا هذا التاريخ هذا التراث علينا أن نعمل عليه نأخذ الإيجابي منه والفعال ونترك السلبي والعديم النفع وعندما نعمل على هذا الأساس علينا أن نعمل من موقع ماركسي وهكذا لن تصطدم مع الآخر بل على العكس أنت تعمل لصالحه، وشكراً.
د.نايف: بشار، عندما تناقش مسألة نقل الوعي أنت تنسى مسألة الواسطة أو الماكينة أنا عندما أؤسس وعياً هذا عمل له حيثياته، وعملية نقله حيثية أخرى، وهذه الحيثية الأخرى من عمل الحزب وكذلك الحيثية الأولى، لماذا اخترع الماركسيون الحزب الإيديولوجي الحديث لماذا نظّر لينين كثيراً وقتل نفسه حول قضايا التنظيم وبناء الحزب، الحزب هو الماكينة أو الآلة التي ستنقل الوعي الحزب هو من يضع التكتيكات والآليات كيف سيتعامل مع رجل الدين النظيف وغير النظيف، الخ.. وكيف يتعامل مع السلطة السياسية ومع السلطات الدينية هذه مهمة الحزب وهذه مهمة الممارسة وهذا ما قصدته بالممارسة ولا يعني أنني إذا قرأت كتاباً في نقد الدين أو في الإلحاد أن مهمتي ستكون نقله مباشرة إلى المتدين لا بالعكس ما يتم نقله إلى المتدين وإلى الجمهور محكوم ببرنامج الحزب بإستراتيجيته وتكتيكاته، وعلى كادر الحزب أن يكون مقنعاً ومدرباً وغير استفزازي في نقل أفكاره وأفكار برنامجه إلى الجمهور العريض أشكركم جميعاً.
- سوف تمر كلمة منتجي البضائع: المنتج المباشر (قوة العمل) والمنتج بمعنى مالك العمل أو الرأسماليون.
2 - أي لم ينتج عن فضل القيمة واستغلال قوة العمل
3- الهبوط من الجنة، و أساطير السقوط
4 - أن يعيد إنتاج شروط حياته على العكس من جميع الحيوانات الأخرى
5- كارل ماركس : رأس المال المجلد الأول ترجمة دار التقدم ص ص 301-302
6 - رأس المال مرجع مذكور ، ص 303
7 - الفيروز آبادي : القاموس المحيط، طبعة مؤسسة الرسالة 1998 ، ص 1150

8 - لاحظ، حوّاء في الجنة وحوّاء في الأرض؛ حيث الجانب الحسيّ مشترك بين الإنسان والحيوان. والمعرفة الحسيّة تولد الحيرة والالتباس. الحُوّة: بالضم: سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد.. وشفة حوّاء: حمرة إلى السواد.. والأحوى: الأسود؛ والنبات الضارب إلى السواد لشدة خضرته.. والحوّاء: زوج آدم " المحيط ص 1277 . وخلقت حوّاء من ضلع آدم: أي أن الحيرة والتحير خرجت من طبيعة النفس البشرية التي هي آدم .
9- رأس المال المجلد الأول مرجع مذكور ص 78

تحرير: د. نايف سلّوم
تدقيق لغوي: أ. نجيب روميّه
الدين الطاعة العامة التي يثاب عليها . في الفارسية : دين دوري: أي ، كتابة [تعليم مكتوب يرجع إليه]. والمِلّة سميت كذلك لاستمرار أهلها عليها، وقيل أصلها التكرار من قولك : طريق مليل .. ومنه الملل [ومليّاً] . أما الدّيِن فأصله الطاعة ويجوز أن يكون أصله العادة . للطاعة دين لأنها تعتاد وتوطِّن النفس عليها " . والشريعة هي الطريقة المأخوذ فيها إلى الشيء ، ومن ثم سمي الطريق إلى الماء شريعة . يقال : شرع في الدين شريعة، طرق فيه طريقاً، والملَّة تعيد استمرار أهلها (الشريعة) فيها." المذهب والمقالة : أن المقالة قول يعتمد عليه قائله ويناظر فيه، يقال: هذه مقالة فلان . إذا كان سبيله " من المحرّر

مراجع مقترحة حول الماركسية والدين :
1- باور- ماركس: "حول المسألة اليهودية" ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة –بيروت من دون تاريخ
2- كارل ماركس، فريدريك انجلز: "حول الدين" ترجمة ياسين الحافظ ، الطبعة الأولى 1974 ، الثانية 1981 . دار الطليعة- بيروت
3- ميشال برتران: "وضعية الدين عند ماركس وانجلز" ترجمة صلاح كامل ، دار الفارابي 1990
4- دانيال هيرفيه ليجيه، جان بول ويلام: "سوسيولوجيا الدين" ترجمه عن الفرنسية درويش الحلوجي ، المجلس الأعلى للثقافة-مصر 2005 .
5- برهان غليون: "نقد السياسة- الدولة والدين" المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1991
6-سربست نبي: "كارل ماركس- مسألة الدين" قدم له د. نصر حامد أبو زيد . دار كنعان، الطبعة الأولى 2002
7- Karl Kautsky
Are the Jews a Race?
(1914/1926)
Written: 1914.
Published: Jonathan Cape. Printed in the United States in 1926, never gives the identity of the translator.
Transcribed: Ted Crawford for marxists.org, October, 2002.











ماذا بقي من الماركسية؟
محمد سيد رصاص

-1-
كما استخدم كانط نظرية المعرفة للوصول إلى مفهوم للوجود، وكذلك هيجل
النظرية التاريخية، وأيضاً أوغست كونت عبر استخدامه للعلم كأساس لفلسفته، فإن كارل ماركس قد استخدم الاقتصاد السياسي كأساس معرفي لرؤيته الفلسفية الشاملة للكون والمجتمع والإنسان، تماماً مثلما كان استخدام داروين لعلم الطبيعة وسيلة لتكوين نظريته.
يقول (س.ج.أرثر): "استخدم ماركس منطق هيجل لتشكيل قوام علمه الاقتصادي" (1)، معتبراً أن كتاب "رأس المال" يِشكل مثالاً تطبيقياً لاستخدام هذا المنطق، الذي يتخلل ويشكل هذا الكتاب الاقتصادي، وهو شيء قد سبقه إليه جورج لوكاتش في "التاريخ والوعي الطبقي"/ 1923 /عندما اعتبر أن هناك رؤية فلسفية تتخلل "رأس المال" إلى أن أتى نشر "مخطوطات 1844" لماركس في الثلاثينات إثباتاً لذلك، وربما كان، في هذا الإطار، حديث ماركس عن (الاقتصاد)، كرابط للمجتمع مع الطبيعة في عملية إنتاج حاجات الإنسان، يمثل مفتاحاً لفهم استخدامه للاقتصاد كمعبر لنقل الإنسان من (الضرورة) إلى (الحرية): "عبر تطوره [=الإنسان] فإن مملكة الضرورات المادية تتوسع كنتيجة لتوسع حاجاته، ولكن، وفي نفس الوقت، فإن قوى الإنتاج التي تلبي هذه الحاجات تتوسع. إن الحرية، في هذا الإطار، لا يمكن تكوينها إلا من خلال الإنسان المُشَرَّك، المنتجين المتكاتفين، الذين ينظمون بعقلانية عملية تبادلهم مع الطبيعة عبر وضعها تحت سيطرتهم الجماعية، بدلاً من أن يكونوا محكومين من قبل قوى الطبيعة العمياء، وذلك من خلال صرف الحد الأدنى للطاقة وتحت شروط تميل إليها الطبيعة البشرية أكثر، وتنال استحقاقها. بدون شك يبقى هذا مملكة للضرورة، التي تقبع مملكة الحرية ما بعدها والتي تمثل تطوراً للطاقة البشرية يشكل، في حد ذاته، هدفاً: إن مملكة الحرية لا يمكن أن تتفتح إلا عبر هذه المملكة للضرورة كقاعدة انطلاق نحوها"(2)، وهو ما يشكل – أي هذا النص- تكثيفاً ملخصاً لآلاف الصفحات التي استغرقتها الكتب الثلاثة من "رأس المال"، من حيث كونها قد عرضت آليات الانتقال من (الضرورة)، والقوانين الناظمة لها، نحو (الحرية)، التي لا تمثلها، بعد، المرحلة الاشتراكية التي تظل خاضعة لقوانين (الضرورة)، وإن كان تعريف ماركس للمجتمع المُشَرَّك، الوارد هنا، يضع خارج قوسيه النموذج السوفيتي وتوابعه ولواحقه، الشيء الذي شكل، بإطلاق صفة (الاشتراكي) عليه، أحد أكبر سوءات الفهم الجماعي التي شهدها القرن العشرون. الاقتصاد هو وسيط المجتمع مع الطبيعة: عبر ذلك تتشكل النظرة للكون عند الإنسان. أيضاً، من خلال ذلك الثالوث، تتكوّن السياسة بوضعها أداة لتنظيم هذه العلاقة، والتي- أي هذه العلاقة – تؤسس وتشكل نظرة الفرد إلى ذاته ومجتمعه والعالم، وهو ما يشكل الإطار الذي تتولد عبره الأفكار والثقافة والفن والعالم الروحي. من هنا، فإنه إذا كانت السياسة هي تكثيف لبنية اقتصادية- اجتماعية، فإنها لا يمكن أن تنفصل عن (البنية الفوقية) كعلاقة تَشَكُلْ، وفي الوقت نفسه فإنها، عبر ذلك، تعطي تلخيصاً مكثفاً ومعبراً عن البنيتين وعلاقتهما في مجتمع محدد وفي زمن معين، وعبر علاقة هذا المجتمع، كداخل، مع عالمه الخارجي كمحيط.
الماركسية، كفلسفة، اعتبرت الاقتصاد مدخلاً إلى فهم هذه العلاقات ووضعتها
في إطار معرفي مفهومي من خلال استخدام منهج تحليلي، حاول استعمال الدقة العلمية في تحليل هذه العلاقات وتداخلاتها في مجتمع "ما" للوصول إلى قوانين استخدمت في استنباطها منهجية تاريخية جدلية، ذات طابع فلسفي، ليتم تطبيقها على الاقتصاد في المجتمع المعين والمحدد.
إن هناك دائرة يرسمها نمط الإنتاج، أو البنية الاقتصادية- الاجتماعية، حول
حركة المجالات الأخرى، التي تظل من حيث مدى حركيتها مشروطة ومحددة بالعامل الاقتصادي، أما ما عدا ذلك، وفي إطار حركتها الذاتية كعناصر موجودة بهذه الدائرة، فإنها تملك (بما فيها السياسة والأفكار والثقافة والفن والأطر الروحية) استقلالاً ذاتياً والقدرة على تبادل التأثير، مما يؤدي إلى علاقات غير انعكاسية في هذه (الكلية).
المجتمع هو حاصل تفاعل أفراده مع الطبيعة عبر الاقتصاد، إلا أن هذه
الفعالية تتم عبر سياق البنى (الاقتصادية- الاجتماعية- السياسية- الفكرية)، مما يمكن أن يتم عبر أشكال فردية أو جماعية، إلا أنه لا يخرج عن أشكال التنضد الطبقي، أو الفئوي، أو المهني، للمجتمع.
" إن أسلوب إنتاج الحياة المادية يشرط سلسلة أفاعيل الحياة الاجتماعية
والسياسية والثقافية بصورة عامة" (3): إنه يشرطها، ولكنه لا يحددها أو
يشكلها، وإنما الذي يقوم بذلك فعالية الإنسان الذهنية الذاتية التي تختار
أيديولوجياً، طبقاً لتحيزاتها أو انتماءاتها الاجتماعية، في إطار هذه الدائرة
التي يمثلها نمط الإنتاج، وليس خارجها، حتى ولو استطاعت إنشاء تعبيرات
فكرية متجاوزة، أو متعالية فلسفياً، إلا أنها تبقى "خيارات" ذهنية نابعة من هذا "الشرط" ومحدّدة عبره وبواسطته حصراً. لهذا، فالأيديولوجية تعبير عن إرادة ذهنية إما لتثبيت هذا الشرط أو إبقائه، أو للعمل على تجاوزه، وتأتي السياسة لتشكل التعبير العملي، عبر الممارسة السياسية، عن الخيارات الأيديولوجية في المجتمع المعني. هذه الرؤية الفلسفية، الموضوعة في منهج تحليلي معرفي، لعلاقة الخماسي (الطبيعة –الاقتصاد- المجتمع- الفكر- السياسة) تشكل الجِدَّة الفلسفية المعرفية الرئيسية للماركسية :فهي تتعامل مع هذا الخماسي، بتعالقاته، كبنية كلية يحاول هذا المنهج القبض المعرفي عليها ليس عبر نظرية سكونية ستاتيكية (مثل البنيوية) وإنما عبر نظرية تاريخية لحركية هذه البنية الكلية، ووفقاً لجدلية (الداخل- الخارج).
- 2 -
عبر تطبيقات هذا المنهج، توصل كارل ماركس إلى خلاصات محددة في الاقتصاد (مثلاً نظرية الإفقار المتزايد للطبقة العاملة والفئات الوسطى)، وإلى قوانين معينة للعملية الاقتصادية (القيمة – فضل القيمة، الخ..)، وإلى خلاصات سياسية (ديكتاتورية البروليتاريا- الحالة البونابرتية كحالة يقفز فيها شخص "ما" إلى السلطة في اللحظة التي يصل فيها الصراع الطبقي إلى حالة انسداد، ليقدم نفسه في صورة القائد الجامع والمنقذ الذي هو "فوق الطبقات" –نظرية اضمحلال الدولة المقدمة في "نقد برنامج غوتا"، الخ..).
إضافة إلى تطبيقات لمنهجه على حالات سياسية معينة (مثلاً ألمانيا
المتخلفة، كما في "البيان الشيوعي" وفي نصوصه المضادة لفرديناند لاسال المتحالف مع بسمارك بين عامي 1862-64، عندما ينصح ماركس ببرنامج بورجوازي- ديموقراطي لها، يحمل طابعاً ليبرالياً، بخلاف البلدان الصناعية المتقدمة التي يطرح لها برنامجاً اشتراكياً)، فيما نجد ماركس يعطي تطبيقات معينة لهذا المنهج على الثقافة (كما في كتاب "الأيديولوجية الألمانية") أو على الأدب (كما في حالة بلزاك) وكذلك على الاجتماع (الدراسة المقدمة في "مخطوطات 1844" للإنسان المغترب التي تتجاوز النطاق الاقتصادي المحض، مثلاً).
-3-
لم يضف فريدريك انجلز شيئاً إلى المنهج الماركسي، إلا أنه أعطى جديداً على صعيد الميادين التطبيقية لهذا المنهج: على ميدان الطبيعة (في كتاب "جدل الطبيعة") وفي الأنتروبولوجيا ("أصل العائلة")، وكانت تطبيقاته لامعة في المجال السياسي العملي (تحليلاته للوضع الألماني، الموجهة إلى الحزب
الاشتراكي الديموقراطي، في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر).
في المجال الفلسفي، كان انجلز تبسيطياً، وربما كان يميل، عبر الضرورات
السياسية العملية، إلى تقديم الفلسفة الماركسية في قالب تعليمي كان مليئاً
بصورة من الثنائيات المانوية المتعارضة التي افترض وجودها في تاريخ الفلسفة عبر تقسيمه للأخير إلى معسكرين متضادين، وهو شيء لا يلمس عند ماركس: "فأولئك الذين أكدوا أن الروح وجدت قبل الطبيعة... ألفوا معسكر المثالية. أما أولئك الذين اعتبروا الطبيعة هي الأصل فقد انتموا إلى مختلف مدارس المادية".(4) فيما يلاحظ أن انجلز لم يكن على خط الانشغال الفلسفي العميق لماركس، كما في "مخطوطات 1844"، بل كان تركيزه على السياسة والاقتصاد والعلوم الطبيعية مؤدياً به إلى الاقتراب من الفلسفة الوضعية، مفترضاً موت الفلسفة بعد هيجل، وناعياً إياها لصالح العلم والاقتصاد والتقنية مع ميل إلى نزعة ميكانيكية خطرة ترى أن "ما هو مطبق على الطبيعة التي نفهمها الآن كحركة تطور تاريخية، مُطبق أيضاً على تاريخ المجتمع في جميع فروعه، وكذلك على مجموع العلوم التي تبحث في القضايا الإنسانية (والإلهية)"(5)، وهو ما انسجم مع المد، الذي شهدته الفلسفة الوضعية منذ 1880 حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، والذي جرف بتياره مفكرين ماركسيين مثل (كاوتسكي) و(برنشتين) و (لينين) و(بوخارين). رغم تعارضات كاوتسكي وبرنشتين في عام 1898، عندما طرح الأخير برنامجه "التحريفي"(6)، فإن ذلك لم يتعدّ الرؤية السياسية، حيث نجدهما مشتركين في نظرة فلسفية تتسم بالنزعة "العلموية"، وفي "عبادة التقنية" وبنزعة مادية ميكانيكية، ولو أن برنشتين قد أعطى ذلك، فلسفياً، بعده المنطقي، عندما حاول الابتعاد عن الهيجلية لصالح الاقتراب من الفلسفة الوضعية، ليعودا، في عام 1914 وخاصة في عام 1917 وما بعده، للتلاقي سياسياً، مما يعني بان الخلاف السياسي لا يتضمن دائماً خلافاً في طريق التفكير أو في الأسس والمنهجية الفكرية والفلسفية. في الجانب الفلسفي كان لينين تلميذاً لإنجلز، وليس لماركس، وخاصة في موضوع ماديته الفلسفية، المعروضة في "المادية والمذهب النقدي التجريبي"، إضافة إلى أن استخدامه لمصطلحي (المثالية) و(المادية) كان أساسياً في رؤيته الفلسفية وهو ما لم يكن موجوداً عند ماركس، بينما نجد أن مصطلحي (المادية الديالتيكية) و(المادية التاريخية)، المستخدمين من قبله، مأخوذان من انجلز، وليس من ماركس، الذي لا نجد في مؤلفاته ذكراً لهذين المصطلحين. صحيح أن لينين حاول بعد سبع سنوات من كتابه ذاك، في "الدفاتر الفلسفية" (1915)، مراجعة هيجل، إلا أن ذلك لم يؤد إلى قطع طريقة تفكيره السابقة في الفلسفة أو في السياسة، ولا إلى إنشاء طريقة تفكير فلسفية- سياسية تضع جانباً ما بدأ مع تكون البلشفية في عام 1903. بل إذا شاء المرء الدقة، فإن
مراجعة لينين لهيجل، والتي جاءت على خلفية "إفلاس الأممية الثانية" في عام
1914، قد قادت لينين إلى قانون (تفاوت النمو) ونظريته حول (الإمبريالية)، وهذا ما أدى إلى أن "الطريق الذي قاد إلى أوكتوبر الروسي [قد] مرّ بـ "المنطق الكبير" لهيجل"(7)، إلا أن ذلك قد عنى طريقاً نحو مزج الثورتين الديموقراطية والاشتراكية ببلد متخلف في ثورة واحدة، وهو ما عنى طلاقاً مع "البيان الشيوعي" و"رأس المال" لماركس، أو إذا أخذنا تعبير غرامشي فإن ثورة أوكتوبر هي "ثورة ضد كتاب (رأس المال) لماركس"(8). في صيف 1924، بعد وفاة لينين بأشهر، قام بوخارين بالهجوم على لوكاتش (9) متهماً إياه "بالإرتداد نحو الهيجلية القديمة"(10)، ومركزاً على رؤية لوكاتش بأن الوعي الفلسفي الذي ورثه ماركس عن هيجل يمثل قطيعة فلسفية مع مادية عصر الأنوار الفرنسي، المُشَكِّلة بدورها لمادية انجلز الفلسفية، وعبره مادية لينين والحزب البلشفي، والتي يمكن أن يلخصها كتاب بوخارين:" نظرية المادية التاريخية: دليل شعبي لعلم الاجتماع الماركسي" (1921)، في أن "المادية الفلسفية هي الفلسفة الحقيقية، في حين أن الماركسية مجرد (علم اجتماع)"(11)، وهو ما ينقضه غرامشي بقوله": انبثقت الماركسية على شكل مجموعة من القواعد والمعايير النقدية لسبب مخصوص هو أن مؤسسها (ماركس) كرّس جهوده
الفكرية لمعالجة مسائل أخرى، اقتصادية بشكل خاص (وكانت معالجته منهجية)، غير أن هذه القواعد والمعايير النقدية كانت تنطوي ضمناً على رؤية شاملة للعالم والحياة، على فلسفة" (12).
- 4 -
رغم خلاف ستالين السياسي مع بوخارين في العشرينيات، وصولاً إلى إعدام
الأخير في عام 1938، فإن الستالينية قد تبنت خلاصات بوخارين (ولينين وانجلز، معه) الفلسفية في أثناء صياغتها لما أسمته بـ (الماركسية اللينينية)، والذي كان القصد منه، وهو المصطلح المصاغ بعد وفاة لينين، تطويب اللينينية مكافئاً واستمراراً للماركسية، من أجل تكريس موسكو فاتيكاناً لشيوعيي العالم، على طراز روما والكاثوليك. بعد لوكاتش وغرامشي، لم يؤت بجديد إلى الأفكار الماركسية، لا كمنهج ولا كتطبيق، إلا من قبل (لوي ألتوسير) في كتابه :"قراءة (رأس المال)"، الصادر
في عام 1965، فيما كانت ماركسيات الماركسيين الآخرين مجرد اصطفافات ضمن مربعات ماركسية محددة حددتها أسماء (ماركس)، أو(انجلز) و(لينين) و(بوخارين)، أو (غرامشي). السؤال الآن، الذي يفرض نفسه في فترة (ما بعد موسكو): إذا كانت الماركسية منهجاً تحليلياً، يؤدي تطبيقه على يد مؤسسه، والآخرين، إلى جملة من الأفكار المولّدة والمكتسبة، فهل أن الماركسية، بعد قرن ونصف من التأسيس والتطبيق نظرياً و عملياً بما فيه انهيار "الفاتيكان الشيوعي"، مازالت صالحة؟..وإذا كانت كذلك، فما هو الباقي منها: هل المنهج وحده؟... أم: أن الباقي هي بعض الأفكار المتولدة عبره؟ أو لاشي من هذه الأفكار؟...ثمّ: إذا كان الشيء الأخير صحيحاً، أي عدم مطابقة هذه الأفكار للوقائع (بما فيها، ربما، أفكار كارل ماركس التطبيقية) للوقائع بعد، فهل هذا يمنع بقاء المنهج صالحاً للتطبيق وتوليد الأفكار، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة؟...أخيراً: أليس من الضروري القيام بهذه الغربلة على إيديولوجية شكلّت التأثير الفكري والسياسي الأكبر على مجرى القرن العشرين لتعيين ما بقي وما اندثر، من أجل تحديد معالم القرن الجديد؟...
الحواشي:
(1) – في كتابه "ديالكتيك العمل: ماركس وصلاته بهيجل"، أوكسفورد، 1986،
ص125.
(2) – كارل ماركس: "رأس المال" (الكتاب الثالث)، الطبعة الإنكليزية، دار النشر باللغات الأجنبية، موسكو، 1962، ص ص799-800.
(3) – كارل ماركس: "إسهام في نقد الاقتصاد السياسي"، وزارة الثقافة، دمشق ، 1970،ص25.
(4) – فريدريك انجلز: "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"، ضمن "مختارات ماركس وانجلز"، الجزء الرابع، دار التقدم، موسكو، بدون تاريخ، ص22.
(5) – انجلز: "المرجع السابق"، ص52.
(6) – وهو ما أشرّ إلى بداية انفراز الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية إلى
تيارين سياسيين، إلى أن تكرس ذلك، بعد عام 1917، في انشقاقها إلى اتجاهين: شيوعي، واشتراكي ديموقراطي.
(7) – الياس مرقص في مقدمة كتاب لينين :"دفاتر عن الديالكتيك"، دار
الحقيقة، ط1، بيروت، 1971، ص12
(8) – انطونيو غرامشي: "الأمير الحديث"، دار الطليعة، ط1، بيروت1970، ص143.
(9) – بعد عام من صدور كتابه: "التاريخ والوعي الطبقي": أثناء مؤتمر
الكومنترن الخامس.
(10) – جورج لختهايم: "لوكاتش"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1975،ص79.
(11) – غرامشي: "قضايا المادية التاريخية"، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1971،
ص106.
(12) – غرامشي: "قضايا المادية التاريخية"، ص ص106- 107.
مراجع للبحث في قضايا الماركسية:
1- ماركس، انجلز: "الأيديولوجية الألمانية" ترجمة الدكتور فؤاد أيوب . دار دمشق 1976
2- أوغست كورنو: "ماركس وانجلز-حياتهما وأعمالهما الفكرية" أربعة مجلدات ، ترجمة كل من جورج طرابيشي والياس مرقص دار الحقيقة بيروت 1971-1975
3- جورج لوكاش: "التاريخ والوعي الطبقي" ترجمة الدكتور حنا الشاعر، دار الأندلس- بيروت، الطبعة الثانية 1982 .
4- جورج لوكاش: "تحطيم العقل" ترجمة الياس مرقص ، أربعة مجلدات . دار الحقيقة بيروت 1981 .
5- جان هيبوليت: "ماركس وهيغل " ترجمة جورج صدقني ، مطبعة وزارة الثقافة دمشق 1971 .
6- هنري لوفيفر: "ماركس وعلم الاجتماع" ترجمة بدر الدين السباعي وزارة الثقافة دمشق 1971 .
7- أنطونيو غرامشي: "كراسات السجن" ترجمة عادل غنيم ، دار المستقبل العربي –القاهرة 1994 .
8- هنري لوفيفر: "فكر لينين" ترجمة ومراجعة : د.كمال الغالي، أديب اللجمي، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي –دمشق 1969 .
9- لينين: "الدفاتر الفلسفية" ثلاثة مجلدات ترجمة: الياس مرقص دار الحقيقة بيروت . الطبعة الثانية 1983
10- لويس ألتوسير وعدد من الباحثين: "قراءة رأس المال" في مجلدين ، ترجمة تيسير شيخ الأرض منشورات وزارة الثقافة –دمشق 1971-1974
11-هربرت ماركوز: "العقل والثورة- هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية" ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1970 .
12- هربرت ماركوز"الماركسية السوفياتية" ترجمة :جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى 1965 .
13- يورغن هبرماس: "القول الفلسفي للحداثة" ترجمة فاطمة الجيوشي منشورات وزارة الثقافة ، دمشق 1995 .
14- كورنيليوس كاستوريادس:"تأسيس المجتمع تخيلياً" ترجمة وتقديم : ماهر الشريف ، دار المدى الطبعة الأولى 2003 .
15-ليون ترتسكي: "تاريخ الثورة الروسية" ترجمة أكرم الديري والهيثم الأيوبي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت الطبعة الثانية 1978 .
16- ارنست ماندل: "النظرية الاقتصادية الماركسية" في مجلدين ، ترجمة الياس مرقص وجورج طرابيشي ، دار الحقيقة بيروت
سارتر: "قضايا الماركسية" ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب ط1 1965 .






مفهوم الاستلاب العقلي، الفكري والثقافي
(رؤيا في نهج الاستلاب)
عماد يوسف


يمكن تعريف الاستلاب بأنه وقوع الكائن العاقل، الذي يمتلك حيزاً من التفكير العادي، والمتفاعل مع محيطه بالضرورة، في موقع الأسر الكلّي، وشبه المطلق، لفكــرة ما، أو لمقدرة أكثر تأثيراً من مثيلاتها، بحيث تكون اللولب الجوهري الذي تدور في فلكه كلّ المسمّيات الأخرى، وبحيث تكون هذه المقدرة بمثابة الرأس الموجه، والذي يطلق العنان لأنفاسه التي تتلقفها ذوات أخرى ليست بنفس السوّية الفكرية، ولكنها بالضرورة متأثرة بما تتلقفه من المحيط الذي وقعت في أسره من كل الجوانب .
والاستلاب أنواع كثيرة، تتباين و تتناغم بحسب الشرط الوظيفي والموضوعي لتلك الذات المستلبة، فالاستلاب العقلي، يقود بالضرورة إلى الاستلاب الفكري والثقافي، وبالتالي يفرض نهجه على تلك السلوكيات، والطبائع المرتبطة بتلك الذات المستلبة على كل المستويات، الاجتماعية، النفسية، الفكرية، الثقافية، والحياتية اليومية ! وتنتفي هنا بالضرورة المطلقة ؛ مقولة ديكارت الشهيرة " أنا أفكر، إذا أنا موجود " ( Je pense, Donc je suis )، ويمكن اختزال كل قضايا الاستلاب ومؤثراته السلبية في هذه المقولة غير المكوّنة، عند الكائن المستلب ! وذلك لأنه من شروط وجود الكائن العقلاني، الذي يمتلك الذات الحرّة، المستقلة، هو التفكير، وإنه من شروط الاستلاب الأساسية هو منع التفكير " الموضوعي، العقلاني، البنّاء، والخلاّق " لدى هذا العقل أو ذاك " .
لقد شهد التاريخ الإنساني، على مرّ العصور صوراً لاستلابات فكرية، عملت كالسيف القاطع في حياة الكثير من مجتمعات العالم وأممه، وغيرت مسارها التاريخي، والاقتصادي والسياسي . وربما تكون من المغالطات الفكرية الكبيرة، أن يدّعي البعض بأن أنواع الاستلاب ليست كلها سلبية بالضرورة، لا بل هم يغالون في طروحاتهم، ليثبتوا بأن الاستلاب الفكري قد يكون بناءً، ومن هنا يعملون على إلغاء كل ما يخالف طروحاتهم، ويوجهون الناس والمجموعات الإنسانية التي تقع تحت سيطرتهم، باتجاه هذه الفكرة ؟! وهذا الطرح طبعا،ً هو بحد ذاته نوع من الاستلاب، حين تعمل على فكرة واحدة، وتدّعي بأن المجتمع لايحتاج غيرها، ولايجب السماح لغيرها بالوجود، أو الانبثاق، أو حتى التبلور، فهذا يكون أحد أهم الأسس التي يبنى عليها الاستلاب، وتحديداً العقلي منه، وبالتالي تسير الناس موجهة، غير مخيّرة، مستلبة، ومأخوذة إلى احتمالات الخير والشر على حد سواء، وفي كثير من الحالات تكون الأثمان على المستوى الفردي والجماعي باهظة كثيراً، تتجاوز ربما مقدرات مجتمع ما أو فرد ما على تحملها، أو الخروج منها معافى .
من المؤكد أن الإستلاب يسيطر بالغالب على العقول ذات المستويات الثقافية والفكرية المحدودة، وتلك تكون بالغالب غير محصّنة أمام أي اختراق يطغى على قدرتها العقلية في التفكير. وهي بعيدة كل البعد عن الجدل في محاكماتها العقلية، و يلاحظ هذا الجانب ليس في منطق الاستلاب فحسب، بل في حياتنا اليومية أيضا، كمثل أخبار أحداث الهلع، والكوارث، عندما تنتشر بين العّامة، فتهرع غالبية الناس من الفزع، وقليلون هم من يبقون ليتبينوا الأمر، مع حفاظهم على مسافة جيدة من الأمان لحياتهم، لأنهم يعون أن هول الضرر المشاع خارج عن اطار المعقول، وبالتالي يعمل عقلهم الجدلي على تصور بأن ما يشاع، هو أبعد بكثير من تخوم المعقول، وهذا نمط من التفكير الجدلي، لا يتحلى به الكثيرون، ومن هنا تأتي السيطرة الفطرية على الأذهان المصابة بالتسطح الفكري والثقافي سهلة، وسلسة، بل وحتى أخّاذة في بريقها الذي لا يقاوم عند الكثيرين، ولذلك تتبنى تلك الذات مشروع الأسر الفكري المستلب، راضية، مرضية، دون أن تعي الحجم الحقيقي لللاستلاب الذي تقع في أتونه، بل على العكس تماماً، هي تتبنى أيضاً بالإضافة إلى منطق الاستلاب، تتبنى أدوات الدفاع عن فكرها، وتذود عنه بشراسة المؤمن بفكرة معينة لا يمكن أن يحيد عنها!!؟
إذاً، يمكن العودة إلى تعريف الاستلاب على أنه سيطرة فكر ما ، أو مجموعة أفكار على البنى العقلية والنهج الفكري لإنسان بذاته، أو لمجتمع بعينه، أو لشعوب بكاملها، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تحول هذا الفكر المسيطر على المقدرات العقلية( المفكّرة ) لهذا الكائن أو المجتمع، أو الشعوب، إلى سلطة مطلقة لا يمكن دحضها، أو مواجهتها.
1- ما هي الشروط الموضوعية التي تسهل عمل الاستلاب العقلي والفكري ؟!
من المؤكد كما أسلفنا سابقاً بأنه من الصعب على العقول المفكّرة، المتنورة، والتي تمتلك حداً من الثقافة لابأس بها، أن تقع في الأسر لجهة منطق الاستلاب، ولكن ، هناك في التاريخ أمثلة كثيرة على بعض المثقفين الكبار الذين ساروا مستلبين لفكرة بذاتها، فسقراط كان أسير المعرفة التي نهل منها، وجاء افلاطون وأرسطو وغيرهم من بعده، ليبقوا واقعين في أسر الفكر الفلسفي المعرفي الذي أطلقه معلمهم الأول ! فهل يمكن أن يسمى هذا استلاباً!؟
يمكن التمييز الدقيق هنا بين نوعين من منطق الاستلاب، وهما الاستلاب الأعمى، بغض النظر عما يمكن أن يكون عليه هذا الاستلاب ! والثاني؛ هو الاستلاب العقلاني المنطقي، الذي يبنى على محاكمات عقلية كافية لدى تلك الذات المفكرة، وتنساق بمنطق الاستلاب هذا إلى دوافعها الذاتية والجماعية، بمنطق الوعي الذي يمتلك الحجّة والبرهان على الرغبة في الوقوع في أسر واستلاب تلك الفكرة، أو النظرية ؟ ولذلك نجد أن تلاميذ سقراط ، قد تبعوه صحيح ولكنهم اجتهدوا من بعده، وكذا ما حصل مع النبي محمد، عندما تبعه الكثير من قومه، واجتهدوا من بعده، وهذا ما حصل في الفكر التنويري الأوروبي، مع نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، حيث كان هناك الكثير من حجم الفراغ العقلي لدى البشر، فأتت النظريات، والدراسات، والبحوث، وغيرها لتغير طبائع البشر وسلوكياتها، حياتها اليومية بكل تفاصيلها، وكان من أهم رواد هذا التغيير في زمن لاحق عبقري الاقتصاد الألماني ماركس، وقبله هيغل، وبعده غرامشي وغيرهم من أصحاب الفكر الاشتراكي العالمي، ومن ثم جاء تلامذتهم من مفكرين انتشروا في جميع أنحاء أوروبا، ليأتي بعد ذلك لينين ويتوّ ج هذا الفكر الذي سلب عقول ملايين البشر في جميع أنحاء العالم، بثورته المعروفة في أكتوبر من العام 1917 . فتعمل هذه الثورة التي قامت في بقعة جغرافية محددة من العالم على استلاب عقول مئات الملايين من البشر في جميع الأنحاء، ثم لتنتصر في العديد من دول أوروبا والعالم، ومن ثم تغير وجه التاريخ البشري لعشرات السنين القادمة !!
السؤال المطروح هنا هو؛ هل كان لينين مستلباً لهذا الفكر الماركسي؟! والجواب هو لا ؟!! وهنا يجب على المرء بتصوري أن يميز بين نوعين من الاستلاب كما سلف وذكرنا سابقاً، لقد كان لينين أحد المؤسسين، والداعمين، للفكر الاشتراكي، وهو بداية، وقع في الأسر من فكر ماركس، ثم عمل على تبنّيه بقناعة عظيمة وإيمان لا يتزحزح، ولكن الأهم ، أن لينين عمل على الاجتهاد في الفكر الماركسي، حتى أنه وصل إلى تأسيس منهج خاص به، استقاه من روح الماركسية نفسها، وأطلق عليها إسم " الماركسية اللينينية "!
إن الفرق بين الاستلاب بمفهومه الواعي، والاستلاب بمفهومه اللاواعي، هو أن أحدهم يتبع الآخر، فالمستلب بعقله الواعي " ومثالنا كان لينين" ، هو الذي يتبعه الناس في النهاية، ويقعون في موقع الأسر من فكره، ونظريته، ونهجه، وعقله، وشخصه، وينطبق هذا على الرسل، والقادة السياسيين، ومفكري التاريخ الكبار، كمثل، زرادشت، بوذا، طاغور، كونفوشيوس، وادولف هتلر كسياسي، وابراهام لنكولن كرجل دولة وزعيم تاريخي لأمة، والمتنبي كشاعر، وفولتير كمفكر، ونيتشة كفيلسوف، وجمال عبد الناصر كقائد ثورة وصاحب نظرية، وكيم ايل سونغ كزعيم سياسي، وغيرهم الكثيرين زعماء الصف الأول في التاريخ الإنساني، والذين جعلوا الناس مستلبين أمام قدراتهم العقلية، والفذّة في جميع مستوياتها .
2- أين مجتمعاتنا العربية من مفهوم الاستلاب ؟
سبق التذكير بأن أحد أهم شروط الاستلاب ، وتحديداً الفكري منه، هوالتسطح والتهميش العقلي الذي يعيشه كائن ما، أو مجتمع ما، بحيث أنه يفقد حصانته أمام الغزو الثقافي والفكري القادم من البعيد، أو القريب على حد سواء، ومن المفترض أن تبنى المجتمعات على التنوع، والغنى الثقافيين، فهما الطريق الأكثر إدراكاً لمنطق النهج العقلاني الجدلي، والذي يتمتع به غالبية سكان الدول الراقية، فاليوم ليس من السهولة بمكان، اختراق المجتمع الفرنسي مثلاً، بأفكار دينية رجعية، أو بنظرية فلسفية غير مترابطة في المنطق والحجّة، وكذلك الأمر بالنسبة للفرد، فإنه من الصعوبة بمكان أن تحاول أن تسيطر على العقل الإنساني الأوروبي اليوم، لماذا ؟ لأنه ببساطة بنيَّ على المنطق الجدلي الذي تفتقده كل المجتمعات المتخلفة بما فيها العربية ! ويعود هذا لسببين رئيسيين: أولهما؛ هو فقدان هذه المجتمعات لمشروعها الحضاري والإنساني. وثانيهما؛ هو انعدام العقل الجدلي المفكّر، الخّلاق، وسيطرة العقل الغيبي، المستلب، المظلم على نمط تفكير الناس وسلوكياتها، ورؤيتها الحياتية والروحية .
من هنا، نجد نجاح المشاريع الإسلامية المتطرّفة، القائمة على إلغاء الآخر المتناقض معها، أو تطويعه وأسره ضمن منطق استلابي مرّوع، فمع غياب التنوير الفكري الحقيقي، وغياب ثقافة الجدل العقلاني السليم، وآلية التفكير الحرّة للبشر، نجد أن أي مشروع ثقافي يطرح نفسه بديلاً، سيجد بالتأكيد الأرض الخصبة لنموه، وتطوره، وايقاع الناس في أتونه .
3- النظم النيو ليبرالية الحديثة، واستلابات العولمة :
لم يعد خافياً على أحد، نمط الآليات المعاصرة التي تطرحها نظم العولمة اليوم، فغزوها الاقتصادي لم يقتصر على حركة، وحرية عبور وتبادل التجارة الحرّة، ورؤوس الأموال المحلية والعالمية، بل تجاوزتها أبعد من ذلك بكثير، حيث رأى مفكرو العولمة، بأن هذا النظام المعاصر حتى يستمر، يجب أن يتزامن بالضرورة مع السيطرة العقلية و الفكرية والثقافية على حياة الشعوب، وأدائهم في كل المستويات، حتى يبقوا مستلبين وتابعين لهذه النظم، حيث يعملون من غير وعي على ضمان استمرارية هذه النظم وديمومتها !
من هنا، يمكن فهم سهولة الغزو، وسيطرة الفكر الاستهلاكي، العولمي المعاصر، على الشريحة الأكبر من شعوب المنطقة العربية قاطبة، فمع غياب المشاريع الفكرية الكبرى، من المشروع القومي، إلى الإسلامي التنويري، والليبرالي، والاشتراكي، بل وحتى المشروع الوطني لم يكتب له النورفي معظم المنطقة العربية، ولذلك جاءت الأجيال العربية المعاصرة، وتحديداً ما بعد حقبة السبعينيات والثمانينيات، ومن ثم ما بعد انهيار المعسكر الاشتركي، حيث اختفى الفكر اليساري الذي يحمل بعضاً من التوازن الإنساني على مستوى الخليقة، فمع غياب هذه المشاريع ذهب العقل العربي إلى مرحلة خطيرة من التسطح العقلي، والفراغ الفكري العميق، الذي بات عاجزاً عن الوقوف في وجه التحديات المعاصرة، وخاصة على المستوى الفكري، ومن هنا يأتي مفهوم الاستلاب بمعانيه الكثيرة ليسيطر على عقل الكائن الإنساني عامة، ومنه ما يصيب المجتمعات العربية من استلاب لنظم ثقافية ونمط حياة استهلاكية معاصرة، تندرج تحت إسم النظام العالمي الجديد!
4- ما هو السبيل إلى تحرير العقل البشري عموماً، والعربي خصوصاً من مفهوم الاستلاب ؟
إن من أهم قضايا تحرير العقل البشري من الاستلاب، هو خلق حالة من التوازن الثقافي في مكوّنات هذا العقل، يتأتى هذا من التربية الصحيحة والسليمة، كما يحصل في المجتمعات الراقية، من الدول الاسكندنافية، والأوربية واليابانية، وغيرهامن البلدان، حيث سبق وأسلفنا، بأن عقل البشر في تلك المجتمعات عصيّ على التأثير، ونضرب هنا مثالاً، عندما رفض غالبية الأوربيين الدستور الأوروبي الموّحد، فقد أخذ هذا القرار بالنيابة عن زعمائه السياسيين، ولم تكن الشعوب الأوربية مستلبة في هذا الصدد، برغم موافقتهم على الاتحاد الاقتصادي والسياسي وغيره، فهم يتمتعون بعقول نيّرة، وصاحبة حجّة، ذاتية التفكير، ومتمكنة من أدواتها الجدلية والعقلانية، فالثقافة هي منبع الفكر الحرّ والحقيقي، والذي يستطيع التمييز بين الصح والخطأ، وبين الحق والباطل، وبين الممكن وغير الممكن، وبين المنطق، واللامنطق . فأين نحن كشعوب من هذا المنطق، وهل يسمح الزمن بأن نعود أدراجنا إلى الوراء قليلاً، لنتمكن من قراءة ثقافتنا وفكرنا البنّاء بعقلانية وتنوّر، بعيدين عن منطق الاستلاب ونهجه القاتل، أم أن الزمن قد ولّى على هذا الحلم البسيط، إنه سؤال برسم الإجابة، ممن اهتدى إلى عقله سبيلا ؟؟!

* - كاتب سوري imadfree_63@yahoo.com


لم تزل الماركسية تعلّم الشعوب حقوقها
فهد العلي

بعيداً عن تكهنات وتوقعات مفكري الطبقات المستغِلة والليبرالية الجديدة، ما تزال الماركسية تنير طريق الشعوب المضطهدة والطبقات المستغلة رغم الظلام الذي تنشره القوى الظالمة في كل الساحات المفتوحة أمامها.
فالماركسية في وقائع الاقتصاد السياسي اكتشفت الاغتراب كما اكتشفته في نظرية الاقتصاد السياسي، لذلك فإن ما يترتب على الاغتراب من توتر وزعزعة سيؤدي بشكل حتمي إلى انهياره وتدشين حياة اقتصادية واجتماعية جديدة ، ولكن ذلك لا يتم إلا عبر نضال الشعوب من أجل خلق هذه الحياة الجديدة.
إن فهم الرأسمالية يبدأ بفهم فقد الإنسان لسيطرته على قوة عمله أي (نزع الإنسان من إنسانيته)، وهذا الفقد والنزع يظل بالنسبة لماركس ذو أهمية محورية لفهم الرأسمالية، ليس شكلها القديم فقط بل وأشكالها الجديدة والمتجددة بأسماء عصرية، إذ أن فقد الإنسان السيطرة على إنتاج قوة عمله سواء على الصعيد الوطني أو العالمي هو ما أسماه ماركس (الاستغلال)، وهو مصطلح لا يعني أن ماركس يقصد به أن الرأسمالي يحصل أكثر مما ينبغي ، أكثر مما هو "معقول" فحسب، بل يتضمن هذا المصطلح: أن ما يخص إنساناً "ما" أو مجموعة من الناس، بصفة عامة، إنما يتملكه الآخرون أو بعض الآخرين بصفة خاصة، ويكون الاستغلال ممكناً طالما يخلق فائضاً للقيمة، غير أن أساسه يظل عند ماركس هو اغتراب الإنسان عن نتاج قوة عمله.
لقد كتب كارل بوبر بمجلده الثاني "عن المجتمع المفتوح وأعداؤه" : "إن تنديد ماركس بالرأسمالية هو أساساً تنديد خلقي إذ يجري التنديد بالنظام للجور القاسي القائم فيه المرتبط بغياب العدالة والصوابيّة، ولأنه يدفع المستغِل لاسترقاق المستغل إذ يسرق الحرية من الاثنين معاً". ولهذا فإن ماركس لا يكره الرأسمالية بسبب مراكمتها للثروة، بل بسبب طبيعتها الإلزامية، لأن الثروة في النظام الرأسمالي إنما تفني السلطة السياسية أي التسيد فوق الناس....حيث تصبح قوة العمل سلعة، وهذا يعني أن الناس يجب أن يبيعوا أنفسهم في السوق...وهذا يعني أن كره ماركس للنظام الرأسمالي إنما هو لكون هذا النظام يمثل العبودية، وليس كما يروج له في عصرنا الحالي من أنه يمثل الحرية بحسب الفلسفة البوشيّة المعاصرة والغازية للعالم وعلى رأسها بلداننا وشعوبها.
وكل أفكار ماركس على الصّعد سالفة الذكر مفادها أنه يريد أن يبين أن التاريخ إنما يعمل بشكل حتمي نحو الحرية، نحو المجتمع الشيوعي حيث لا يعود إنتاج الناس يسترقهم، بل سيصبح هذا الإنتاج جزءاً منهم حيث تكف الأدوات عن أن تكون أسياداً للناس بل تصبح خدماً لهم.
لقد توصل ماركس إلى حقيقة، ما أحوجنا الآن إلى تفهمهما وإسقاطها على عملنا السياسي، وهي: (أنه لا يوجد أي إنسان بصفة عامة لا يمت إلى طبقة وليس له واقع)، وبالتالي فإن ذلك يوصلنا إلى تحليل الواقع الملموس لحياة الناس كي نصل من خلاله إلى استنتاجات وبرامج سياسية تراعي ذلك الواقع، وتبتعد عن القفز فوقه كما يحدث الآن عبر ما تطرحه القوى السياسية المعارضة في معظم بلداننا العربية..إن برامجها المرحلية لا ترى شيئاً من حقيقة التناقض الطبقي لتركز رؤيتها حول الصراعات الفوقية المتجسدة بالمستوى السياسي والتي جرفت معها تفكير شعوبها نحو صراعات لا تعبر عن واقع حالها لتحلق في عالم الأفكار المصطنعة والمتجسدة بالأفكار السلفية الطائفية والتي تُجَيّر، هي ومن يرفع يافطتها، لصالح قوى الاستغلال والنهب الطبقي القطري والعالمي والسائرة جميعها وفق مصالح الصهيونية ومشروعها. ومن هنا علينا قراءة ماركس كي نستخرج العبر والبرامج المعبرة عن واقع الاستغلال العالمي المتجسد بالليبرالية المتوحشة فهو يقول بكتاب رأس المال (المجلد الأول ص 84-87 من الأصل الألماني، وص 88-96 من الترجمة الإنكليزية) : "إن العبد يبيع شخصه، والقن يبيع جانباً من قوة عمله، في حين يبيع العامل في ظل الرأسمالية كل قوة عمله لكنه يبيعها مجزأة. لهذا فإن اغترابه يكون أكثر سرياناً بشكل شامل وأكثر اكتمالاً عن اغتراب العبد والقن الذي سبقه في مرحلة من التاريخ."
وهكذا فإن الماركسية علمت الشعوب بأن الإنسان بدل أن يجعل الإنتاج ميداناً لنشاطه ليسيطر على قوانين الإنتاج، يصبح مجرد أداة للإنتاج ليتطور وفق قوانين ذاك الإنتاج.
وبهذا المعنى يكون الرأسمالي تابعاً للرأسمال وقانونه على غرار العامل،
إذ كلاهما يتشكل ويتحدد في طبعهما ونشاطهما ومعتقداتهما بالقوانين التي لا ترحم للعملية الاقتصادية...وهذا ما يراه ماركس ويعبر عنه بأنه الاغتراب الأقصى والأساسي للإنسان في ظل قوانين الإنتاج الرأسمالية التي يذهب ضحيتها البشر باختلاف طبقاتهم، إذ يصبح الإنسان خاضعاً لقانون القوى التي هي أساساً كانت ملكاً له، ويرى ماركس أن الخلاص الحتمي للبشرية هو بقهر الاغتراب والذي يكون عندما يصبح الإنسان هو سيد الإنتاج لا عبداً له.
إن الفكر الفلسفي والطبقي الماركسي هو ما تحتاجه الشعوب الآن وما تحتاج إلى فهمه لإسقاطه على واقعها المعاش في هذا العصر، وذلك عبر قراءة معاصرة وجدية لذاك الفكر لتطويره بما يتناسب والحاجة للانعتاق من عجلة الرأسمالية المعاصرة المتوحشة.
السؤال الآن : كيف يمكن للماركسيين، وخاصة في بلداننا أن يبنوا برامجهم على أساس ما سبق؟
===================================


- كارل بوبر: "المجتمع المفتوح وأعداؤه" في مجلدين: 1- أحاجي أفلاطون ، ترجمة د. السيد نفادي ، دار التنوير ، الطبعة الأولى 1998 مترجم عن الطبعة الإنكليزية لندن 1986 2- هيغل وماركس 1962 . من المحرر





كارل ريموند بوبر (28 يوليو 1902 في فينا - 17 سبتمبر 1994 في لندن) فيلسوف إنكليزي نمساوي المولد يهودي الديانة "ولد يهوديا لكنه تحول إلى المسيحية" متخصص في فلسفة العلوم و عمل مدرسا في معهد لندن للاقتصاد. يعتبر بوبر أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين كما كتب بشكل موسع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية. درس الرياضيات ، التاريخ ، علم النفس ، الفيزياء ، الموسيقى ، الفلسفة وعلوم التربية. عام 1928 حصل على درجة الدكتوراه في مجال مناهج علم النفس الإدراكي. 1930 تزوج ، وبدء كتابة أول أعماله ، الذي نُشر في صورة مختصرة بعنوان "منطق البحث" 1934 وفي طبعة كاملة عام 1979 بعنوان " المشكلتان الرئيستان في النظرية المعرفية". 1937 هاجر إلى نيوزيلندا حيث قام بالتدريس في عدة جامعات هناك ، وألف كتاب "المجتمع المفتوح وأعدائه" 1945 ، والذي اكتسب من خلاله شهرة عالمية ككاتب سياسي. وأهم سمة تميز أعماله الفلسفية هي البحث عن معيار صادق للعقلانية العلمية. 1949 ـ 1969 عمل أستاذاً للمنطق والمناهج العلمية بجامعة لندن. حصل في عام 1965 على لقب "سير".













يكتب بوبر في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه":
على الرغم من أن الكثير مما هو موجود في هذا الكتاب كان قد تبلور في مرحلة أسبق ، إلا أن القرار النهائي على كتابته كان قد اتخذ في مارس من العام 1938 ، وفي نفس اليوم الذي استقبلت فيه أخبار غزو النمسا. وقد امتدت كتابته حتى عام 1943 ... لم تكن الحرب أو أي حادث آخر معاصر ، مشار إليه صراحة في الكتاب ، وإنما كانت محاولة لفهم تلك الأحداث وخلفيتها ، وبعض المسائل التي كان من المحتمل أن تنشأ بعد أن تكسب الحرب. والتوقع بأن الماركسية سوف تصبح مشكلة رئيسية، كان هو السبب في معالجتها بإسهاب إلى حد ما.
وفي إطار ضبابية الموقف العالمي الراهن آنذاك ، فإنه يمكن النظر إلى نقد الماركسية الذي ورد في الكتاب باعتباره الموضوع الأساسي فيه. هذه الرؤية ليست خاطئة في إجمالها ، وربما لم يكن من الممكن تجنبها ، على أن أهداف الكتاب أوسع بكثير من ذلك. إذ كانت الماركسية إحدى المراحل فقط، واحدة من الأخطاء الكثيرة التي اقترفت في النضال الدائم والخطير من أجل بناء عالم أفضل وأكثر تحرراً.
وكما توقعت، فقد نالني تأنيب البعض لكوني كنت صارماً أكثر من اللازم تجاه ماركس ، في حين أشار آخرون إلى تساهلي تجاهه بالمقارنة بعنف هجومي على أفلاطون . ولكنني لا زلت أشعر بالحاجة إلى فحص أفلاطون بعيون نقدية أكثر حدة ، بسبب أن الافتتان العام بـ "الفليلسوف المقدس" كان له أساس حقيقي في إنجازه الذهني الغامر. أما ماركس،من جانب آخر، فقد هوجم مرات عديدة على أسس شخصية وأخلاقية ، مما دفعني إلى أن اوجه نقداً عقلانياً قاسياً لنظرياته ، مقروناً بتفهم متعاطف لرونقها المدهش على المستوى الأخلاقي والذهني . ولقد شعرت ،سواء كنت في ذلك على صواب أو على خطأ، أن نقدي له كان مدمراً، وأنه كان يمكنني نتيجة لذلك البحث عن الاسهامات الحقيقية لماركس، وأن أعفي دوافعه من الشبهة." 1950
















الملفّ السياسي



قراءة في المشهد السياسي السوري
المعارضة السورية
1- إعلان دمشق










اقتراب المعارضة السوريّة من الانشقاق
محمد سيّد رصاص *
كان حدثُ سقوط بغداد مفصلياً في تاريخ المعارضة السورية، من حيث انزياح أطراف كثيرة منها باتجاه المراهنة على المشروع الأميركي بالتزامن مع دخول السلطة السورية في تعارضات مع واشنطن في قضايا المنطقة الإقليمية، فيما كانت هذه المعارضة على يسار النظام في القضايا الوطنية ـ القومية في محطات الدخول السوري العسكري إلى لبنان (الذي كان بداية التوافق الأميركي - السوري) عام1976، والاجتياح الإسرائيلي صيف 1982 للبنان، وحرب الكويت عام 1991، ومحطة مؤتمر مدريد في خريف العام نفسه.
خلال الأشهر القليلة اللاحقة لاحتلال العراق في عام 2003، بدأت تظهر مواقف جديدة من تجربة «العراق الجديد» الواقع تحت قبضة الأميركان، بدأ يقدمها بعض المعارضين السوريين في الجرائد العربية، إلى أن وصلت الأمور لذروتها مع طرح الرمز الأبرز للمعارضة السورية لنظريته في (الصفر الاستعماري)، عندما أعلن في تصريح صحفي أنه «في حديث إذاعي أجري معي مؤخراً سألوني ألا ترى أن هناك شيئاً مفيداً جرى في العراق، فقلت لهم: نعم أراه، أرى أنهم أزاحوا نظاماً كريهاً ونقل الأميركان المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر»، (مقابلة مع الأستاذ رياض الترك: موقع «الرأي» الإلكتروني، 29 أيلول 2003، وهي نص حرفي لما نشر في «النهار» في اليوم السابق). كان هذا مترافقاً عند الأستاذ الترك، وخاصة بعد زيارته للقارتين الأوروبية والأميركية في شهري تشرين الأول والثاني من عام2003، مع تحول إيديولوجي انتقل من خلاله (من تصريحه لجريدة «الحياة» في 17 كانون الثاني2000، رداً على سؤال «إذن رياض الترك لا يزال يعتبر نفسه شيوعياً ماركسياً؟»: «نعم ما زلت، ولن أعمل تحت راية أخرى إلا في إطار التحالفات») إلى موقع إيديولوجي جديد أيَّد من خلاله تغيير اسم «الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي» والانتقال إلى الموقع الليبرالي. وقد صرّح بالشهر الأخير من ذلك العام في تسويغ ذلك، أثناء جلسة حزبية خاصة، بأن «هناك رياحاً غربية ستقتلع الأنظمة، وعلينا أن نلاقيها باتجاه وبرنامج ملائمين»، وهو ما أدّى، بانضمامه إلى هذا الاتجاه الذي كانت بذوره واضحة في قيادة الحزب منذ أواخر التسعينيات، إلى كسر التوازنات لمصلحة من كان يريد مغادرة مواقع الماركسية. وبعد ما حدث في صيف عام 1976، عندما تبلورت المعارضة السورية في قوام واضح بجناحيها القومي («حزب الاتحاد الاشتراكي العربي» بقيادة الدكتور جمال الأتاسي) والماركسي مع انتقال «الحزب الشيوعي - المكتب السياسي» من المشاركة في «الجبهة الوطنية التقدمية» ومجلس الشعب إلى المعارضة، وهو ما تزامن مع تشكل «رابطة العمل الشيوعي» في آب من ذلك العام، ثم انتقال جماعة الإخوان المسلمين إلى المعارضة أيضاً بعد مهادنة استمرت سبع سنوات بعد حركة 16تشرين الثاني1970ـ فإن انتقال قيادة «الحزب الشيوعي - المكتب السياسي» من الماركسية إلى الليبرالية، بين عامي2003 و2005، قد ساعد على تبلور وتفتح خط ليبرالي أصبح مسيطراً على «نخب» واسعة من المعارضة السورية منذ تلك الأثناء، ليتبلور ذلك أيضاً في لجان إحياء المجتمع المدني، وفي حزب العمال الثوري العربي (ما هو الجسر الواصل بين ياسين الحافظ وفلسفة الليبرالية الجديدة عند ليو شتراوس؟)، وفي معظم الأحزاب الكردية السورية التي انتقلت لمعارضة النظام في مرحلة (ما بعد 9 نيسان 2003) بعد مهادنة استمرت ثلاثة عقود، وعند الكثير من الشخصيات المنضمة حديثاً (أو في ربع الساعة الأخير) للمعارضة، وخاصة في لحظة ذروة الأزمة الأميركية مع السلطة السورية في عام 2005 لما ظنّ الكثيرون من هؤلاء أن ما حصل في بغداد وبيروت سيحصل في دمشق ولو عبر سيناريو آخر، والعديد من هؤلاء كانوا إما في موقع (اللامكان) أو في مواقع قريبة من السلطة، وخاصة في الحزبين الشيوعيين الموجودين في «الجبهة»، أو في مواقع قومية عند تنظيم أكرم الحوراني القديم.
أتى «إعلان دمشق» في 16 تشرين الأول 2005 حصيلة لكل هذا التراكم الإيديولوجي / السياسي، في لحظة ذروة «أزمة ميليس»، وقد أعطى العديد من قادة هذا الإعلان مهلاً ومواعيد زمنية لإزاحة السلطة، في أحاديثهم الخاصة المغلقة، لا تتجاوز نهاية ذلك العام: هنا، قدّم «إعلان دمشق» رؤى جديدة تضمنت انزياحات عن الخط القومي - الوطني - الديموقراطي، الذي كان مسيطراً على المعارضة السورية بجناحيها الماركسي والقومي في العقود الثلاثة السابقة، إلى خط (سوريا أولاً) عبر تقليص انتماء سوريا العربي إلى مجرد عضوية في «المنظومة العربية»، وإلى التخلي عن خط «ديموقراطية المواطن» لمصلحة خط «ديموقراطية المكوِّنات»، الذي بُني عليه ما يسمى «الديموقراطية التوافقية في العراق وأفغانستان» والمتضمن في «مشروع الشرق الأوسط الكبير» (13شباط 2004) المقدم من الإدارة الأميركية، مع سكوت في نص الإعلان عن مواضيع مثل العراق وفلسطين وأميركا التي أصبحت قواتها بمحاذاة مدينة البوكمال عند الحدود العراقية - السورية.
منذ ذلك الحين أصبحت هذه التوجهات الجديدة، تجاه العروبة والديموقراطية والموضوع الأميركي والعراق، إضافة للانزياحات نحو مدارات قريبة من أبو مازن وفريق 14 آذار عند المسيطرين على" إعلان دمشق" ، مسيطرة على أقسام كبيرة من جسم المعارضة السورية. بالمقابل، برزت المعارضة لهذا الخط ضمن صفوف المعارضين السوريين بعدما ظهرت أولاً من داخل صفوف «المكتب السياسي» بين عامي2003 و2005، من حزبي «الاتحاد الاشتراكي العربي» وحزب العمل الشيوعي، اللذين، رغم انضمامهما لـ «إعلان دمشق»، إلا أنهما كانا منذ البداية في الضفة الأخرى، وكادا أن ينجحا في خلخلة البنية المفهومية - السياسية للإعلان عبر وثيقة «التوضيحات» - 31 كانون الثاني 2006- الصادرة عن «اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق»، التي سارع حزب الأستاذ رياض الترك، أي «حزب الشعب الديموقراطي»، إلى التبرؤ منها وإلى منع تحولها إلى وثيقة تمثل سياسة «إعلان دمشق».
تُرجم ذلك، على الصعيد العملي، إلى خندقين داخل «إعلان دمشق» حيال الموقف من حرب تموز، وقد بان من يومها أن الاختلاف المفهومي حيال مواضيع العروبة، و«ديموقراطية المكوِّنات» أو «ديموقراطية المواطن»، سيترجم إلى مواقف مختلفة على صعيد السياسة العملية حيال مواضيع ليست تفصيلية بل أساسية، مثل المشروع الأميركي والعراق ولبنان والتسوية.
أيضاً ظهر هذا أخيراً، بشكل جلي، لمّا وقّعت مجموعة كبيرة من الشخصيات السورية المعارضة بياناً يعارض قرار مجلس الشيوخ الأميركي (26أيلول2007) حول تقسيم العراق، حيث وقع عليه قياديون من «الاتحاد الاشتراكي» ومن حزب العمل الشيوعي، فيما لم يوقعها أحد من «حزب الشعب» أو من الأحزاب الكردية أو من المنضوين الآخرين في «إعلان دمشق»، فيما كان بارزاً توقيع القيادي الشيوعي الدكتور أحمد فايز الفواز، والدكتورة مية الرحبي والدكتور يوسف سلمان اللذين قادوا المعارضة للخط الأميركي في لجان إحياء المجتمع المدني عام 2004. ثم بان هذا، بشكل فاقع، في الاجتماع المنعقد في اليوم الأول من شهر تشرين الثاني للأمانة العامة لـ«إعلان دمشق»، لما نوقشت وثيقة «مشروع البيان السياسي» لما سيسمّى «المجلس الوطني لإعلان دمشق»، حيث طالب حزب العمل الشيوعي و«الاتحاد الاشتراكي» بإضافة فقرة تأخذ موقفاً مضاداً من المشروع الأميركي - الصهيوني، ليجابه ذلك بالرفض من جميع الآخرين الذين يمثلون أكثرية كاسحة في تلك الهيئة القيادية للإعلان، الذين وصلت بهم الأمور حتى إلى حدود رفض صيغة مساومة تتحدث عن «مجابهة المشروع الصهيوني المدعوم من الإدارة الأميركية».
يؤدي ذلك كله إلى جعل «إعلان دمشق» جامعاً لما لا يمكن جمعه، حيث إن الخلافات على المشروع الأميركي في المنطقة والعراق ولبنان والتسوية والعروبة وديموقراطية المكوِّنات هي خلافات، إذا أردنا استخدام المصطلحات الفقهية الإسلامية، على الأصول لا على الفروع، فيما تدل تجربة السنتين الماضيتين من عمر «إعلان دمشق» على أن له هوية إيديولوجية - سياسية محددة، وانحيازات وتخندقات، تجعل من الصعب الانضواء تحت خيمته.
في حالة كهذه، هل انقسام المعارضة السورية وانشقاقها إلى معارضتين يكون عيباً أو حراماً أو خطأً، من الناحيتين المبدئية أو السياسية؟ بمعنى آخر: هناك ملامح واضحة لتكوُّن مرحلة انتقالية، ستدفع حتماً باتجاه مآلات انشقاقية في المعارضة السورية لتكوين جسم آخر، غير «إعلان دمشق»، وخط آخر يكون مبنياً على أسس وطنية - ديموقراطية، فهل سيلتقط أصحاب هذا الخط الأمر، ويمنعون تكرار السيناريو العراقي، عندما ضاعت بلاد الرافدين بين ثنائية صدام حسين ـــــ أحمد الجلبي؟
* كاتب سوري
عدد الاثنين ٣ كانون الأول 2007
عنوان المصدر: http://www.al-akhbar.com/ar/node/55973

مقالات منشورة للكاتب:
1-هل انتصر بابا الفاتيكان على ديكارت؟ موقع "الأوان" 10/3/2008
2- كوريدور الماركسية- الليبرالية جريدة الأخبار 4/3/2008
3- حدود القوة الروسية ، جريدة المستقبل 24/3/2008
4- المصائر المختلفة لحضارتين عبر مثال ابن رشد وتوما الأكويني موقع "الأوان" 23/3/2008
5- تلازم الفكر التأملي مع النظرة التجزيئية للكون . موقع الأوان- موقع الأوان 2322008






"إعلان دمشق"، إلى أين؟
ياسين الحاج صالح
في مطلع شهر كانون الأول الجاري، وبعد عامين وشهرين تقريبا من تأسيسه، التأم المجلس الوطني لإعلان دمشق، الجسم الأساسي للمعارضة السورية، وانتخب رئاسة للمجلس وأمانة عامة جديدة. وعلى الأثر تحركت تفاعلات أزمة حادة في ثلاث اتجاهات، سياسية وإيديولوجية وأمنية. اتصل أولها بعدم تمكن قياديين في "الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي"، وهو تنظيم ناصري، من الفوز بأي من مقاعد الأمانة السبعة عشر، فكان أن جمد الحزب مشاركته في أنشطة الإعلان المركزية والمحلية. ثانيها حملة تصريحات وتعليقات تكاد تضاهي في تواترها وانفعالها تلك التي رافقت ولادة إعلان دمشق ذاته، تضع نتائج الانتخاب ككل في سياق صراع سياسي وإيديولوجي بين تيارين، واحد ليبرالي وآخر ليس له اسم محدد، لكنه ضد ليبرالي. وثالث التفاعلات حملة اعتقالات واستدعاءات قامت بها السلطات لعشرات من أعضاء المجلس، بلغت ذروتها في اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول الجاري. أفرج عن معظم المعتقلين بعد وقت قصير، يوم واحد أو أقل، لكن لا يزال بعضهم موقوفين (كتب المقال يوم الأربعاء، 12/12).
كان إعلان دمشق تشكل في لحظة سياسية وسيكولوجية سورية خاصة جدا. بدا في خريف عام 2005 أن النظام مضعضع وقد يتهاوى، وأن وجود ائتلاف واسع لقوى منظمة من شانه أن يحد من مخاطر أي فراغ سياسي محتمل، ويجنب البلاد الأسوأ مما كانت دلائله المقلقة تنبسط في الجار الشرقي. غير أن جملة الديناميات الإقليمية والدولية التي كانت بثت هذا الانطباع عند قطاعات واسعة من المراقبين، داخل سورية وخارجها، وحتى في أوساط النظام نفسه، اتخذت بالتدريج اتجاها مختلفا بعد أشهر. ولعلّ الاتجاه هذا تكرس نهائيا وبات غير عكوس في مؤتمر أنابولس الأخير، الذي قد تكون أهم دلالاته إعادة تطبيع النظام السوري ضمن المنظومة الإقليمية. ما كانت قربت بين أطرافه لحظة خاصة جدا لم يلبث أن أخذ يتباعد مع فواتها.
ومع انحسار الفاعلية العامة عاد العامل الإيديولوجي المفرّق إلى تحديد خيارات الفاعلين السياسيين، بعد أن كان تقدم العامل السياسي الموحّد في لحظة نمو تلك الفاعلية. وهذا عنصر في السياق الذي أفضى إلى تعليق الناصريين نشاطهم في الإعلان. وخلافا لما أفادت به تصريحات منفعلة إثر انتخاب الأمانة العامة للمجلس ثمة ثلاثة تيارات أو أربعة، أو حتى خمسة داخل ائتلاف إعلان دمشق، وليس تياران فحسب. ثمة ديمقراطيون يتمحور تفكيرهم السياسي حول مفهوم "المصلحة الوطنية السورية"، دون أن يكون لهم عنوان إيديولوجي محدد (حزب الشعب الديمقراطي وحزب العمال الثوري ومثقفون وناشطون مستقلون ..). وهناك تيار إسلامي ديمقراطي، تتمايز فيه هو ذاته تنويعتان: واحدة شبه إخوانية، وأخرى أقرب إلى نموذج حزب العدالة والتنمية التركي. وثمة تيار ليبرالي فعلا، ويمكن التمييز فيه هو ذاته بين شيوعيين سابقين أضحوا ليبراليين بالطريقة ذاتها التي كانوا فيها شيوعيين، أعني بطريقة معتقدية وخلاصية، وبين ليبراليين مثل رياض سيف أقرب إلى حساسية وتفكير شرائح من الطبقة الوسطى المدينية، المستقلة، والمنتجة. هذا فضلا عن التيار القومي الذي يتقارب معه في المواقف تيار شيوعي. ولا ريب أن إرادة إعادة بناء الهوية الذاتية في وقت تمايز و"فرز"، بناء "نحن" في مواجهة "هم"، هي ما أملت على مطلقي التصريحات الكلام على تيارين، وليس مطابقة واقع الحال. على أنه ليس من شأن خسارة أطراف وفوز أطراف، ولا نقد تبسيطية التعليقات على انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق ونتائج انتخاب أمانته العامة، أن تحجب اشتراك الجميع في أزمة سياسية وفكرية لا جدال فيها، ولا حل إيديولوجيا لها. في جذر هذه الأزمة استيلاء النظام السياسي على المجال العام بطرق عدوانية كما ذكّرت موجة الاعتقالات الأخيرة. الأثر الأهم لهذا الاستيلاء عزل التنظيمات السياسية والتيارات الإيديولوجية عن القوى الاجتماعية، وكذلك عزل الطبقات والشرائح الاجتماعية عن الحياة السياسية، ما ينزع صفتها العامة ويردها مراتب دخل فحسب. ومن جهة أخرى ثمة الفراغ الفكري الذي يطبع عمل حركة المعارضة، والذي جعل العودة إلى عتاد فكري متقادم وغير منقود، قومي عربي وشيوعي، يبدو تقدما. ولم تكن "السياسوية" المفرطة لعمل المعارضة الديمقراطية خلال السنوات السبعة أو الثمانية الأخيرة غير مظهر لهذه الأزمة وقناع يخفيها في آن معا. ولعل الأصل فيها هي ذاتها، أعني "السياسوية"، الطابع الاستئثاري والعدواني لممارسة السلطة، وما يدفع إليه من تثبت المعارضين على مسألة السلطة من جهة، وسيكولوجية المعتقل السياسي التي تدفع نحو التثبت نفسه من جهة أخرى. ومعلوم أن عددا غير قليل من قيادات حركة المعارضة معتقلون أو ملاحقون سابقون.
لا ريب أن تقلب مسار الإعلان يتصل كذلك بأزمة وتقلبات وضع أجنحة من الطبقة الوسطى السورية "تمثلها" قوى الإعلان وحساسيات ناشطيه وتوجهاتهم العامة. وقد يمكن رصد توتر بين جناحين من ناشطي الطبقة هذه، "شريحة المهنيين" و"شريحة المالكين" التي كانت غريبة على العموم على النشاط السياسي المعارض في البلد منذ مطلع العهد البعثيّ. لا يضم الجناح الأول أطباء ومهندسين ومحامين من أصول متواضعة عموما فقط، وإنما أولاً معتقلين سياسيين سابقين. وهؤلاء "شريحة" خاصة، تجمع بين "رأسمال رمزي" و"معرفة" وخبرة سياسية، أتاحت لهم لعب دور لافت، سياسي وثقافي، في السنوات المنقضية من هذا القرن. بين 19 من أعضاء رئاسة المجلس وأمانته العامة (عضوان كرديان وعضو "أثوري" لم تعرف أسماءهم) ثمة 9 معتقلين سابقين (وسبق لأكثر التسعة عشر أن مروا بمرحلة اعتقال قصيرة) و5 أطباء، و6 قياديين حزبيين، و3 كتّاب. ويمثل رياض سيف الذي تتمايز خلفيته الاجتماعية والإيديولوجية والسياسية عن خلفية المتن المعارض في سورية في أوقات سابقة، المتن الذي كان مكونا من يساريين وقوميين عرب بصورة أساسية، يمثل تقاطعا بين شريحتي المعتقلين السابقين ورجال الأعمال. فهو منحدر من الطبقة الوسطى المالكة والمنتجة، وقد كان عضوا في "مجلس الشعب"، أي البرلمان الرسمي، وهو لم يمر يوما بطور يساري أو قومي عربي.
بيد أن أي تحليل طبقي لا يمكن أن يفي بالحاجة في سورية. فضعف التشكل الطبقي من جهة، وضعف التشكل أو نقص الاندماج الوطني من جهة أخرى، وما أشرنا إليه من عزل قسري بين الاجتماعي والسياسي، عوامل تجعل من الكلام على طبقة وسطى وشرائح متميزة لها أقرب إلى المجاز. وللعوامل ذاتها فوق ذلك دور أكيد في تسهيل تأثر الفاعلين العامين بعوامل جهوية وأهلية.
هذا يدعو إلى وضع أزمة العمل المعارض في سياق إعادة بناء السياسة والفكر السياسي في سورية، وهذا ذاته في سياق البحث عن مخارج من الأزمة الوطنية والاجتماعية المزمنة في البلد. فخروج النظام من أزمة حادة أقلقته وقلقلته لا يحمل أي تقدم على صعيد معالجة الأزمة المزمنة هذه. أقصى ما يمكن أن يكونه هو فاتحة طور أشد تعقيدا من أطوارها.
17 /12/ 2007


http://www.ahewar.org

مقالات منشورة للكاتب: موقع رزكار
1- الفساد الصغير ثقافة والفساد الكبير سياسة
2- أزمة حركات المعارضة العلمانية العربية فكرية
3- في نقد الثقافة السياسية السورية
4- جوزيف سماحة: المناضل ضد المثقف
5- عناصر رؤية عقلانية لمواجهة إسرائيل (1 من 2)
6- سورية بين 1978 و2008: عود على بدء!
7- في أصول نظام الاستثناء السوري: محاولة ماركسية
8- -المسألة الدينية- موضوعا ت لتفكير نقدي
9- من صنع إسرائيل؟ ومن هم -عملاؤها-؟
10-هل يمكن لتركيا أن تكون مثالا إيجابيا للسوريين؟
11- شركاء في العالم، نشبهه ونتشبه به.!.



مستقبل المعارضة السورية
برهان غليون
لا أعتقد أن حملة الاعتقالات التي تعرض لها أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق بعد أسبوع من انتخاب هيئاته القيادية، ومنع الأمانة العامة المنتخبة بالقوة من عقد أول اجتماعاتها، ستقضي على النجاح الكبير الذي مثله بالنسبة للمعارضة الديمقراطية السورية انعقاد مجلسها الموسع، في الأول من ديسمبر 2007.
فقد كرس انعقاد هذا المجلس وجودها كقوة داخلية لا يمكن تجاهلها، وأكد أنها ليست طفرة سطحية وإنما موجة عميقة تعكس وقائع بنيوية، في مقدمتها ولادة نخبة ليبرالية تتغذى من انحسار أفكار الاشتراكية على الصعيد الدولي وتحول البلاد نحو اقتصاد السوق، وما ينجم عنه من تمايزات وتوترات طبقية جديدة، وعطش الجمهور إلى لغة تقطع مع أدبيات البيروقراطية الحاكمة التي فقدت صدقيتها وترفض أن تخضع سيطرتها الطويلة لأي استفتاء شعبي. ولن تنجح الحملات الأمنية في تغيير هذا الواقع البنيوي الذي يجعل من المعارضة حاجة عضوية في سوريا ما بعد ربيع دمشق لعام 2001. ولن يكون لها في الظروف القائمة أثر آخر سوى تأكيد وجود هذه الممعارضة وتعزيز حضورها وصدقيتها أمام جمهور يتطلع إلى قيادة جديدة، في ظل أزمة الانتقال المؤلم نحو نظام الرأسمالية الطفيلية والوحشية معاً، نظام المضاربات المالية والعقارية ووضع اليد على موارد الدولة وأملاكها من دون توفير الملكيات الخصوصية أيضاً.
بيد أن هذا النجاح لا ينبغي أن يخفي عنا الأزمة الفكرية والسياسية التي تعيشها الديمقراطية العربية عموماً والسورية بشكل خاص. فقد ظهرت المعارضة وتبلورت فكرة تكتل إعلان دمشق في فترة ازدادت فيها الآمال باحتمال حدوث تطور دراماتيكي على الأحداث نتيجة تبدل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة في اتجاه التخلي عن سياسة ما كانت تسميه دعم الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم أولاً، وبروز سيف المحكمة الدولية المسلط على النظام في سياق التحقيق بمقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ثانياً. وقد رفعت هذه الظروف الاستثنائية من سقف التوقعات في صفوف الرأي العام، ودفعت المعارضة إلى تبني إستراتيجية قصيرة المدى، وخط سياسي راديكالي لا يأخذ ميزان القوى الداخلي بما فيه الكفاية بالاعتبار، مركزاً بالمقابل على احتمال تطور الأوضاع الإقليمية والدولية. بيد أن تبدل هذه الأوضاع بعد انهيار إستراتيجية السيطرة الأميركية المنفردة على العراق، وتراجع واشنطن عن سياستها الجديدة الرامية إلى تغيير الأوضاع الإقليمية، أفقد هذه الإستراتيجية مبررات وجودها، بينما صار من الصعب على من صعد إلى شجرة التغيير الفوري أن يقبل بالنزول عنها والتكيف مع إستراتيجية طويلة المدى تأخذ بالاعتبار حاجات بناء قوى التغيير الديمقراطي، ولا تعيش على أوهام الضغوط الخارجية أو تركن إليها.
أمام العجز عن تطوير إستراتيجية واقعية وعقلانية للرد على التغير الحاصل في مسار الصراع من أجل الديمقراطية سوف تبرز في صفوف المعارضة السورية نزعتان متعارضتان ومتكاملتان معا : نزعة الهرب إلى الأمام والتطلع المتزايد نحو الخارج، ومن ضمن ذلك اكتشاف قيمة المعارضة الخارجية والسعي إلى الربط معها، ونزعة التراجع إلى مواقف ما قبل ربيع دمشق والتكيف السلبي مع نظام السيطرة الأحادية والشمولية. وهكذا سينتقل النزاع ضد النظام الو احدي الذي صبغ السنوات الأولى من تكوين المعارضة نحو الداخل، ويتحول إلى صراع بين أصحاب النزعتين من أجل السيطرة على الإعلان. وفي هذا الإطار ينبغي تفسير ما حصل في الانتخابات الأخيرة للمجلس، وأدى إلى إقصاء ممثلي أحد أهم الشركاء في تكوين الإعلان، حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي، من قيادة التشكيل السياسي الجديد، وقاد هذا الحزب إلى تجميد عضويته في الإعلان. ومن الواضح الآن، وهو ما كنت قد لمسته في لقائي بعدد كبير من أعضاء المجلس في جلسة الغداء الذي أقامه النائب السابق ورئيس الأمانة العامة للإعلان رياض سيف بمناسبة زيارتي لدمشق، أن هناك خطين يتنازعان الإعلان. الخط الذي يعتقد أن المشكلة كامنة في ضعف إرادة البعض وخوفهم من التصعيد ضد النظام، وبالتالي لا حل لأزمة الإعلان إلا في عزلهم. وهو الخط الذي يرفض المراجعة والنظر في التجربة الماضية والتحليل الموضوعي للوضع الوطني والإقليمي والدولي، ويهرب لذلك من مسألة ضرورة بلورة رؤية نظرية واضحة وخطة طريق تؤلف فعلياً بين جميع تيارات المعارضة، مكتفياً بالتفاهم المبدئي حول شعار الديمقراطية. والخط الثاني الذي يدعو للتمهُّل والحيطة ويراهن على تنشيط المشاعر والقيم الوطنية التاريخية للحد من جموح بعض الأطراف إلى التطلع نحو "المساعدة" الخارجية والتعلق بوهم مفعول المحكمة الدولية. وقد قاد الحسم الذي سعى إليه البعض في هذا النزاع إلى تفجير أزمة التكتل الكامنة أكثر مما قدم حلاً لها. فأضيفت أزمة انعدام الثقة داخل قوى الإعلان إلى الأزمة الأشمل المتعلقة بالعجز عن بلورة رؤية عملية للتحرك في إطار سياقات إقليمية ودولية جديدة تتطلب تخفيض سقف التوقعات وتطوير أساليب عمل أكثر انخراطاً في الواقع اليومي للناس وأكثر إبداعية ومرونة.
لا أعتقد أن هناك مهرباً بعد الآن لقوى الإعلان، إذا أرادت أن تتجنب النزاعات الداخلية وتهيئ نفسها لمعركة الحرية الطويلة، من التراجع عن سياسات الإقصاء وفتح مناقشة واسعة بين صفوفها لدراسة التجربة الماضية، بما فيها تجربة الانتخابات الأخيرة الإشكالية، في سبيل الانتقال إلى مرحلة جديدة تعتمد أرضية سياسية واضحة تنال قبول جميع الأطراف، وتؤسس لخط بديل يقطع مع نزعة الهرب إلى الأمام أو النكوص إلى تكيفات ما قبل ربيع دمشق، ويؤكد على المبادئ والقيم الملهمة للتغيير، لكنه يتعامل بصورة إبداعية مع الأساليب والوسائل، ويقيم حساباته على أسس أكثر واقعية وعقلانية، لا يتجاهل العوامل الخارجية المساعدة، لكن لا يبني حساباته عليها، ويتمسك بالقيم الوطنية والاستقلالية العربية، لكن من دون أن يفصلها عن مسائل التحول الديمقراطي والاجتماعي أو يجعلها بديلاً عنها.
وهذا ما يتطلب التخلي عن الإستراتيجية القديمة التي ارتبطت بتوقع انهيار مفاجئ، وتبني إستراتيجية عمل بعيد المدى لا تراهن على تغيير مفاجئ، ولا تسلم بالأوضاع القائمة، محورها بناء القوى الذاتية التي لا غنى عنها لقيام سلطة ديمقراطية وطنية في أي حالة من حالات التغيير، سواء أكان من النوع المفاجئ أو التدريجي. وأساس ذلك ربط برنامج الصراع وأساليبه وأجندته بأجندة هذا البناء، لا بأجندة الضغوط الخارجية أو أجندة مقاومة النظام نفسه لهذه الضغوط. فهذا هو السبيل الوحيد لتقريب قطاعات الرأي العام وأصحاب المصالح الاجتماعية الكبرى المختلفة وجذبها إلى مشروع التغيير الديمقراطي بها. ومن دون هذا الاستثمار في القضايا الاجتماعية التي تشغل الناس، لن يستطيع الإعلان فك العزلة المضروبة عليه، وسيضطر، للتعويض عن ذلك، إلى الاستمرار في تغذية الأوهام الكبيرة في أثر العوامل الخارجية، وفي تقديم الوعود الكاذبة التي ستترجم لا محالة في المستقبل على شكل إحباطات متتالية للرأي العام ولقوى وأعضاء إعلان دمشق أيضاً.
جريدة الاتحاد
19/12/2007


مؤلفات منشورة للكاتب:
1- "بيان من أجل الديمقراطية"
2- "اغتيال العقل"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة السادسة 1992
3- "الوعي الذاتي"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية 1992
4- "النظام الطائفي"
5- "نقد السياسة- الدولة والدين"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت الطبعة الأولى 1991 .
مقالات منشورة : موقع رزكار
1-في جذور الثقافة السلبية
2- الدين والسياسية في مواجهة تحديات العصر
3- في شروط تجاوز الأزمة الوطنية العربية
4-الجماعة والجماعة السياسية والمواطنة
5- دفاعا عن الديمقراطية والديمقراطيين العرب
أزمة المعارضة في سورية
معقل زهور عدي
لم يعد مفيدا التستر حول وجود أزمة داخل المعارضة في سورية أو تجاهل تلك الأزمة، مثلما لم يكن مفيدا استبدال النقاش الهادئ والعقلاني لنقاط الخلاف بسيل الاتهامات والاتهامات المضادة ، تجاهل الأزمة يلتقي موضوعيا مع استبدال مواجهتها بالاكتفاء بالسجالات دفاعا عن طرف وهجوما على طرف، والنتيجة هي تعمق الأزمة وتطورها باتجاهات قد لا تخدم الحركة الوطنية في سورية. لقد حان الوقت لوضع الخلافات في إطارها الحقيقي دون زيادة أو نقصان، والبحث في كيفية إدارة تلك الخلافات للحد من آثارها السلبية التي يمكن أن تطال الجميع، وتنعكس على مستقبل سورية .
نقطة البداية هي الاعتراف بوجود تيارين رئيسيين داخل المعارضة مع وعي نسبية ذلك التعيين فداخل كل تيار في الحقيقة اتجاهات متباينة إلى هذا الحد أو ذاك، على أية حال أرى أن تقسيم المعارضة إلى تيارين رئيسين هو تقسيم ضروري في الحالة الراهنة ويعكس جزءا هاما من الواقع .
التيار الأول: يتكون من تحالف غير معلن بين الليبرالية التقليدية التي تحاول استعادة المبادرة السياسية، واليسار الليبرالي الذي نشأ حديثا بعد سقوط بغداد وتعاظم الدور الأمريكي في المنطقة، وقد أسست لذلك التحول اليساري- الليبرالي نظرية تقاطع المصالح بين الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في التغيير الديمقراطي ( على ما يزعم ) وحاجة سورية الماسة لذلك التغيير مع الشعور بالعجز والإحباط أمام بنية استبدادية شاملة للنظام تمكنت من اختراق المجتمع بطريقة غير مسبوقة . والطرف الثالث الأقل ظهورا هو تيار إسلامي معتدل لا ينزع لمعاداة السياسة الأمريكية بمقدار ما ينزع للتكيف معها يجد في الحزب الإسلامي في العراق نموذجا له مع شيء من الاختلاف الذي تفرضه الثقافة السياسية في سورية ، وأخيرا هناك الأحزاب القومية الكردية المنشغلة بتأمين الدعم والتمهيد لأفكارها القومية الخاصة متطلعة نحو فرصة ثمينة تجدها في التحالف ( وليس التقاطع ) مع الإستراتيجية الأمريكية التي ظهرت كقدر قادم بعد احتلال بغداد . هذا التحالف غير المعلن يجد مشتركاته السياسية في النقاط الآتية: أولا: القطع مع مفهوم انتماء سورية العربي، ليس كمفهوم ثقافي عائم لا وزن له ولكن كمفهوم فكري- سياسي يكون أساسا لبناء الاستراتيجيات، فهم يقولون: كفانا اهتماما بالعراق وفلسطين ولبنان، هذا الاهتمام المفرط هو في أساس مشكلتنا كمعارضة، دعونا نحصر اهتمامنا بسورية، لكن الحقيقة أن تلك الدعاوي التي تظهر بريئة وصادقة ومعقولة ( لنرتب بيتنا من الداخل أولا) سرعان ما تتكشف عن سياسة خارجية متكيفة مع الإستراتيجية الأمريكية في العراق وفلسطين ولبنان والمنطقة عموما، وليس المكان هنا لمناقشة ذلك. ثانيا : تحديد موقف استراتيجي في التكيف مع السياسة الأمريكية في المنطقة وليس مواجهتها، وقد أصبح ذلك واضحا في الخلاف داخل المجلس الوطني لإعلان دمشق حين رفض تعبير ( الوقوف ضد مشروع الهيمنة الأمريكي - الصهيوني ) مما استوجب استبداله للحصول على التوافق المطلوب، ويتفرع عن ذلك الوقوف ضد فكرة المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، ودعم (المسار الديمقراطي ) في العراق المحتل ( طبعا ضد المقاومة ) وفلسطين (دعم خط أوسلو ) ضد حماس، ولبنان ( الدعم الكامل بدون تحفظ لقوى 14 آذار) وضد المقاومة التي يمثلها حزب الله . ( في المجلس الوطني طرح التيار الليبرالي تضمين البيان الختامي تعبير دعم العملية الديمقراطية في العراق وفلسطين ولبنان وتم رفض الاقتراح ). ثالثا: التحرر من أية قيود أو حدود في التعامل مع الدول الكبرى ومنظماتها الحكومية وسفاراتها، الخ..، فمفهوم المعارضة لدى هذا التيار يميل نحو اعتبار ذاته حكومة ظل ذات حقوق متماثلة مع حقوق السلطة القائمة، ويريد أن يدخل في المعادلات الدولية كمنافس سياسي بغض النظر عن قوته الاجتماعية وتوجهات الرأي العام . رابعا: عدم الوضوح في ماهية الديمقراطية المطروحة كبديل، هل هي ديمقراطية المكونات الدينية، المذهبية ، العرقية ( الديمقراطية اللبنانية في نسختها المعممة عراقيا ) أم هي الديمقراطية الوطنية التي تستند فقط على مفهوم المواطنة، مع ملاحظة أن التكيف مع الإستراتيجية الأمريكية يقتضي القبول بديمقراطية المكونات، وهذا ما يتم التمهيد له منذ البيان التأسيسي لإعلان دمشق خامسا : عدم الوضوح في تحديد السياسة الاقتصادية البديلة، وحماية الاقتصاد الوطني، والوقوف إلى جانب الطبقات الشعبية ومصالحها التي تزداد تضررا بسياسة لبْرلة (من الليبرالية) الاقتصاد الجارية بصورة حثيثة في الواقع .
التيار الثاني: يتكون أيضا من تحالف غير معلن بين اتجاه قومي ذو جذور شعبية ويسارية إلى حد ما، واتجاه يساري بتوجه عربي . تتحدد مشتركات هذا التحالف بالآتي:
أولا: الانطلاق من الانتماء العربي لسورية، ليس فقط كانتماء ثقافي، ولكن كانتماء مصير، انتماء يشكل أساسا مرجعيا للاستراتيجيات السياسية، وبالتالي وعي جدلية الوطني - القومي، وفهم الصراع الدائر في المنطقة بأبعاده الكبرى، واستحالة استقالة سورية من دورها القومي .
ثانيا : مناهضة إستراتيجية الهيمنة الأمريكية على المنطقة وليس التكيف معها، والتأكيد على مفهوم الاستقلال الوطني والسيادة، والوقوف ضد كل أشكال التدخل الخارجي الموظف لخدمة إستراتيجية الهيمنة الأمريكية بغض النظر عن الدعاوى والعناوين البراقة .
ثالثا : مقاربة مفهوم التغيير الوطني الديمقراطي انطلاقا من المجتمع بالسعي لبناء قواه الاجتماعية- السياسية حاملة التغيير، والقطع مع أي توجه للاستعانة بالقوى الكبرى، باعتبار ذلك التوجه يشبه من يريد معالجة مرض بقتل المريض.
رابعا : الوضوح في رفض ديمقراطية المكونات واعتبارها طريقا لإعادة سورية للخلف، وازدراء بالمشاعر الوطنية للشعب، وتبني الديمقراطية الوطنية المبنية على أساس المواطنة فقط .
خامسا : الالتزام بمصالح الفئات الواسعة من الشعب ( الطبقة الوسطى، العمال، الفلاحين ) والدفاع عنها ضد سياسة النهب والفساد من جهة وسياسة الانفتاح والخصخصة غير العقلانية للاقتصاد من جهة أخرى .
سادسا : دعم خط المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان وترشيد ذلك النهج بتخليصه من العنف غير المبرر والنزعات الإقصائية والطائفية، وتطوير فكرة المزاوجة بين الديمقراطية والمقاومة .
كما يظهر سابقا فلدينا في الواقع برنامجان سياسيان مختلفان إلى حد التناقض، وفي الحقيقة فقد كان إعلان دمشق محطة مرحلية ريثما يستجمع التيار الأول قوته ويبلور خطه السياسي، وحين شعر باقترابه من انجاز ذلك لم يعد بإمكانه الانتظار للتحرر من الشرنقة التي مثلها تحالفه مع تيار مناقض له، وما حدث في المجلس الوطني كان لابد أن يحدث بطريقة أو بأخرى، بدون استحضار نظرية التآمر.
السؤال الآن: هل بقي لإعلان دمشق من وظيفة حقيقية للمرحلة القادمة في مفهومه الأصلي ؟ وما هو البديل ؟
قبل الدخول في الأسئلة السابقة أرغب في التطرق لمسألة شديدة الحساسية تتمثل في الانزلاق لتحويل الانقسام السياسي إلى انقسام قبلي بأبعاد اتهامية كي لا نقول تكفيرية .
هنا يوجد تياران سياسيان الحكم بينهما لا يمكن أن يكون سوى للشعب عبر أدوات ديمقراطية، ومنذ الآن وحتى يقول الشعب كلمته لا يجوز لطرف ادعاء امتلاك الحقيقة الخالصة، ومحاكمة الطرف الآخر وإصدار الأحكام المسبقة، وبطريقة أخرى من الضروري وعي الطابع السياسي للخلاف وحدوده وطريقة حله .
أعود لإعلان دمشق، فمن وجهة نظر موضوعية أرى انه قد أصبح من الماضي بمفهومه الأصلي، وكل يوم يمضي يجعل من التفكير باستعادته كما كان رغبة محض ذاتية . هل انتهت ضرورة التنسيق بين مختلف أطراف المعارضة من أجل الدفع باتجاه التحول الوطني الديمقراطي؟ بالتأكيد لا ، لكني أزعم أن المسألة أصبحت مطروحة اليوم على أرضية سياسية مختلفة تمر من خلال محطتين رئيسيتين:
المحطة الأولى: تتمثل في ضرورة تبلور التيار الوطني الديمقراطي ووضوح برنامجه السياسي.
والمحطة الثانية: تتمثل في تحديد تخوم التقاطع مع التيار الآخر وبالتالي تحديد الأداة المناسبة للتنسيق، مع مراجعة دروس الماضي وخبراته، فعدم وضوح آليات إدارة إعلان دمشق، والاتكال على تفاهمات شخصية وشللية كان في صلب أزمة الإعلان. وهذه مسألة يفترض أن لا تمر دون مراجعتها واستنتاج العبر .
- يمكن مراجعة البحث النظري للدكتور رضوان زيادة تحت عنوان الديمقراطية التوافقية وهي الماركة التجارية للديمقراطية الطائفية – العرقية حيث ينتهي للقول أن تلك الديمقراطية هي الأنسب لبلدان تعاني من انخفاض مستوى التطور مثل لبنان والعراق والسودان والمغرب ولا أدري لماذا لم يقل صراحة وسورية
naser-52@maktoob.com
الحوار المتمدن - العدد: 2162 - 2008 / 1 / 16
راجع الموقع الفرعي لـ"معقل زهور عدي" على موقع rezgar.com

بيان بتجميد العضوية في إعلان دمشق
"الوطن في المواطن والمواطن في الوطن"
هيثم مناع، ماجد حبو، ناصر الغزالي
الديمقراطية هي ما يجمعنا بالليبراليين القدامى منهم والجدد باعتبارهم طرفا في نسيج المعارضة، ولكن ليس بالمعنى العدميّ وإنما بالمعنى الوطني. ليس بمعنى الانفتاح العشوائي على السوق، وإنما ضمن برنامج اجتماعي يضمن الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. لذا ولأننا نعتبر الديمقراطية، وليس الليبرالية، صلب أي برنامج للتغيير في سورية، ولكوننا قرأنا في اجتماع أول ديسمبر انتصارا لخطاب ليبرالي:
- عجزه الأول في كونه يتعارض مع القيم الديمقراطية الأساسية والضرورية للمشروع الوطني الديمقراطي في سورية،
- والثاني في أنه لا يملك حمالة اجتماعية تشكّل وزنا يذكر في صفوف المجتمع. مما يجعله بحاجة لقوة خارجية تحوله لطرف حقيقي لا مجرد قوة افتراضية في المعادلة الداخلية.
ليس لدينا أية أوهام عن طبيعة السلطة التسلطية في دمشق، ولسنا بحاجة للتأكيد في كل مناسبة على أن نضالنا من أجل مشروع وطني ديمقراطي لا يقبل أية مساومة حول الحقوق والحريات الأساسية للشعب السوري، ولكننا نذكر بمأثورة عبد الرحمن الكواكبي "علينا قبل إسقاط السلطة المستبدة معرفة طبيعة البديل". والبديل الليبرالي ليس البديل الديمقراطي، البديل الليبرالي نجده في السلطة في مصر، وحليفنا كل الديمقراطيين الذين يقامون مشروع التوريث الليبرالي هناك، نجده في السلطة في العراق ملوثا بالطائفية والعنف. فهو ليس بجديد بل قديم جدا. حليفنا العربي الطبيعي هو الديمقراطيون العرب وليس أنظمة استبداد عربية لا تختلف عن السلطة السورية إلا بولائها للولايات المتحدة الأمريكية. وعندما لا يميز بعض قياديي إعلان دمشق بين المجتمعات العربية وحظيرة الأنظمة الاستبدادية العربية فهناك، ضربة في الظهر توجه لحلفائنا في تونس ومصر والسعودية، الخ.. النظام السعودي والمصري لا يختلفان عن السوري، وعندما مدّ الملك عبد الله يده مدها لرفعت الأسد وأمثاله، ولن يمدها للمعارضة الديمقراطية الحليف الطبيعي لحركة الإصلاح المعارضة في السعودية.
يصعب أن نتحمل المسئولية الأخلاقية والسياسية للمواقف السياسية لأمانة إعلان دمشق الحالية. ونجد من الأنسب تجميد عضويتتنا إلى حين حدوث إصلاح حقيقي في البنية والوظيفة والآليات الديمقراطية. وسنتصدر كما كنا دائما، الحملة من أجل إطلاق سراح المعتقلين والنضال ضد الدكتاتورية مع كل الديمقراطيين الوطنيين.
بصدق وأمانة، وبعيدا عن دناءة أساليب أجهزة الأمن التي لم تعد تحتمل أي فضاء مستقل عن سلطة فاسدة ومفسدة، وضعت نتائج المؤتمر من وجهة نظرنا الخنجر الثاني، بعد إعلان الإخوان وخدام لجبهة الخلاص، في صدر وحدة إعلان دمشق؟ من المؤسف أن بعض أطراف المعارضة لم تعد اليوم قادرة، على رؤية الواقع كما هو. لقد كتبنا وكتب برهان غليون وسلامة كيله وأقلام عديدة، وتحدثنا في مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية وعدة منظمات حقوقية وتجمعات ثقافية حول ضرورة تشخيص دقيق للأوضاع من أجل برنامج عقلاني يعتمد القوى الذاتية أولا. ويتوقف عن تكرار شعارات عامة لا معنى لها في الصراع الإقليمي، أحيانا لخلافات تنظيمية تاريخية، وأحيانا لتفوق النكاية والخلاف مع السلطة على سياسة معارضة عقلانية، وأخيرا وليس آخرا في تبني بعض النخب لمنطق شعبوي قائم على رد الفعل من باب "عدو السلطة صديقي". وكلما اتهم هذا الفريق بخدمة هذا التيار أو ذاك، يعود ليؤكد بأنه ضد التدخل الخارجي وضد سياسة المحاور، الخ..
لسنا في خصومة مع الأمل المشروع في التغيير. ولكننا بالتأكيد ضد تجارة الوهم وتوظيف البؤس لإعادة إنتاجه بوسائل أخرى. لقد ناقشنا العديد من الأصدقاء، داخل وخارج إعلان دمشق، قبل أن نختار عدم الركون لمنطق تأجيل الحوار النقدي تحت وقع ضربات أجهزة الأمن. لأن الوضع خطير وجسيم لسورية، سلطة ومعارضة. وأي تأجيل في مناقشة المواقع والمواقف والطموحات، والمشاركة في الرد على سؤال "ما العمل؟"، إنما هو تضييع للهوية في ثنايا دور الضحية. فلم يعد بالإمكان انتظار فسحة هواء طلق تتركها أجهزة الأمن للحوار الديمقراطي في أجواء صحية. من هنا ونحن نسجل هذه التنقيحات والتوضيحات، نشارك في تنظيم أول اجتماع لحملة عربية ودولية من أجل الإفراج عن المعتقلين السياسيين في سورية. حملة ستشارك بها قرابة عشرين منظمة عربية وأوربية.( فليس لأحد أن يعطينا في هذا المجال الدروس) وهي:
1- ليست الليبرالية الجديدة طبقة أو مركزا من مراكز القوة في المجتمع السوري، وأطروحاتها التي باشرها النائب رياض سيف بعد وفاة الفريق الأسد مباشرة كانت هلامية وضبابية وغير واضحة. وقد تبلورت بعد احتلال العراق ودخول فكرة التدخل الخارجي طرفا في المعادلة الداخلية. وكما قال فاتح جاموس كان رياض سيف كوماندوز وحيد في طبقته التي اختارت البقاء في أمان السلطان، فرأس المال جبان خاصة في الدول التسلطية. وقد طالبنا بالتفاعل مع هذا الاتجاه عندما كان يصر على الطابع الوطني والاجتماعي في جلساته. وبالتأكيد فقد دفعت جرائم أجهزة الأمن باعتقالاتها المتتابعة وضغطها على هذا التوجه العديد من شخوصه للتعلق بحبال الشيطان لوقف العسف. ولكننا نعتبر السياسة فعل مبادر لا مجرد رد فعل، واستيعاب لمصالح وحاجات شعب لا قضية ذاتية.
لم يكن السيد رياض سيف في يوم من الأيام شريكنا في فنجان القهوة. وقد دافعنا عنه في المعتقل أكثر من أقرب مقربيه. وسنعاود الكرة مع كل الأشخاص الذين نختلف معهم في الرأي. لكن في الحقيقة صدمنا بمقابلته حول العراق عندما كان معتقلا وتمنينا لو لم يكن في السجن للرد عليه. لقد كنا نرى المشهد الكارثي العراقي في الميدان. وكان هو يراه في حلم السجين أو ربما رجل الأعمال، ولكن بالتأكيد ليس ببعد نظر السياسي والاستراتيجي والمواطن الحريص على حقوق الإنسان والشعوب. بكل صراحة، عدم الرد عليه يومها، أعطاه ورقة موافقة ضمنية لم تكن موجودة حتى من عدد من المعتقلين على بعد أمتار من زنزانته الذين لا يشاطرونه الرأي. فكيف الأمر خارج سجن عدرا؟ في الانتخابات الأخيرة، وفي مقابلة تلفزيونية له، كان يدافع عن المشاركة في الانتخابات التي سبقت عندما شارك وصار نائبا، ويدافع عن قرار إعلان دمشق المقاطعة في الانتخابات لأن الظروف تغيرت. كان الموقف ذاتيا بشكل يصعب تصور أن المتحدث يمثل جبهة واسعة معظم مكوناتها قاطعت الانتخابات التي بها أصبح الحمصي وسيف نائبين. عدة أمثلة مشابهة تجعلنا نعتبر تعزيز موقع النائب السابق رياض سيف في قيادة إعلان دمشق يتم على حساب روح العمل الجماعي والمشروع الوطني الديمقراطي.
في السجن، كان النائب مأمون الحمصي يتحدث في الوطن والشعب لا عن بوش والحريري. للأسف تغير الخطاب وتحول محب الأوطان إلى بهلوان. لذا انقطعنا عنه تماما بعد وصوله بيروت. وبكل الأحوال، فقد أعلنا من قبل بأن أي تبنٍ لإعلان دمشق لمواقف أمانة بيروت يعني سحب عضويتنا من إعلان دمشق. كوننا لا نجد في خطاب هذه اللجنة روح الديمقراطية، بل روح التوريط الجماعي في صفقة لثلاثة أشخاص لا نعرف حجمها وسقفها، لكننا نعرف بالتأكيد مدى عقمها وسطحيتها وتبعيتها. لقد أكد لنا حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي يومذاك بأنه لا يوجد أية علاقة بين أمانة بيروت وأمانة دمشق. من يؤكد لنا اليوم هذا الموقف بعد تجميد الحزب لعضويته؟ خاصة مع انتشار خطاب "كل الأوراق جيدة للتخلص من الدكتاتورية بما في ذلك ورقة الدكتاتورية"؟ وكون الانتظارية هي الثابت الوحيد في السياسة الداخلية كما رأينا في قضية جبهة الخلاص ونظائرها، فنحن نعتبر مواقف أمانة بيروت خارجة عن الروح التي جعلتنا نتبنى إعلان دمشق والصمت عنها قبول بها.
2-منذ سنتين لم نحضر أي اجتماع خاص بإعلان دمشق في الخارج، لأن الروح الحزبية الضيقة والصراعات الشخصية أجبرتنا على عدم الاختيار بين هذه اللجنة أو تلك، أو الاصطفاف بين ندوة تشارك فيها القوات اللبنانية وأخرى بالتعاون مع الحزب القومي الاجتماعي. لذا كتبنا عن مخاطر سياسة المحاور مبكرا حتى لا تقع المعارضات في مطب الالتحاق بهذا المحور أو ذاك (نعم كما يتحدث الأخ رياض الترك عن خوارج وليس خارج، صار بوسع المعارضين اليوم أن يتحدثوا عن معارضات وليس معارضة مع التذرير الذي نال المعارضة بتعويل بعض أطرافها على الخوارج).
3-الحقيقة أننا سعداء جدا بالتحليل العقلاني للدكتور برهان غليون خاصة فيما يتعلق بوهم السقوط الفوري للسلطة بعصا بوش السحرية، وحديثه الصريح عن أوهام بعض المعارضين (للدقة نصر على القول بعض المعارضين وليس المعارضة كما يقول، فقد كتبنا حول هذه الأوهام منذ اليوم الأول لتصريحات وضعت السيد بشار الأسد في السجن قبل نهاية 2006، وقاسمنا هذا الرأي أغلبية كبيرة في البلاد ومن فقراء العباد). لكن الأستاذ غليون غير دقيق عندما يقول بوجود نزعتين متعارضتين ومتكاملتين معا : "نزعة الهرب إلى الأمام والتطلع المتزايد نحو الخارج، ومن ضمن ذلك اكتشاف قيمة المعارضة الخارجية والسعي إلى الربط معها، ونزعة التراجع إلى مواقف ما قبل ربيع دمشق والتكيف السلبي مع نظام السيطرة الأحادية والشمولية."
فهو بذلك يغطي عيب الاستقواء بالخارج بعيب وهمي اسمه الاستقواء بالاستقرار المستنقعي. فحتى لا يجرح مشاعر أصحاب أوهام الخارج يتهم غيرهم بوهم السلطة. فيساوي بذلك بين الديمقراطيين وملتحفي بساط الليبرالية الجديدة، التي لم ترتق لشرف الليبرالية القديمة، وكانت في تعبيرها البوش- ديكتشيني سببا في تحطيم العديد مما أنجزته الحركة الديمقراطية والمدنية في العالم في قرنين من الزمن. الديمقراطيون لم يهادنوا ولم يتكيفوا ولم يتراجعوا ولكن عندما تقدموا، تقدموا بشكل عقلاني وبالاعتماد على فهم دقيق وعميق للعالم والمنطقة وحساب لقدرات شعبهم وبلدهم. وهذا الكلام ينطبق على برهان غليون كما ينطبق على عبد العزيز الخير أو حبيب عيسى أو عبد المجيد منجونة أو سليم خير بك، ونعتذر لصعوبة ذكر الرموز الكبيرة من القامشلي إلى الجولان المحتل. ليس الديمقراطي السبب في عدم سقوط السلطة، كما أن الليبراليين وأوهامهم لم تكن كافية مع ضمانات عبد الحليم الخدام لإسقاطها. لذا لا يمكن كما يحلوا لأصدقاء 14 آذار أن يصنفونا اختصارا بأننا من جماعة 8 آذار. ولا يمكن أن يعتبر رفضنا التدخل الأمريكي والفرنسي في لبنان قبولا للتدخل الأمني السوري فيه. المشكلة في جماعة 14 آذار في لبنان، وفي الكاريكاتير السوري لهم، أنهم صاروا بالنكاية يدافعون عن وولفوفتز حتى في قضية فساد أودت بمنصبه. وتقليد المتطرفين في فريق بوش أوسمة شرف رغم اضطراره نفسه للتخلي عنهم لإنقاذ رقبته. ويعطون من الأهمية لمن يتفلسف على حاكمهم ما لا يعطيه إياه الكونغرس الأمريكي من احترام. ويردون التهم هذه على الديمقراطيين بالقول: أنتم مع الملالي والصفوية والسلطة الأمنية السورية وبأحسن الأوصاف لطفاً، في خدمتهما بشكل غير مباشر. ولا ندري ماذا استفاد هؤلاء من مجموعة 14 آذار سوى تشويه الصورة الوطنية للمعارضة السورية وبعض منابر إعلامية ديماغوجية من نمط "المستقبل". وخسروا جمهورا كبيرا من الشعب السوري الذي يسمع قياديين في 14 آذار يخونون هذا الحزب لأنه قومي وذاك لأنه إقليمي وكأن التواصل مع الجوار العربي صار مذمة والحل كل الحل عند الرجل الأبيض أوربيا كان أو أمريكيا. والشرعية الدولية المطلوبة لنزع سلاح حزب الله والمنسية في خروج إسرائيل من الأراضي المحتلة أو القوات الأمريكية من العراق ؟
4-بحكم نضالنا على الصعيدين العربي والدولي، وانتمائنا لحركة إنسانية مدنية عالمية، شعرنا بأن هناك من لا يأبه في إعلان دمشق لحقوق أساسية، ليست بالنسبة لنا موضوعا قابلا للنقاش. فحقوق الإنسان ليست فقط الاعتقال التعسفي والنفي القسري والمفقودين. ولا يمكن أن نختزل البرنامج السياسي والحقوقي بهذا الثلاثي البائس والمؤلم. من هنا لا يمكننا أن نفصل النضال من أجل التغيير الديمقراطي في سورية عن النضال ضد عولمة الحالة الاستثنائية وتوسيع الهوة بين الشمال والجنوب ووفاة طفل من الجوع كل ثانيتين، وجعل الحرب على الإرهاب محورا للوجود السياسي والاقتصادي والإعلامي العالمي. أي سيادة التطرف والعنف على التعاون والتفاعل والحوار بين الشعوب والثقافات. لا يمكننا أن نفصل هذه المعطيات عن نظرتنا للقوى السياسية الكبرى والصغرى على حد سواء.
من هنا اعتبرنا خدّامي البنتاغون مرتزقة جدد، ولم نستغرب أن ينتهي بهم الأمر إلى تل أبيب. ورفضنا مبدأ التعاون مع إدارة أمريكية تعتبر العدو الأكبر لحقوق الإنسان على الصعيد العالمي اليوم. وناهضنا في نضالنا اليومي منذ ست سنوات جرائم العدوان، والجرائم ضد الإنسانية، وإعادة الاعتبار للتعذيب والسجون السرية وبناء سجن غوانتانامو، وإلغاء حق الإحضار أمام قاض من قبل الرئيس الأمريكي بوش، وقبول ثلاثة وزراء عدل أمريكيين لممارسات التعذيب - مع ما يترك ذلك من آثار كارثية على الصعيد العالمي (والعراق على حدودنا)- لمجرد خوفهم من أن يغلق باب الرضا الأمريكي في وجههم. فالجريمة هي الجريمة، والقتل هو القتل. ولسنا بحاجة لوزارة حقوق إنسان في حكومة محاصصة طائفية تبّرر أبو غريب وترتكب مجازر باسم الليبرالية والشرق الأوسط الجديد؟
إن كان من الضروري أن لا ننسى قائمة المعتقلين السوريين الطويلة بحال من الأحوال، وأن نطالب بالمحاسبة في كل الجرائم الجسيمة في ظل الدكتاتورية، بل وأن نرفض زوالها بالتقادم، فليس لنا أن نتعاون مع مجرمين من أجل وضع حد للدكتاتورية في بلدنا.
5-للأسف وبدعوى استفادة السلطة من النقد الداخلي، تسطّح النقاش وصار قبول الخارج عند عدة أطراف أهم من انتساب الشعب للبديل الديمقراطي، أليست كوميديا حقيقية انتقال أحزاب كردية من الديمقراطية الشعبية وحكم الطبقات الثورية مباشرة إلى خطاب لا نجد فيه كلمة عن بؤس الأوضاع المعاشية والتعليمية والصحية في المناطق الكردية وفي كامل البلاد؟ كيف بقدرة قادر عند هذه النخبة التي قررت عزل نفسها أكثر فأكثر بخطابها وبرنامجها لم يعد من معنى لالتزام وطني ولا مبنى لبرنامج اجتماعي ولا أهمية لنقد العولمة الوحشية، الخ.. إن البرنامج الديمقراطي الوطني يحمي حقوق الأقليات القومية ولكن لا يعتبر برنامجها الخاص بديلا للمصالح الأساسية للبلاد. من جهة ثانية أين الخوف على الصناعات الصغيرة وأوضاع المزارعين الهشة وصغار صغار الكسبة والعاطلين عن العمل والبطالة المقنعة، هل سنسقط في منطق أجهزة أمن السادات في دفاعها عن سياسة الانفتاح التي أعطت مصر التي نراها.
6-لقد ذهب بعض الليبراليين في إعلان دمشق إلى مكان لا نشعر فيه بلقاء يذكر معهم. وإن لم يكن هناك التزام وطني واضح، وبعد اجتماعي اقتصادي جامع، فبالتأكيد، هوامش التنسيق ستكون ad hoc، أي محددة بالموضوع والمكان والزمان لا في جبهة مشتركة. نتظاهر معا من أجل قضية محددة، نقوم بحملة مشتركة، ولكن لا نعطي ورقة بيضاء لأحد، وبالتأكيد، لن نتراخى في مهمة بناء جبهة ديمقراطية وطنية ذات مضمون اجتماعي واضح وموقف صارم من قوى الهيمنة والاستعباد العالمي. وأداتهم الإقليمية إسرائيل، وهذا يستلزم حشد كافة الطاقات الفاعلة والحية في البلاد بعيدا عن روح الوصاية أو الإقصاء أو التخوين وفق برنامج وطني ديمقراطي يمثل أغلبية مجتمعية حقيقية لا نخبوية تنغلق على نفسها أكثر فأكثر عبر مواقف إقليمية ودولية لا تنسجم مع مصالح الشعب في سورية.
أجوبة نايف سلّوم على أسئلة مجلة "مقاربات" حول إعلان دمشق:
يسعدني أن ألبي الدعوة بالإجابة على أسئلتكم حول إعلان دمشق. وقد اعتمدت نفس الترتيب الذي وضعتموه ، مع ملاحظة أن الأسئلة المطروحة تشفُّ عن أجوبة مبيّتة، وهذا إشكال في السؤال كان يتوجب تفاديه.
لكم مني خالص الشكر والاحترام
نايف سلّوم
حمص 23/2/2008
الأسئلة و الأجوبة:
س1 : ما هي الدوافع السياسية التي تقف وراء وثيقة إعلان دمشق؟
ج1 : توجد دوافع "انقلابية" عند مؤسسي الإعلان، انقلاب على النظام السياسي القائم في سوريا، وليس تفكيك الاستبداد كما يطرح عادة في أدبيات الإعلان. وقد حركت هذا الدافع ، لا بل ولدته المحكمة الدولية للنظر في اغتيال الحريري الأب، وما أثارته من آمال باستهداف رأس النظام ومعه الشخصيات الرئيسية النافذة. إن ما سبق تقرير ميليس وما تم التلميح إليه عبر التسريبات الصحفية أحيت أمال بعض الطامحين للسلطة ، فأرادوا إظهار موقعهم فأشعلوا ناراً ذات لهب ليراهم صاحب المشروع الأميركي من طيارته العالية المحلقة في سماء المنطقة العربية. إن الإحساس بجبروت الإمبراطورية الأميركية واستفرادها بالقرار الدولي ، واحتلالها للعراق واقتلاعها لنظام البعث هناك، وانكشاف النظام السياسي في سوريا أيديولوجياً وسياسياً و "حصاره" عربياً ودولياً شجع تيارات سياسية ليبرالية محدثة وقديمة إسلامية وعلمانية للإعلان عن نفسها كبديل سياسي واجتماعي متفهم لمصالح وطموحات المشروع الأميركي للشرق الأوسط ، و "متعقل" في طرحه السياسي و"واقعي" في فهم "مكونات" الشعب السوري. لقد طرح الإعلان نفسه كبديل "متكيف" مع الطموحات الإقليمية للإمبراطورية الجديدة . وكانت العقلية التي تحكم هذا الدافع المستعجل هي المحاصصة بكل أشكالها ؛ محاصصة للسلطة الموعودة تحت شعار "الديمقراطية" الوافدة بقوة الإمبراطورية الأميركية والمتوّجة بالغزو والاحتلال! وقد شاع في أدبيات الإعلان الحديث عن "مكونات الشعب السوري" ، وعن الأغلبية الدينية و"القومية" وما يقابلهما من أقليات دينية و"قومية". ونلاحظ هنا أن الحديث عن أغلبية بهذا المعنى يعني إلغاء السياسة وإلغاء فاعلية صندوق الانتخاب وإبعاد لمفهوم الأغلبية السياسية التي تبقى مهددة بالتحول إلى أقلية سياسية. وهذا هو امتيازها.
س 2- برأيكم هل ارتبط إعلان دمشق بمواقف القوى المتواجدة على الساحة السورية أم بالمستجدات والمتغيرات الإقليمية والدولية؟ خاصة وأنه كثر اللغط في حينه عن علاقة ما بين توقيت صدور وثيقة إعلان دمشق وتقرير ميليتس؟
ج2 : نعم، الرابط بين الإعلان وبين موعد صدور تقرير مليتس دليل ترقب سقوط النظام بفعل قوة المحكمة الدولية وجبروت التدخل الأميركي . وقد طرح الإعلان نفسه كإعلان نحو الخارج أصلاً: نحن موجودون هنا ، وإذا كنتم تؤجلون إسقاط النظام بحجة عدم وجود بدائل فنحن سوف نجهّز أمورنا بسرعة. وها نحن نعلن أنفسنا للملأ الأميركي "برلمان ظل"! أو "حكومة ظل"! وإذا سألت أيها الملأ الأعظم من نمثل نحن؟ فإننا نمثل جميع "مكونات الشعب السوري" من طوائف وأقوام واثنيات وأعراق منقرضة ، وحتى من بعثيين منشقين ، ونحن مستعدون لـ "ديمقراطية المكونات" التي تنشدون.
س3- برأيكم لماذا سُمّي بإعلان دمشق، وليس جبهة أو تجمع أو كما تمَّ الاتفاق عليه مؤخراً، مجلس وطني؟ وهل تسمية إعلان تشكل فرقاً من حيث البرنامج السياسي وطبيعة القوى ، عن الصيغ الأخرى؟
ج3 : سمي الإعلان إعلاناً لأنه يعلن للملأ عامة والملأ الأعظم الأميركي خاصة أنه يمكن أن يقبل بشروط المشروع الأميركي الجديد ، وأنه جدير بأن يكون بديلاً سياسياً للنظام وأنه ائتلاف من جميع مكونات المجتمع السوري، وقد حرص الإعلان على إظهار رمزية تمثيله لجميع تلك المكونات و"الانتماءات" ما قبل المدنية (ما قبل البورجوازية) ، عبر "الانتخابات" الأخيرة للأمانة العامة ولمكتب الرئاسة، حيث تم الجمع بين التزكية والانتخاب والتوافق أو التعيين : مكتب الرئاسة تزكية ، الأمانة العامة انتخاب مع حشد من المستقلين الليبراليين مع تعيين ثلاثة: كورديان وآثوري.
إن للإعلان من الناحية التنظيمية طبيعة شبيهة إلى حد ما بطبيعة التعبيرات السياسية لأعيان المدن السورية بين الحربين العالميتين؛ حيث يعبر سياسياً بالوجيه أو الوجهاء حيث الشخص هو الأساس بنفوذه وأطيانه وأملاكه وليس برنامجه السياسي وأيديولوجيته وأفكاره . بالتالي ليس غريباً أن تطرد الشخصيات المستقلة في الإعلان حزبين من أمانته العامة . لقد أراد الإعلان التمثيل تنظيمياً عبر وجهائه من زعماء عشائر ومن ليبراليين وإسلاميين في سبيل بناء "الدولة المدنية الحديثة" القائمة على "التعاقد" بين هؤلاء الوجهاء بالتعاقد مع الترتيب الأميركي للمنطقة.
س 4- هل حقق المجلس الوطني بانعقاده، النقلة من مرحلة (إعلان دمشق) إلى مرحلة جبهة عمل وطني؟
ج4 : شكل انعقاد الدورة الثانية "للمجلس الوطني" لإعلان دمشق محطة ثانية من محطات التشقق في ائتلافه. أول بادرة أزمة وانشقاق جاءت على أثر إعلان "جبهة الخلاص الوطني" ودخول الأخوان المسلمين فيها كطرف مؤسس دون التشاور أو الرجوع إلى قيادة الإعلان في الداخل. وكان هذا دليل عدم انسجام بين قيادة الداخل السوري وبين قيادة الخارج، خاصة مع حضور التيار اليساري- القومي بشكل بارز في قيادة الداخل. "فالجبهة" أرادت إعطاء الغلبة للتيار الإسلامي خاصة الأخوان بالتحالف مع نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام ، بينما أراد ت قيادة الداخل في الإعلان تأكيد سيطرة الليبراليين المحدثين (حزب الشعب الديموقراطي السوري، رياض سيف..) بالتعاضد مع بعض الإسلاميين المعتدلين بالاستناد على اليساريين من شيوعيين وقوميين.
جاءت الأزمة الثانية والتشقق الثاني في انتخابات الدورة الثانية "للمجلس الوطني" ، وعلى أرضية وضوح التيار الليبرالي في طرحه لمسألة الاستفادة من التوضيب الأميركي تجاه المنطقة . حيث استشعر هذا التيار ضرورة التخلص من أعباء جرجرة التيار اليساري بشقيه الشيوعي والقومي ، وذلك لمزيد من الانسجام مع ميول البرنامج الأميركي الذي يشمئز من القوميين والشيوعيين في حكومة ظل مقترحة ومتفاهمة معه.
وهنا يظهر خيار الليبرالية السياسية في سوريا ، كما هو الحال في فلسطين ولبنان والعراق على أنه مشروع فتنة اجتماعية وحرب أهلية ، وليس مشروعاً لبناء وطن لجميع مواطنيه ، ولا مشروعاً لبناء "الدولة الوطنية الحديثة" كما ينشده أنصار التيار الإسلامي "المعتدل" وغير المعتدل ، أو كما يتشدق "منظرو" "العقد الاجتماعي" بما يخص الدولة الحديثة ، وكأن تجربة أربع مائة سنة غير كافية لتظهر أن الدولة هي المحصلة السياسية للصراع الطبقي وللغلبة الاجتماعية لطبقة أو تحالف طبقات على الطبقات الأخرى . أما كلمة "عقد اجتماعي" فهي عبارة مجردة وابتدائية على مستوى كشف سر الدولة الحديثة جاء بها جان جاك روسو وجون لوك ليشيرا بالتقابل إلى "العقد الإلهي " الذي اعتمد كأساس للدولة حتى بداية السيادة السياسية للبورجوازية في أوربا الغربية. إن عبارة "العقد الاجتماعي" تشير إلى الأصل الأرضي للدولة الحديثة بالتقابل مع الأصل الإلهي المزعوم للدولة حتى الوصول إلى سيادة البورجوازية. لقد بات الشعب هو المرجع الأساس لسيادة الدولة ، وقد حل محل الله كمرجعية اجتماعية للدولة الحديثة . وكان كل ذلك تعبيراً عن الانتقال من فكرة الحق الإلهي إلى فكرة الحق الطبيعي التي جاء بها صعود البورجوازية الحديثة في أوربا الغربية 1500-1850 . والسؤال: هل يشكل هذا السجال البيزنطي مشكلاً نظرياً أو سياسياً في سوريا؟ أي هل الخلاف في سوريا بين الله والشعب السوري كمصدر للسيادة؟ وإذا كان هذا الخلاف موجوداً ، فمن هو أحق بالدولة المدنية الحديثة، أصحاب "المصالح الشرعية" أم أصحاب المصالح الشعبية ؟!
س5- ما هي النواظم المحددة للعلاقة بين القوى والشخصيات المنضوية تحت الإعلان في الداخل والخارج؟
ج5 : العلاقة بين قيادتي الداخل والخارج في إعلان دمشق هي "تحت صراعيّة" ظهر هذا الأمر ثلاث مرات : الأولى مع إعلان جبهة الخلاص، والثانية مع إعلان فرع للإعلان في بيروت وبمبادرة من مأمون الحمصي ، ورفض قيادات الداخل الاعتراف بذلك خاصة التحفظ على نشاط الفرع وحركته نحو السفارات الغربية، خاصة تحفظات التيار اليساري-القومي. والثالثة التصريحات المتضاربة حول وضع الأخوان المسلمين في قيادة الإعلان على أثر الانتخابات الأخيرة: يقول حسن عبد العظيم (اتحاد اشتراكي عربي): "عملياً لا وجود للأخوان في المجلس الوطني لتجمع إعلان دمشق، وهم موجودون في جبهة الخلاص" موقع أخبار الشرق 4 كانون الأول / ديسمبر 2007 . على الصعيد ذاته نفت فداء الحوراني أن يكون الاجتماع قد اتخذ أي قرار بشأن عضوية جماعة الأخوان المسلمين فيه ، على خلفية انضمامهم لجبهة الخلاص الوطني .. وقالت: "الاجتماع لم يبحث هذه النقطة، وهو لا يملك حق طرد أية جهة سياسية منه لأنه ليس حزباً. بالنسبة لجماعة الأخوان المسلمين ، فإن القرار الوحيد الذي تم التعبير عنه يتصل بموقف تجمع إعلان دمشق من اشتراكهم في تأسيس جبهة الخلاص الوطني.." أخبار الشرق، مرجع مذكور.
وقد رد البيانوني في نفس المصدر بقوله: "غير صحيح أننا ابتعدنا عن تجمع إعلان دمشق كما توحي بذلك تصريحات حسن عبد العظيم ، فالقانون 49 ... لا يزال نافذاً و مفعّلاً وهو ما يفسر عدم وجود أي شخص في المجلس الوطني لتجمع إعلان دمشق " أخبار الشرق – مرجع مذكور. إن حضور القانون 49 منع حضور الأخوان المسلمين في "المجلس الوطني" لإعلان دمشق.
- النواظم بين قيادة الداخل المهيمنة على الإعلان و بين قيادات الخارج هي نواظم سياسية وإستراتيجية أكثر منها تنظيمية.
وهذه النواظم تقوم على ركنين أساسيين هما : الموقف من المشروع الأميركي للمنطقة ، والموقف من "ديمقراطية المكونات". ويلاحظ أن التيار الذي يقود الإعلان حالياً من أنصار التعايش مع المشروع الأميركي وعدم الانخراط في مواجهته تحت أي مبرر . هذا الموقف هو ما يجمع هذا التيار مع قيادات الخارج ومع جبهة الخلاص. يضاف إلى ذلك الاتفاق المسبق على شكل النظام السياسي المقبل لسوريا بين القيادتين وعلى شكل علاقة النظام المنتظر مع "الخارج الأميركي" ، ومع النظم العربية "المعتدلة الديمقراطية"! وإسرائيل، وسلطة محمود عباس في فلسطين وسلطة فؤاد السنيورة في لبنان. أما العراق فله رب آخر. وإيران بالنسبة لهذا التيار مجرد مجموعة ملالي، وخصم.
إذن النواظم بين قيادات الداخل والخارج سياسية بالدرجة الأولى ، خاصة والإعلان يأخذ تنظيمياً شكل تجمع وجهاء باعتماده المتنامي على الشخصيات المستقلة، وليس على الأحزاب كما يدّعي . لقد طردت الشخصيات المستقلة الأحزاب من الأمانة العامة في الاجتماع الأخير!
س 6- هل هناك نوع من التنسيق والنقاش بين القوى والشخصيات في الداخل والقوى والشخصيات في الخارج في كل ما يصدر عن إعلان دمشق من مواقف (مثلاً الموقف من جبهة الخلاص) (تحركات مأمون الحمصي)، الخ...؟
ج6 : التنسيق والتناغم كما قلنا حاصل بطبيعة الطرح السياسي بين القيادة المسيطرة على الإعلان حالياً (رياض سيف، رياض الترك..) من جهة وبين قيادة الخارج ومنها جبهة الخلاص . تياران متناغمان سياسياً واستراتيجياً (مستقبل سوريا، شكل النظام السياسي المقبل ، العلاقة مع البرنامج الأميركي للمنطقة العربية ، العلاقة مع النظام العربي السائد، البرنامج الاقتصادي الاجتماعي لكل منهما ، الخ..) . وهو ما يفسر عدم الرغبة بتواجد أحزاب يسارية وقومية (الاتحاد الاشتراكي العربي ، حزب العمل الشيوعي) في الأمانة العامة للإعلان التي هي برلمان ظل للحكومة المقبلة العتيدة.
س7- هل انعقاد المجلس الوطني هو بداية مرحلة سياسية جديدة للإعلان أم هو بداية انهيار وتفكك لقواه؟
ج7 : يشكل انعقاد "المجلس الوطني" في دورته الثانية 1/12/2007 بداية مرحلة سياسية جديدة للإعلان وليس انهياراً له . وهذه البداية أظهرت فرزاً واضحاً لجهة وضوح برنامج الطرف المهيمن حالياً ؛ الطرف الليبرالي.
التيار الذي يقوده الترك وسيف في الداخل وجبهة الخلاص في الخارج بلور موقفه من المشروع الأميركي وبات من أنصار الوضوح في طرح هذا الخيار لسوريا وذلك بالانسجام أكثر مع البرنامج الأميركي للمنطقة. وقد استطاع في "الانتخابات" الأخيرة التخلص من معرقلات هذا التناغم عبر إزاحته وطرده للتيار القومي – اليساري من قيادة الإعلان الفعلية (الأمانة العامة)
س8- أعلنت بعض القوى والشخصيات تجميد عضويتها إثر انعقاد المجلس الوطني: كيف تقرؤون هذا التجميد؟ خاصة مع إعلان قوتين (الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل) تجميد عضويتها في الإعلان مما يعني غياب تيارين القومي والماركسي عن الإعلان الذي كان هدفه تجميع وتمثيل كافة التيارات السياسية. وما هي تداعيات هذا التجميد على الإعلان مستقبلاً؟
ج8 : التجميد جاء على أرضية طرد على الطريقة البكداشية ، أنظروا كيف تم طرد قدري جميل وتياره من الحزب الشيوعي السوري / بكداش. جاءت أم عمار بحشد من مؤيديها من الجزيرة ، بناء على ثقب موجود في النظام الداخلي للحزب ذي الطابع الستاليني ، وحصلت على غالبية الأصوات وأخرج قدري من اللجنة المركزية . وبنفس الطريقة طرد رياض الترك البكداشي تنظيمياً منافسيه ومنغصي عيشه السياسي (فاتح جاموس، حسن عبد العظيم) من الأمانة العامة .
إن الطرد ومن ثم "التجميد" لحفظ ماء الوجه جاء على أرضية حرق سفن العودة إلى التجمع الوطني الديمقراطي من قبل التيار الليبرالي المحدث الذي يقود إعلان دمشق حالياً ، وذلك لإرسال إشارات واضحة للمسؤولين عن البرنامج الأميركي للمنطقة العربية بأننا حسمنا أمرنا واخترنا خياركم بخصوص مستقبل النظام السياسي في سوريا ، وطلقنا اليساريين والقوميين وخياراتهم.
إن تداعيات ذلك هو تأكيد طرحنا السابق منذ 2001 عبر مطارحات لبناء تجمع لليسار الماركسي في سوريا وهو أن التاريخ قد أسس فعلياً وفي منطقتنا العربية لانفصال الديمقراطية عن الليبرالية . وأن الدعوات مؤخراً لليساريين والوطنيين والقوميين في سوريا للتحاور حول مبادئ في سبيل إعادة بناء أطر جديدة للعمل الوطني-الديمقراطي في سوريا هي بداية هذا التداعي . حيث أرى أن مقومات هذا الإطار الجديد هي:
1- القطع مع المشروع الأميركي وملحقاته
2- اعتماد برنامج اقتصادي/اجتماعي ذي توجه شعبي / حداثيّ
3- برنامج ديمقراطي سياسي / اجتماعي يعمل لخدمة المهمشين اجتماعياً وقومياً وعلى سيادة الحريات السياسية العامة بما فيها حرية التنظيم والتجمع والتعبير والدعوة لاستقلال العمل النقابي بجميع أشكاله.
وسوف يكون بناء الإطار الجديد عاملاً فعالاً في سبيل إعادة إقلاع الحياة السياسية في سوريا على أسس حديثة بعيداً عن النزعة الاستبدالية "الانقلابية" وبعيداً عن "النزعة الثأرية " الضيقة، وبعيداً عن "ديمقراطية المكونات"
س9- كيف يمكن قراءة قرارات التجميد في ظل الاعتقالات التي طالت شخصيات من إعلان دمشق؟
ج9 : لا أعتقد أن للتجميد علاقة بالاعتقالات ، لأن التحضير للانتخابات والتبييت المسبق كان يشير إلى بذور انشقاق وخلاف سياسي كبير فجرته نتائج الانتخابات . كما أن الخلافات السياسية سابقة بزمن، خاصة مع موضوع "التوضيحات" ومسألة الموقف من "العامل الخارجي" و"ديمقراطية المكونات" . وعلى هذا الأساس رفض فاتح جاموس حضور الاجتماع الأخير لإدراكه أن القضايا الخلافية مهملة بالرغم من خطورتها وحسمها ، خاصة الموقف من المشروع الأميركي، ومن "ديمقراطية المكونات". لذلك ليس من المفيد ولا الصحيح الربط بين الاعتقالات الأخيرة وبين مسألة تجميد بعض الأحزاب لعضويتها في التجمع.
س 10- كيف تقيمون ، سياسياً، حملة الاعتقالات الأخيرة، وهل هناك رابط ما بين الشخصيات التي تمَّ اعتقالها؟
ج10 : باعتقادي جرت الاعتقالات على أرضية النتائج الهزيلة لمؤتمر أنابوليس، وهي رسالة موجهة للأمريكان ، وعلامة تشدد سوري وأميركي معاً ، وعلامة قلة مرونة بما يخص الأوضاع في فلسطين ولبنان . من هنا نلاحظ أن الاعتقالات طالت التيار الليبرالي بشقيه العلماني والإسلامي .
س11- هل تعتقدون بوجود توجه جديد لإعلان دمشق، أدى لتغييب قوى وشخصيات مهمة عن نتائج الانتخابات الأخيرة؟
ج11 : التوجه الجديد لقيادة الإعلان هو الوضوح والحسم السياسي بما يخص العلاقة مع البرنامج الأميركي للمنطقة تحت مسميات ملتوية : ".. ينبغي ألا نتردد في الانفتاح والإفادة من القوى الديمقراطية والمنظمات الدولية والحقوقية فيما يخص قضيتنا في الحرية والديمقراطية ، وخصوصاً في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان" من "البيان الختامي للمجلس الوطني لإعلان دمشق".
وأريد أن أشير إلى التأكيد على حقوق الإنسان البورجوازي ومشروعه الاقتصادي أكثر من التأكيد على حقوق المواطن في الحرية السياسية العامة.
ألم تقسِّم الثورة الفرنسية الفرد البورجوازي الوليد إلى إنسان ذو مشروع خاص من جهة (حقوق الإنسان ) وإلى مواطن (حقوق المواطن) ذو طموح سياسي عام من الجهة الأخرى!
هذا الوضوح السياسي والوضوح في الخيارات الأساسية فرض على قادة الإعلان الجدد التخلص من "أدرانهم" اليسارية-القومية.
س12- هناك بعض المزاعم بوجود توجه جديد نحو النيوليبرالية كي يحصل الإعلان على دعم وشرعية خارجية. ما مدى صحة هذه المزاعم؟
ج12 : ليس جديداً سيطرة التوجه الليبرالي في الإعلان ، فقد سبقه إلى ذلك تحول مماثل في توجه الحزب الشيوعي –المكتب السياسي عبر تغيير اسمه إلى "حزب الشعب الديمقراطي السوري". كما أن ظهور الإعلان وإشهاره بالتزامن مع تقرير مليتس دليل على "أصالة" التوجه الليبرالي المتناغم مع البرنامج الأميركي بخصوص الشرق الأوسط الجديد. إن فكرة تغيير النظام جذرياً بالاعتماد على القوة الأميركية تعني التناغم مع المشروع الأميركي بغض النظر عن النوايا .
س13- هل وجدت معايير محددة تمَّ على أساسها دعوة الشخصيات المستقلة لحضور المجلس الوطني لإعلان دمشق؟، وما هي هذه المعايير في حال وجودها؟
ج13 : برأيي، تمت دعوة الشخصيات المستقلة على أساس التبييت المسبق لهزيمة وطرد التيار اليساري – القومي من هنا نبعت معايير الدعوة لهذه الشخصيات ، حيث تم تفضيل الأكثر ميلاً نحو برنامج ليبرالي متناغم مع الترتيب الأميركي وذي نزعة ثأرية تجاه النظام السياسي القائم ؛ وأميل لديمقراطية المكونات، أي أكثر حسماً في قضيتين سياسيتين خلافيتين هما: الموقف من المشروع الأميركي للمنطقة ، والموقف من "ديمقراطية المكونات".
س14- هل وجد خلال انتخابات المجلس الوطني لقيادته، نوع من مراقبة الانتخابات قامت به جهات مستقلة (شخصيات مستقلة ، أو منظمات حقوق إنسان)؟
ج14 : بصراحة، لم ألاحظ مراقبة كهذه ولم أسمع بها . كل ما أعرفه أن تياراً بعينه حشد كتلة من المستقلين ذوي ميول واتجاهات ليبرالية واضحة، واستبدل آلية التوافق بالنسبة للأحزاب بآلية الانتخاب السري ، وأبقى على التوافق مع الأقليات القومية والأقواميّة (أكراد، آثوريين) وزكّى أشخاصاً من "مكونات" اجتماعية وسياسية متنوعة لمكتب الرئاسة ذي الطابع الشرفي التزييني.
مع خالص تحياتي وامتناني لـ أسرة مجلة مقاربات / مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية.




نحو بناء جبهة ديمقراطية- وطنية ذات مضمون اجتماعي واضح وموقف صارم من قوى الهيمنة والاستعباد العالمي


أجوبة "منصور أتاسي" على أسئلة مجلة "مقاربات" التي تصدر عن "مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية".
الأصدقاء الأعزاء في هيئة تحرير مجلة "مقاربات":
أعتقد أنه من المفيد أن نناقش المقدمة التي تفضلتم بها للدخول بشكل أفضل للتعامل مع الأسئلة المطروحة.
1"- لقد كانت ردود الفعل على إعلان دمشق متعددة منذ صدوره ، بسبب طرحه لمصطلحات جديدة عير مسبوقة في الحياة السياسية السورية أدت إلى حوار ورفض واسع من أطياف عديدة في المعارضة الوطنية، مثل عبارات (متحد سوري راهن – سورية تتألف من مكونات في إشارة للتنوع الطائفي والاثني فيها – وطرح ديمقراطية توافقية سماها ديمقراطية المكونات- عرض فيها لأول مرة مفهومه للأغلبية والأقلية بالمعنى الديني ، وتحدث عن انتماء سورية للمنظومة العربية ولم يتخذ موقف واضح من السياسة الأمريكية - خصوصا بعد احتلال العراق- ومن المقاومة؛ أي أن المسألة الوطنية كانت باهتة جدا في نص الإعلان. ومجمل هذه القضايا وغيرها خلقت نقاشاً في صف المعارضة الوطنية. أدت إلى رفض قسم جدي منها المشاركة في الإعلان. وظهرت إعلانات أخرى تحدد موقفها من الإعلان مثل إعلان حمص / نرسل لكم صورة عنه/ كل هذه الملاحظات والنقاشات أدت إلى صدور وثيقة عن إعلان دمشق سميت وثيقة التوافقات كانت بحد ذاتها أساساً للصراع اللاحق داخل الإعلان الذي أدى إلى ما أدى إليه.
وهكذا فإن ما حصل في المجلس الوطني لإعلان دمشق هو نتيجة طبيعة للصراعات التي بدأت منذ إعلانه. ولم يكن من المتوقع أن تكون النتائج غير التي تمت. وقد تنبأ بها العديد من الكتاب قبل انعقاد المجلس منهم محمد سيد رصاص، مثلا .
قبل أن نجيب عن الدوافع السياسية التي وقفت وراء وثيقة إعلان دمشق، أعتقد أنه من المفيد أن نعرض مجمل الوضع السياسي السوري حتى نستطيع أن نقارب الأسباب الحقيقية لصدور الإعلان. وسأعرض الوضع كما أراه باختصار شديد جدا :
بدا واضحا أنه ومنذ بداية العام 2000 بدأت تتشكل مرحلة جديدة في سورية تحتاج لقوى سياسية جديدة. وهكذا فإن الفترة ما قبل الـ 2000 ستذهب مع قواها السياسية المهنية. وظواهر الجديد في تطورات الوضع السوري بعد الـ 2000 تحدد كما أرى في:
أ- الانتقال المتسارع نحو سياسة السوق و تأثيرات هذا الانتقال في إعادة صياغة المجتمع ككل .
ب- صدور قوانين تصدع الحماية التي كان يتمتع بها العمال و الفلاحين و المستأجرين.
ج- خروج سورية من لبنان وضعف تأثيرها على المستوى الإقليمي .
د- حرب العراق وما رافقها من خضوع كامل الأنظمة العربية للسياسة الأمريكية ومن رفض شعبي للنموذج العراقي الجديد.
ط- تأثيرات المقاومة في لبنان و فلسطين .
ز- استمرار الضغط الدولي على سورية و صدور العديد من القرارات عن مجلس الأمن تدين سورية .
ق- أزمة استقرار البعث في السلطة و عدم قدرته على الانتقال السلمي للتعددية السياسية، و ردود الأفعال المختلفة.
ص- عدم قدرة السلطة على اتخاذ أي قرار أو إصدار أي قانون يخفف من الضغط السياسي.
كل هذه التطورات صدمت العقلية السياسية السائدة. وأوصلت المجتمع إلى حاله من الركود ..و هيأت الظروف المناسبة لظهور تيارات جديدة داخل القوى السياسية القديمة قادرة على دراسة مجمل التطورات الاقتصادية و السياسية و الوطنية . الداخلية و العربية الدولية. و انتهاج سياسة عقلانية. و أيضاً هيأت الظروف لموات الشكل الذي كان قائما من العمل السياسي. والذي هزمته التطورات، أقول هزمته لأن البعث والجبهة لم تستطيعا تنفيذ برامجهما المعلنة فخرجتا عن التأثير في الحياة السياسية واستعانتا بالأجهزة الأمنية لاستمرارها. أيضاً، المعارضة لم تستطع أن تحقق برامجها السياسية، فتأزم بعضها. وهكذا بدأت الظروف تهيئ لولادة شيء جديد.
في الفترة التي لم تمت بها القوى السياسية القديمة ولم تولد القوى السياسية الجديدة ولد إعلان دمشق الذي يعتبر محاولة لاستمرار الحياة. وبسبب التطورات التي ذكرنا وبسبب الركود الذي أحاط بالقوى السياسية نشأ خلاف جدي داخل التجمع الوطني الديمقراطي؛ خلاف في المواقف للكثير من القضايا وبدا للبعض أن شكل التجمع الوطني لم يعد صالحا للتأثير، في ظروف اشتداد الضغوط على سورية. ثم الدعاية الكبيرة التي سبقت إعلان تقرير ميليس وتصريحات ميليس نفسه تهيأ للبعض أن التغيير قادم لا محالة هذه المرة عن طريق الضغط الدولي. فهرب عبد الحليم خدام إلى الخارج محاولا إنقاذ نفسه من المصير المحتم للنظام الذي ساهم في إيجاده. وظهر إعلان دمشق ليهيئ الظروف ويحضر القوى لاستلام السلطة بعد إنهاء النظام أو الاستفادة من النظام. لذلك فإنني أعتقد أن التأثيرات السياسية التي رافقت إعلان دمشق هي:
1"- الوضع المعقد لبعض القوى السياسية التي لم تفهم مجمل التطورات السياسية خصوصا بعد 2000
2"- حالة الركود واليأس والموات التي بدأت تصيب مجمل الحركة السياسية السورية
3"- التأثيرات الدولية التي ذكرناها وخصوصا منها في هذه الحالة تقرير ميليس وحالة الضعف والإرباك التي ظهرت للبعض أنها بدأت تعتري النظام. وظهور الحاجة انطلاقا من ذلك لتجمع قادر أن يكون البديل. وهكذا فقد ظهر بسرعة بيان ينسجم مع السياسات الأمريكية: - مكونا ت، متحد سوري- لا يهاجم السياسة الأمريكية. ليؤمن موافقة دولية لظهوره، وليقدم نفسه كبديل.
4"- لا أعتقد أنه من المفيد توجيه السؤال لأصحاب الإعلان أنفسهم.. وأنا أتساءل هل طرح أصحاب الإعلان على أنفسهم هذا السؤال: لماذا سمي إعلاناً ولم يسمى تجمعاً أو مجلساً وطنياً، وهل تم اختيار كلمة إعلان بعد مناقشة كافية؟ في الحقيقة أنا لا أدري كيف، ولكنني أتوقع أن وثيقة الإعلان كانت قد صيغت بسرعة كبيرة لأن بعض أصحابها أراد أن تصدر حتما قبل فترة من إعلان ميليس لذلك لم تعرض هذه الوثيقة على الهيئات المختصة للموافقة عليها وإعلانها من قبل الأحزاب ولأن عدداً من الأحزاب كان في الخارج وكلمة الإعلان تسير الموافقة عليه ولأن الإعلان نفسه كان مشروع وثيقة وقع عليه البعض وطلب من الآخرين التوقيع عليه ولأن المجلس يجب أن يكون منتخباً.
لكل هذه الأسباب وغيرها فضلت لجنة الصياغة أن تطلق كلمة إعلان على الوثيقة المتفق عليها على أن تطور التسمية مع تطور واقع الإعلان على الأرض فقد شكلت في البداية لجان لأنصار الإعلان في المحافظات التي بدأت تصدر نشرات دورية تغطي أخيار الإعلان... ثم يتم انتخاب ممثلين من هذه اللجان لاجتماع لم يدع مؤتمر سمي مجلس إعلان دمشق... وأعتقد أن هذه التسمية ستطور من إعلان إلى مجلس...وهكذا ، ومع تطور الصياغة واستمرار تعديل الوثيقة عبر المؤسسات سيصل إلى مسمى معين له برنامج معين... والأسباب الأخرى التي أراها هي محاولة من يريد الحط من قدرة الأحزاب، أن يكون هذا التجمع مخصصا للأفراد حصرا وينتقل الأفراد من أشكال دنيا من التنظيم إلى أشكال أرقى باتجاه حزب أو ائتلاف... وهكذا فإن تأمين استقطاب ما يمكن من أفراد يتطلب تسمية الوثيقة بالإعلان ثم الارتقاء بها.
4"- من المفيد أن نعود لاستعراض المواقف السياسية للقوى والشخصيات الموجودة في المجلس. لقد دعي للمجلس أساسا رموز التجمع الوطني الديمقراطي، ويعتبر هذا إشكالاً بحد ذاته بدلا من تطوير أعمال التجمع وتأمين الأشكال القادرة على استقطاب عناصر وأحزاب وتيارات جديدة للتجمع، وبدلا من إعادة صياغة الوثيقة الرئيسية. فإن رموز التجمع خرجوا - مع خلافاتهم- إلى مكان آخر حاملين معهم خلافاتهم ودخل إلى إعلان دمشق تيار كردي جمع كل الأحزاب الكردية. ووجود عدد واسع من الأحزاب الكردية يعني وجود خلافات شديدة فيما بينها دخلت هي وخلافاتها إلى التجمع... وانضم للتجمع حزب الأخوان المسلمين الذي لم ينتقد نفسه على سلوكه العنيف في الثمانينات من القرن الماضي والذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه... إذاً، دخل إلى الإعلان مجموعة قوى متناقضة فيما بينها قسم منها كأطراف التجمع بدأت تظهر فيه خلافات جدية و كانت توجد تناقضات بين التجمع وحزب العمل الشيوعي من جهة والأخوان المسلمين من جهة أخرى. وحتى يرضى البعض؛ الوافدون الجدد وضعت عبارات جديدة تناسب التيارات السياسية غير الدينية فاعتمد السوري الراهن، وكمونات الشعب السوري، الخ.. كما ذكرنا . وحتى بعد التوافق على الصياغة لم تعمل هيئة إعلان دمشق على فتح حوارات جارية بين التيارات المتناقضة داخلها للوصول إلى صيغ توافقية ولهذه الأسباب اشتد التناقض داخل الإعلان نفسه. وأعتقد أنه كان يوجد من يريد توسيع التناقض وإذا أضفنا إلى كل ذلك العقلية القديمة التي سادت داخل المجلس وهي السيطرة عن طريق إقصاء الآخر وهذا ما تم فعلا وهذه العقلية سائدة داخل التحالف والجبهة وكل الحركات السياسية القديمة فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن المجلس دفع الأمور باتجاه التوتر والتمزق وسادت في إدارته عقلية غير قادرة أو غير مؤهلة للانتقال إلى شكل أرقى من العمل... ولولا الاعتقالات الأخيرة التي شملت عدد من أعضاء مجلس إعلان دمشق والتي أدت إلى توخي الحذر لكان الحوار بين الأطراف المتصارعة شديدة السخونة.
5"- وانطلاقا مما تقدم فإننا نرى أن العلاقة بين القوى والشخصيات المنضوية تحت الإعلان... هي علاقة صراع ومحاولة الهيمنة...دون محاولات جديدة للوصول لقواسم مشتركة ولصياغات وسياسات قادرة على التجمع فكانت علاقاتهم نابذة .
6"- إذا كانت السمة الرئيسية للعلاقة داخل القوى والشخصيات المنضوية تحت إعلان دمشق هي علاقة صراع وتناحر..فإن هذا الشكل من العلاقة هو الذي يضيع كل مواقف القوى المتصارعة
هناك خلافات شديدة حول وجود أو عدم وجود الإخوان في الإعلان
هناك خلافات شديدة حول الموقف من جبهة الخلاص وعبد الحليم خدام
أعلن الاتحاد الاشتراكي وحسن عبد العظيم بصفته ناطقا باسم التجمع الوطني الديمقراطي أن الإعلان لا علاقة له بزيارة رياض سيف ورياض الترك للسفارة الأمريكية
- استنكر الاتحاد الاشتراكي محاولة الغزل الذي أرادها رياض الترك للجانب الأمريكي عندما رد على تصريح بوش بشكره ثلاث مرات.....وإلى كل هذه المواقف وغيرها نؤكد أن العلاقة بين الأطراف هي علاقة صراع على سياسات متناقضة يعتمد عليها كطرف من أطراف الصراع ولا يوجد هناك أي شكل من أشكال الحوار والنقاش المنتج
7"- من كل ما ذكر أننا وما تم على الأرض وما يجري الآن يؤكد أن انتقاد المجلس الوطني بالعقلية التي سادت داخله وبنوعية السياسات المتبعة لدى كل طرف وبتناقضاتها الشديدة فإن كل المجريات التي أعقبت انعقاد المجلس تؤكد أن انعقاده شكل بداية انهيار وتفكك.. ولكنه بالمقابل يشكل بداية اصطفاف صحيح للمعارضة الوطنية.. هذا الاصطفاف سيعطيها في المستقبل فعالية أكبر بعد أن تخلصت من الصراعات الداخلية التي أنهكتها وبدأت تنتقل لتأمين سياسات وتيارات متقاربة قادرة على التهيئة والفعل.. لقد شكلت نتائج المجلس الوطني لإعلان دمشق بداية انعطاف جدي في الحركة الوطنية الديمقراطية في سورية وأعاد لها سمتها الاجتماعية. بين ليبراليين وتقدميين وهذا هام بعد أن فقدت الهوية لسنوات ساهمت في نمو البرجوازية والبيروقراطية دون روادع وقد يكون بمباركة بعض أطراف المعارضة التي تربط الليبرالية السياسية بالليبرالية الاقتصادية.
8"- إن إعلان البعض تجميد عضويته هو نتيجة طبيعية لانتهاء الحوار داخل المجلس والناجم عن عقلية الإقصاء التي حددت حركة أحد طرفي الحوار والتي أدت إلى إقصاء مسؤولي هذه الأحزاب وبعض الرموز الأخرى عن القيادة أي إقصاءهم عن الحوار.. وهذا الإبعاد السياسي كما نرى لذلك توقف الحوار.. بعد توقف الحوار كان هناك أمران أمام المبعدين إما الخضوع للرأي المخالف أو التوقف... وأعتقد أن التوقف كان القرار الأفضل لأن الحوار أساسا كان قد أوقف بفعل إبعاد أحد الطرفين عن موقع الحوار كما ذكرت
والسؤال الذي يطرح نفسه – هل كان يمكن استمرار الحوار معا وهل كان يمكن إنتاج سياسة توافقية. أنا لا أعتقد ذلك لأن السياستان كانتا متقابلتين لا يمكن تلاقيهما.
وأيضا فإن الجميع كانوا يقرؤوا التطورات السياسية اللاحقة في المنطقة قراءة صحيحة والخيارات أمامهم محددة... والآن مع اشتداد الأزمة وبدء تنفيذ المجزرة ضد الفلسطينيين.. وتطوير الضغط الأمريكي واغتيال مغنية وإرسال المدمرة كول. والصمت العربي والسياسي الموالي للولايات المتحدة أو المرتبط معها كل هذه الإجراءات تؤكد أن الخيارات محددة أمام الجميع إما الدفاع عن الوطن عبر تأمين أوسع وحدة وطنية تتم عبر إطلاق الحريات السياسية والمعتقلين السياسيين وإعادة المهجرين وتخفيف الخلل في توزيع الدخل الوطني عن طريق تأمين زيادة جدية بالرواتب والأجور...الخ أو انتظار التطورات التي ستجلب(ديمقراطية المكونات) وهكذا كل حدد موقفه من التطورات وهكذا فإن التجميد كان ضروريا لإعادة صياغة المعارضة بما ينسجم داخل السياسات المختلفة فيما بين فصائلها.
9"- لا يوجد أي علاقة بين قرار التجميد والاعتقالات لقد كان الوضع متوترا داخل إعلان دمشق قبل قرار التجميد الصادر عن اللجان المركزية للحزبين...وإذا كان يقصد أن قرار التجميد قد سهل الاعتقال. فنحن أصلا ضد أي اعتقال على أساس سياسي. ونعتقد أن الاعتقال الذي أقدمت عليه السلطة لبعض تيارات إعلان دمشق قد أوقف الحوار. وفي كل الأحوال فإن الأحزاب والشخصيات التي جمدت عضويتها في إعلان دمشق كانت أول من أدانت الاعتقال وطالبت بإطلاق سراح معتقلي مجلس إعلان دمشق وكل المعتقلين السياسيين الآخرين.
أما تصور أن التجميد جاء خشية الاعتقال فإننا لا نعتقد أن أحدا يفكر بهذا الأمر
10"- لقد طالت حملة الاعتقالات عددا من المنتخبين لمجلس إعلان دمشق وهم يجمعهم رأي واحد محدد, أي طالت أحد طرفي الصراع داخل المجلس ولماذا تم ذلك, وأتت هذه الاعتقالات لتعمق الصراع بين أعضاء المجلس ولتعلن رفض الأجهزة لأحد الرأيين المتصارعين.. أي أنها استفادت من الخلافات التي تمت وشنت حملة على قسم من إعلان دمشق..وهذا بلا شك سيؤثر على الجميع.
والسؤال هل السلطة مع القسم الثاني من الإعلان.. نحن لا نعتقد ذلك مطلقا ولا نعتقد أن هناك من يظن بذلك كل ما هنالك أنها استفادت من الصراع لتضعف أحد أطرافه. متوقعة أن الطرف الآخر سيسكت عن الاعتقالات.. لكن بيانات من جميع أطراف المعارضة يندد بالاعتقالات أفشل اعتقاد السلطة...
11"- أكدنا بكل تجاربنا السابقة أن الصراع كان منذ ما قبل التوضيحات التي أعلنت أي أعلنت منذ ظهور إعلان دمشق هو صراع سياسي بين تيارين ليبرالي ووطني بأفق تقدمية فلا يمكن أن نقول أن هناك صراع على المناصب لأن المناصب القيادية في المعارضة لا تجلب لأصحابها سوى الملاحقة و الاعتقال وسنوات سجن أطول كما لاحظنا في الاعتقالات الأخيرة- المشكلة هنا أن العقلية الأكثر نفوذا هي العقلية الاقصائية –كما ذكرنا سابقا- وأنا أرى أنه في ظروف التحالفات فإن الانتخابات تقصي أطرافا, أي أن الطرف الأكبر يسود وهذا يفشل عمل المؤسسات التي تقوم على التعددية, كما جرى للجبهة الوطنية التقدمية,ولأي مؤسسة أخرى, إن هذه العقلية في المؤسسات ذات الطبيعة المتحالفة تؤدي إلى إقصاء الآخر وشل عمل المؤسسة وتنهي الحوار وتعيده إلى شكل من أشكال الصراع الذي ينهك الجميع ونؤكد أن العقلية السائدة غير قادرة على تأمين تيار معارض ضمن إطار ديمقراطي. والديمقراطي هنا هو التعددية التي تؤكد على تعددية تيارات المعارضة... وليس الديمقراطية الانتخابية أي الندية بين الأطراف المتحالفة وأؤكد على كلمة أطراف وليس أفراد.. وسأعود لهذه النقطة بعد قليل.
بكل الأحوال في مثالنا المحدد السياسات المتباينة والمتناقضة داخل إعلان دمشق.والفهم المتناقض والمتقابل لطبيعة التطورات القادمة ودور الخارج الأمريكي بهذه التطورات والموقف منه.. هذه الأمور لا يمكن أن تتناقش وتتحاور في إطار المطلوب أن ينتج سياسة واحدة لذلك ما جرى كان طبيعي وكان سيتم لو أن الانتخابات كانت توافقية أي تمثل الجميع داخل القيادة لأن الخلافات السياسية كانت عميقة.
12"- أعتقد أن هذه القضية هي مجال الخلاف فالمكونات الشعب السوري- المتحد السوري- وسورية جزء من منظومة دول عربية....الخ هي عبارات تأخذ بعين الاعتبار السياسة الأمريكية في المنطقة ومشروعها الأساسي الشرق الأوسط الجديد الذي يقوم على هذه الأسس. وهنا أريد العودة لمفهوم النيوليبرالية – فهي لا تمثل في ظروف بلادنا البرجوازية الصناعية... أو التجارية هو يمثل ماله من التبعية المطلقة للسياسة الأمريكية, وفي ظروف العراق مثلا حيث وافق هذا التيار على الاحتلال الأمريكي واستلم السلطة على الدبابة الأمريكية. وقام بأكبر تبعية طائفية وقتل ما يقارب من مليون شخص فإن الليبرالية الجديدة تمثل حالة تؤدي إلى تدمير الوطن وتفككه.
13"- لست من داخل إعلان دمشق لأكون مطلعا على المعايير التي اعتمدت في دعوة الشخصيات المستقلة لحضور المجلس, ولكن كان واضحا عبر شكل التبعية التي جرت قبل انعقاد المجلس والمتمثلة في التحريض لصالح التيار الليبرالي وفي شكل تركيبة المؤتمر إن هذا التيار هرب من التنظيمات إلى الأفراد وبدأ هؤلاء الأفراد بالتوجه الذي يريده ليؤمن الأكثرية المطلوبة. لقد ظهرت التبعية في عدة مناسبات منها رد الفعل على الاستنكار المعلن من قبل الناطق باسم التجمع والرافض لزيارة كل من الرفيق رياض الترك والسيد رياض سيف إلى السفارة الأمريكية. والحوارات الساخنة في الندوة التي انعقدت في منزل الأستاذ رياض سيف قبيل انعقاد المجلس بفترة قصيرة والذي حاضر فيها الأستاذ برهان غليون ثم الحوار الحار بين أعضاء إعلان دمشق حول رسالة الشكر الجوابية التي أرسلها الرفيق رياض الترك للرئيس الأمريكي بوش على دعمه لإعلان دمشق هذه بعد انعقاد المجلس طبعا...كل هذه المسائل تؤكد أن الاستعدادات كانت تتم لهيمنة التيار النيو ليبرالي على الإعلان ولما كان من المستحيل أن تتم هذه الهيمنة عن طريق الأحزاب الموجودة والذي أقترح أن تجري دراسة مستقلة حول (تأثيرات التبدلات السياسية على الأحزاب المشاركة في إعلان دمشق) داخل الإعلان لذلك كان لا بد من إشراك شخصيات مستقلة بتوجه محدد جرى التحضير له كما ذكرت بحيث يطغى المستقلين على الحزبين وهذا ما جرى 14"- لا أعرف كيف تمت مراقبة الانتخابات.. ولكن الذي علمته من البعض أنه التوجهات قد أعطيت للبعض قبل انعقاد المجلس بأيام قليلة لإسقاط من رسبوا....


قراءة في دفاتر السجن
تمهيد على شكل إضافة
نايف سلّوم
كراسات أو دفاتر السجن لـ غرامشي تذكرنا بـ "الدفاتر الفلسفية" التي كتبها لينين في الأعوام 1914-1915، التي تتضمن من بين ما تتضمن خلاصة "علم المنطق" لهيغل، حيث يلخص لينين "المنطق الكبير" المجلدات III، IV ، V ، إضافة إلى "المنطق الصغير" أو ما اشتهر باسم "موسوعة العلوم الفلسفية" وهو الجلد VI. وهي منشورة كاملة في المجلد 38 من أعمال لينين الكاملة بالإنكليزية. وكان الياس مرقص قد ترجم قسماً من دفاتر لينين إلى العربية في ثلاثة مجلدات وبقي قسم من الدفاتر لم يترجم بعد. وهذا هو مصير كراسات أو دفاتر السجن لغرامشي- التي نعرض لها اليوم- حيث تشمل الترجمة العربية مختارات من كراسات السجن لغرامشي مترجمة عن الإيطالية إلى الإنكليزية. وكان ماركس قد مهد لكتابه رأس المال بمجموعة من الدفاتر سميت "الغروندريسّة " أو "الأسس" ، وهي مجموعة دفاتر كتبها ماركس لنفسه ولم تكن معدة للنشر . إن أسلوب الدفاتر الذي ظهر عند كبار المؤلفين الماركسيين يشير إلى ضخامة المهمة النظرية الملقاة على عاتق الماركسيين، و يعتمدها المؤلف للتوضيح الذاتي في الموضوعات المبحوثة، أي هي نوع من التأليف "السلبي" إذا صح التعبير. فغير الضخامة والتنوع في القضايا، هناك عدم التبويب ، أو هناك فهارس لأجل الاستخدام الشخصي، وهي مكتوبة على امتداد سنوات عدة . هذا التوصيف ينطبق على كل من دفاتر السجن لغرامشي و دفاتر لينين الفلسفية ودفاتر ماركس الاقتصادية والفلسفية . يقول مترجم ماركس: "الغروندريسّة هي الذروة في نهاية رحلة خاصة طويلة وشاقة على حد تعبير مارتن نيكولوس أحد أبرز دارسي ماركس " فخمس عشرة سنة من البحث الفلسفي والاقتصادي هي خيرة سني حياة ماركس محتواة في صفحات العمل" وهي سلسلة من سبعة دفاتر ، صاغها ماركس كمسودات أولية خلال شتاء 1857- 1858 لأغراض التوضيح الذاتي بالدرجة الأولى .. ولم تنشر إلا في عام 1953 وبنصها الألماني. إضافة إلى دفاتر ماركس لعام 1851 والمتضمنة مقتطفات عن ريكاردو.
يقول المترجم العربي لدفاتر غرامشي في مقدمته: "هذه ترجمة لمختارات من كراسات السجن حررها وترجمها إلى الإنكليزية كينتين هور وجيفري نويل سميث، دار لورانس، و ويشارت لندن 1978". الطبعة العربية لهذه المختارات من منشورات "دار المستقبل العربي" القاهرة 1994.
اعتمدت الترجمة الإنكليزية على طبعة تورين التي نشرها إي نودي لكراسات السجن مع نص أو نصين لغرامشي لم يسبق نشرهما، مع إدخال تعديلات طفيفة على الترتيب في بعض المواضع. وإعداد مدخل لكل قسم من أقسام الكتاب.
بدأ غرامشي العمل "بكراسات السجن" في "فبراير" شباط 1929 وفرغ منها 1935. وتبلغ 33 كراساً (دفتراً). كانت الكراسات استمراراً لنضال غرامشي الثوري، وكانت كما وصفها غرامشي نفسه: "بؤرة حياتي الداخلية" "الكلام لـ غرامشي بالطبع".
توفي غرامشي سنة 1937 إثر خروجه من السجن. وهو المولود سنة 1891 في جزيرة سردينيا جنوب إيطاليا
مفهوم الثقافة، ومفهوم المثقف العضويّ:
جاء في القاموس المحيط في معنى كلمة "ثَقُف": ثقُف، ثَقْفاً، ثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً. فهو ثِقْف كـ حِبر. و الِثقاف ما تسوّى به الرماح .
هكذا تكون الثقافة حصيلة ما تكتسبه الجماعة تاريخياً ، حيث تصقل وتتهذب عاداتها وتقاليدها. ويفهم من كلمة ثقافة كل فعل للتاريخ في تهذيب الجماعة البشرية ، كل فعل للتاريخ في الطبيعة. فهي الثقافة ضد الطبيعة الأولية الخام والخشنة؛ "المتوحشة". المشغول بفعل التاريخ، والمصقول بهذا الفعل هو المثقف. والثقافة هي المتولدة بالخبرة والمكتسبة بالتربية المديدة.
و جاء في المورد في معنى كلمة culture: حِراثة، تثقيف، تهذيب، حضارة أو مرحلة معينة من مراحـــل التقدم الحضاري... المستنبت أو نتاج عملية الاستنبات.
الثقافة: هي الحِراثة ، أي هي تهذيب الأرض من الحجارة والأعشاب الضارة، مع إحداث طبقة ترابية جديدة عبر قلب الوضع القائم أو إزالة حضور "الطبقة" السائدة.
إن دفع تعريف الثقافة إلى هذه العوالم الأخيرة المجازية يعني اتصالها بالأيدولوجيا العضوية أو إعادة إنتاجها(الثقافة) تحت هيمنة الإيديولوجيا العضوية، بحيث يشكل النتاج الإيجابي لنقد ثقافة قومية معينة، المحتوى "المادي" لهذه الإيديولوجيا إذا جاز التعبير. فإذا كانت الثقافة هي المسافة بين العلم التاريخي من جهة واحدة، وبين الإيديولوجيا من الجهة الثانية، فهذا يعني أن العلم التاريخي والثقافة و الإيديولوجيا ليست سوى لحظات ثلاث لعملية تاريخية واحدة هي عملية تشكل الإيديولوجيا العضوية كأيديولوجية للطبقة الصاعدة تاريخياً، أو الطبقة التقدمية، بالواجب وليس بالوجود، أي تقدمية بالقوة، وعليها أن تصبح تقدمية بالفعل عبر الوعي والتنظيم . تحيل الإيديولوجيا إلى الإيمان والعقائد ، بينما تحيل الثقافة إلى العادة والتقليد . الإيديولوجيا العضوية في عصرنا هي إيديولوجيا تدعو لتغيير التشكيلة الرأسمالية عبر القضاء على الملكية الخاصة الرأسمالية.
في حال غياب الشروط التاريخية لتشكل أيديولوجية عضوية بفعل تراجع الحركة الشعبية، تتصدع هذه الوحدة وتنفصل اللحظات الثلاث. ويمكن للثقافة في حالة كهذه أن تتشبه بـ الإيديولوجيا العضوية بحيث تطرح نفسها كخصم تاريخي للوضع السائد أو القائم وهذا هو حال الإسلام السياسي في الزمن الراهن في المواجهة المزعومة مع الإمبريالية الرأسمالية .
في الماضي القريب، زمن الحرب الباردة، ونظراً لسيطرة الفكر البيروقراطي السوفييتي، كان هناك استبعاد من قبل الأيديولوجية العضوية للثقافة القومية، بحيث ظهرت هذه الإيديولوجيا وكأنها غنية عن هذه الثقافة وعن جهد مراجعتها نقدياً. الآن وبعد تصدع الثقة بالأيديولوجية البيروقراطية خصوصاً والعضوية عموماً، وبعد الردة السلفية الدينية، راحت الثقافة الدينية السلفية تلعب الدور ذاته، حيث أبعدت بل أزاحت الأيديولوجية العضوية من حركتها في المواجهة المزعومة مع "الغرب" ، أو المواجهة مع التحديث "الغربي" في عصر انحطاطه. هكذا ظهر الجفاء بين الثقافة القومية من جهة والأيديولوجية العضوية من الجهة الأخرى مرتين. وهذه العملية في وجهيها لن تكون في صالح مشروع النهوض القومي العربي الديمقراطي .
أريد أن أفرق بين التدبّق من جهة و بين الارتباط العضوي من الجهة الأخرى. إنه كالفرق بين العين والبصر بعلاقتهما بعضوية الإنسان الفرد. العين متصلة ميكانيكياً وفيزيائياً كالفرد البورجوازيّ عضو الطبقة البورجوازية السائدة ، والبصر غير متصل وغير منفصل عن العضوية الفردية كالمثقف العضوي للطبقة البورجوازية. المثقفون ينفصلون عن الطبقة السائدة لكي يتحدوا بها اتحاداً أوثق، لكي يكوّنوا بنية فوقية حقيقية، لا مجرد عنصر غير عضوي، وغير متمايز من البنية الاقتصادية ، إنها حركة استيعاب الاقتصادي وتجاوزه أو رفعه إلى مستوى السياسي، إلى مستوى المهمة التاريخية للطبقة المعنية.
العضويّة تعني التمايز عن البنية الاقتصادية والارتباط بها من الجهة الثانية. وكلمة عضو organ تعني لسان حال كالجريدة أو المجلة تكون ناطقة بلسان حزب أو جماعة. و organic عضويّ أي جزء لا يتجزأ من كلّ. وكلمة عضو تعني أيضاً تميز العضو في وظيفته داخل الكلية العضوية. إن سمة العضوية تماثل تماماً علاقة الفكر بالدماغ البشري والأعضاء الأخرى؛ فالعضوية البيولوجية للفرد الإنساني هي في أساس حياة الفكر، ومع هذا فهي، أي الأفكار غير متصلة فيزيائياً أو حسياً مع هذه العضوية البيولوجية . "العضويّ" بالمعنى الفلسفي العميق تعني غير المنفصل وغير المتصل. وأنا أستخدم صيغة السلب لكي لا أخلط المعنوي بالفيزيائي.
يأتي استقلال المثقفين العضويين النسبي عن الطبقة التي ينتظمون بها من دور المثقفين الضروري كمنظمين ومربين وعلماء وباحثين ومحققي تجانس الطبقة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويأتي استقلالهم أيضاً من أن المنظمة التي تربط المثقف بالطبقة هي ذات المنظمة التي تفصله عنها، وتعطيه نوعاً من الاستقلالية. ( نستعير من القاموس الصوفي: هذه المنظمة باب وحجاب)
الصفة العضويّة للمثقف منوطة بدرجة ارتباط التنظيم الذي ينتمي إليه مع الطبقة التي يمثلها هذا التنظيم، لكن هذه العلاقة العضوية منوطة بأمر آخر وهو المكانة التي يشغلها المثقف في المنظمات "الطبقية" للمجتمع المدني (منظمات الهيمنة أو المنظمات الاقتصادية / الحرفية) والمجتمع السياسي(أجهزة الدولة)
فمعلم المدرسة أقل عضوية من عضو في حزب النظام . وزعيم هذا الحزب أكثر عضوية في تعبيره عن مصالح طبقته السياسية من عضو طارئ وعادي.
وهكذا ، كلما زاد خضوع التنظيم الذي ينتمي إليه المثقف لطبقة بعينها، وكلما شغل وظيفة أرفع في هذا التنظيم صار أكثر عضوية كمثقف لهذه الطبقة.
بما يخص استقلال المثقفين النسبي ، يجب التفريق بين الكينونة الطبقية أو ما يشار إليه بالأصل الاجتماعي للمثقف ، وبين التنظيم الطبقي الذي يشمل الموقع الطبقي والموقف الطبقي والدراسة الطبقية . والدراسة الطبقية تعني استعمال البنية النظرية وأدواتها كمنطلق للبحث وإنتاج المعرفة الجديدة. بالنسبة للمثقف البروليتاريّ تعني، استعمال النظرية الماركسية أو نتائج العلم التاريخي / الاجتماعي بما يخص دراسة التنظيم الاقتصادي للمجتمع البورجوازيّ، واستعمال الديالكتيك المادي كمنهج إجمالي وثوري بطبيعته، كعلم جبر الثورة أو رياضياتها العالية ، مع الإشارة إلى ديالكتيك تحول محتوى العلم التاريخي/ الاجتماعي (الماركسي) إلى شكل وأداة للتحليل اللاحق. وهو ما يشار إليه بتاريخية الديالكتيك المادي.
تتوسط بين المثقف العضوي والبنية الاقتصادية كل من الطبقة الاجتماعية التي ينتظم فيها المثقف العضوي ، والمنظمة التي ينتمي إليها. والتوسط مقولة أساسية في الماركسية . من هنا مناهضة الماركسية لكل ربط ميكانيكيّ مباشر بين التنظيم الاقتصادي للمجتمع من جهة وبين البنى الفوقية الإيديولوجية والسياسية من الجهة الثانية .
لذلك أقول: إذا كانت دراسة البنية الاقتصادية أو ما يسمى بالتنظيم الاقتصادي للمجتمع يمكن أن تقدم إطاراً عاماً لتحليل مكانة المثقفين ووظيفتهم في المجتمع ، فإن هذا التحليل سيكون مرتبطاً مباشرة بدراسة الطبقات الاجتماعية والمنظمات القائمة في المجتمعين "المدني" والسياسي. أي في تنظيمات الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية وفي تنظيم الإكراه أو الدولة السياسية الحديثة.
تراتب المثقفين:
لدينا أربعة أنماط من المثقفين: 1- الباحث(العالم) ؛ منتج العلم أو منتج معرفة جديدة. 2- المربي؛ المنظر أو الداعية لفكرة بعينها أو لمذهب بعينه ويسميه غرامشي بـ عضو الحزب الأيديولوجي 3- منظم الهيمنة ؛ عضو الحزب السياسي 4- منظم الإكراه؛ أو عضو الدولة بالمعنى الإداري والعسكري. ويوجد نوع خامس من المثقفين الاقتصاديين / الحرفيين وهم التقنيون.
يتوجب التمييز بين التكنوقراطيين ، والتقنيين على أساس تراتب المثقفين في بنية اجتماعية معينة . لقد أصبح التكنوقراطيون يلعبون أدوارا فكرية أكبر من التقنيين في النصف الثاني من القرن العشرين ، وأمام التفوق التراتبيّ في البنية الرأسمالية البورجوازية تم رصد ميل عند التقنيين نحو البلترة (من السمة البروليتاريّة) ، مما أوهم بعض المنظرين إلى اعتبار التقنيين طبقة عاملة جديدة.على سبيل المثال "سيرج ماليه" في كتابه "الطبقة العاملة الجديدة" وأصحاب الياقات الزرق والبيض في بعض تنظيرات هربرت ماركوز الخ..
سيكون للتكنوقراطيين وظيفة فكرية أكثر أهمية من التقنيين . من هنا التقنيون أقرب إلى العمال منهم إلى البورجوازية كميل.
توجد ضرورة رصد التراتب الذي يربط المثقفين من نمط واحد: مثلاً تقوم فوارق في نظام التربية الحديثة ملموسة بين أساتذة الجامعات من جهة وبين المدرسين في المدارس ما قبل الجامعية من جهة أخرى . المدرسون بحكم قربهم من الجماهير الشعبية يمكنهم بسهولة أن ينشدّوا إلى القوى التقدمية في المراحل الثورية أو فترات الأزمة العامة للطبقة المسيطرة. بينما تتعزز الميول الرجعية لدى أساتذة الجامعات بشكل إجمالي . هذا لا ينفي ظهور حالات فردية مفارقة . بالطبع ليس كل من يعمل في المدرسة مثقفا، وليس كل من يعمل في الجامعة مثقفا أيضاً.
في التنظيمين العسكري والإداري وفي الغالبية العظمى من التنظيمات التي تمارس وظيفة الهيمنة أو السيطرة توجد تشكيلة من الأعمال التنفيذية المحضة التي لا تتضمن أية وظيفة تنظيم أو تربية أو بحث، كالجندي البسيط أو الجندي الذي "تطوع" ليعيل أسرته، أو الكويتب في دائرة حكومية، الخ.. بينما يلعب كل كادر من كوادر حزب سياسي بعينه دور المثقف التربوي والتنظيمي و الدعاويّ . العامل في حزب سياسي من الطراز اللينينيّ، ليس عاملاً فحسب، بل هو مثقف عضوي للطبقة العاملة لأنه ليس في الحزب ليدافع عن مصلحته النقابية القريبة ، فهناك نقابة لذلك، بل ليدافع عن المصالح السياسية العامة لطبقته وللطبقات المتظلمة الأخرى في المجتمع المعني.
إن استقطاب الطبقة العاملة وامتصاصها لمثقفين من أصول إقطاعية يدل على اندحار تاريخي نهائي للطبقة الإقطاعية وعلى انحطاط مشروع الطبقة البورجوازية بكل أشكالها الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. وحتى يلعب هؤلاء دوراً عضوياً ؛ سياسياً ومستقبلياً فعليهم الالتحاق بمواقع الطبقة البروليتارية. وإذ حاول مفكرون في أوربا لعب هذا الدور، والإقطاعية ما يزال دمها حارا، فقد ظهر ما يسمى بالاشتراكية الإقطاعية. جاء في البيان الشيوعي: "وجدت الأرستقراطية الفرنسية نفسها محكوماً عليها ، بحكم وضعها التاريخي ذاته ، بأن تهجو المجتمع البورجوازيّ الحديث . فأمام هذا الوصولي الكريه خسرت مرة أخرى معركتها في ثورة 1830 الفرنسية وفي الحركة الإصلاحية الإنكليزية 1831، وبما أن النضال السياسي الجدي لم يعد، بالنسبة إليها وارداً ، فلم يبق أمامها غير ميدان المعركة الأدبية . وحتى في ميدان الأدب كان إنشاء عهد الردة الملكية قد غدا مستحيلاً . كان على الأرستقراطية ، لكي تحرك مشاعر التعاطف معها ، أن تتخلى ظاهرياً عن مصالحها الخاصة ، وأن تصوغ قرار اتهامها للبورجوازية دفاعاً عن مصالح الطبقة العاملة المستَغلّة فقط. وهكذا وفرت لنفسها لذة إنشاد هجاء سيدها الجديد في أغان مقذعة ، ولذة الهمس في أذنيه بنبوءات مفعمة إلى حد قليل أو كثير بالتشاؤم. وعلى هذا النحو ولدت الاشتراكية الإقطاعية ، نصفاً أغنية حزينة ونصفاً هجاءً ساخراً ، نصفاً صدى الماضي ونصفاً وعيد المستقبل. وإذا كانت أحياناً تصيب بنقدها المر ، الذكي واللاذع للبورجوازية في الصميم ، فقد كانت دائماً تترك تأثيراً مضحكاً لعجزها الكامل عن فهم مسيرة التاريخ الحديث. ولكي يجتذب هؤلاء الأرستقراطيون الشعب إليهم لوحوا بخرج المتسولين البروليتاريين راية لهم ، لكن ما أن مشى الشعب وراءهم حتى لمح شارات الإقطاعية العتيقة مرسومة على مؤخرتهم ، فتولى عنهم وقهقهة السخرية على شفتيه. وقد مثل هذا المشهد المرح فريق من الشرعيين الفرنسيين " كان بلزاك كاتب الملهاة الإنسانية أعظم ممثليه. ولدينا في سوريا اليوم ممثلون كثر من هذه الشاكلة ذات الرسوم العتيقة على مؤخرتهم. وهو ما نلاحظه أيضاً في مصر بعد الحرب العالمية الثانية من تحدّر مثقفي البروليتاريا وبنسبة ملفتة من أصول إقطاعية، وهذا ما يمكن رصد ملامح له في بعض قيادات الحزب الشيوعي السوري التاريخية.
يعارض غرامشي المثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة الريفية بالمثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة المدينية. فهؤلاء الأخيرون هم تقنيو الصناعة ، وبصفتهم هذه هم المثقفون العضويون للبورجوازية الصناعية . وهذا التقسيم الريفي والمديني لم يعد قائماً في سوريا بعد سياسة الاستيعاب العامة في التعليم بعد 1970. فقد بات الريف يقدم مثقفين تقنيين (اقتصاديين/حرفيين) بشكل واضح إضافة إلى الأطباء والمحامين والكاتب بالعدل، الخ ..
لقد كان مثقفو البورجوازية الصغيرة الريفية، أي الأطباء والمحامون والكاتبون بالعدل، الخ.. يؤلفون في بداية عهد الرأسمالية المثقفين العضويين للمركنتيلية(البورجوازية التجارية) والمعملية (المانيفاتورية) . لكنهم فقدوا مع نهوض الصناعة الحديثة، أولويتهم ، فناب منابهم التقنيون الممارسون لوظيفة معرفة تطبيقية أو اختصاص علم تطبيقي.
لقد حرصت البورجوازية دائماً على دمج مثقفي الريف التقليديين سواء أكانوا وجهاء ريف (أعيان ريف ) أو وجهاء بدو وعشائر أو مثقفين تقليديين كالأطباء والمحامين وذلك بصفة شخصية عبر ضمهم إلى جهاز الدولة الحاكم وعبر منحهم امتيازات قانونية وبيروقراطية ومالية. لا يمكن تمثّل المثقفين التقليدين بشكل كامل إلا بعد إنشاء الدولة الجديدة التقدمية. وتعود هذه المسألة عينياً إلى كيفية استعمال الدولة الجديدة لوسائل الإكراه ووسائل الهيمنة لإنجاز هذا التمثل . إن هذا الإلحاق للمثقفين التقليديين يتناسب تناسباً مباشراً مع قوة السمات العضوية لمثقفي الطبقة السائدة وتقدمية هذه الطبقة ويتناسب مع ضعف تنظيم المثقفين التقليديين.
يمثل المثقفون المذكورون والمتحدرون من أصول ريفية مثقفين تقليديين بالمقارنة مع مثقفي البروليتاريا . والتقنيون الذين هم مثقفو البورجوازية العضويون، فإنهم تقليديون بالميل والنزوع بالمقارنة مع مثقفي البروليتاريا . فما دامت البورجوازية في طور صاعد ، فلا مجال للقول أن مثقفيها العضويين تقليديون بالمقارنة مع مثقفي البروليتاريا . لكنهم يغدون كذلك بمجرد أن تخسر البورجوازية دورها التقدمي وتغدو رجعية في السياسة والأيديولوجيا، لكنها تبقي على تقدمها التقني / الاقتصادي . إن خسارة البورجوازية للتقدمية في حقلي السياسة والفكر تعني خسارتها لأية رؤية مستقبلية واعدة للبشرية، بالتالي يغدو مثقفوها عديمي البصيرة لهذا المستقبل ويتحولون إلى مجرد مثقفين اقتصاديين/حرفيين ومهنيين كرجال اقتصاد أو رجال دولة بالتالي يفقد هؤلاء صفة العضويّة وصفة السياسيّة بالمعنى التاريخي والمستقبلي ويمكن أن نطلق عليهم سمة الاعتباطية طالما بقيت البورجوازية حاكمة. بهذا لم تعد البورجوازية قادرة على إعطاء وعد بمستقبل أفضل بعد كمونة باريس وقد ظهرت هذه النزعة التشاؤمية عبر تيارات أدبية وشعرية تسمي نفسها "حداثة شعرية" وهي حقيقة ما بعد حداثة. وهي عبارة عن تيارات ناكسة نحو العوالم الصوفية القديمة، وتتميز بالعدمية الوجودية والصمت والتهكم تجاه مطارحات الحداثة الأوربية فجر صعود الطبقة البورجوازية.
يعرّف غرامشي العضويّة بشكل باطني؛ أي بالارتباط مع الطبقة المعنية في ذاتها ، ويعود ليعرّف العضويّة بالتقابل بين مثقفي طبقة صاعدة تاريخياً وأخرى في طور انحطاط هيمنتها التاريخية ومشروعها الإنساني المستقبلي.
سوف تعاني البروليتاريا من الانقسام بين بروليتاريا المراكز الرأسمالية وبين بروليتاريا الأطراف الرأسمالية في العصر الإمبريالي ، وبالتالي ستعمل البورجوازية على دمج وتمثل الكثير من مثقفي البروليتاريا في المراكز عبر ما سمي بأحزاب الدولية الثانية، وفي الأطراف عبر ما عرف بالأحزاب الشيوعية الرسمية ذات التربية السوفيتية البيروقراطية (الستالينية) . كل من هذه الأحزاب استوعبته البورجوازية في أجهزتها الهيمنية وفي جهاز دولتها. لا بد من الإشارة إلى أن أزمة البيروقراطية السوفيتية ، ومن قبل صعود هذه البيروقراطية ساعد إلى حد ما عملية التمثل البورجوازية هذه . لكن يبقى أساس الظاهرة هو الظاهرة الإمبريالية وسيطرة الاحتكار في التنظيم الاقتصادي الرأسمالي نهاية القرن التاسع عشر، ولاحقاً صعود دولة الرعاية الاجتماعية أو "دولة الرفاه" في المراكز وفي الأطراف الرأسمالية.
- راجع : قراءة في مقدمة مارتن نيكولوس للغروندريسّة . في العدد الأول من "جدل"


لينين
عن مسألة الديالكتيك (المنطق)
ترجمة: نايف سلّوم
انقسام الكل الفرد والتعرّف على جزئيه المتناقضين هو ماهية (واحد من "أسس"، واحد من مبادئ، إن لم يكن مبدأ، مميزات أو مقومات) الديالكتيك(المنطق) . هكذا على وجه الضبط وضع هيغل الأمر، أيضاً. (أرسطو يتصارع باستمرار مع هذا المبدأ في كتابه ما وراء الطبيعة Metaphysics ويقاتل بعنف هيراقليط والأفكار الهيراقليطية)
يتوجب اختبار تصحيح هذا الجانب من محتوى الديالكتيك (المنطق) عن طريق تاريخ العلم. هذا الجانب من الديالكتيك (المنطق) (على سبيل المثال، عند بليخانوف) جرى عادة تلقيه بانتباه غير كاف: يؤخذ تماثل (تطابق، وحدة، هوية) الأضداد كمجموعة أمثلة مثلاً، "حبة قمح (بزرة)". مثلاً، "الشيوعية البدائية"] . يحق نفس الشيء على انجلز، لكن ضمن اهتمامات تبسيطية، وليس كقانون للمعرفة ، (وكقانون للعالم الموضوعي).
في علم الرياضيات: + و - ، التفاضل والتكامل .
في علم الميكانيك : الفعل ورد الفعل .
في علم الفيزياء : الكهرباء السالبة والموجبة .
في علم الكيمياء : تفكك واتحاد الذرّات .
في علم الاجتماع: الصراع الطبقي .
هوية، تماثل الأضداد (يمكن أن نكون أكثر دقة،ربما، أن نقول وحدتهما. مع الاختلاف بين اللفظين؛ التماثل والوحدة ليس مهماً هنا بوجه خاص . بمعنى محدد كلاهما صحيح) هو التعرُّف [العِرفان] (اكتشاف) المتناقضات، والإقصاء التبادلي، الميول المتضادة في كل ظاهرة أو في عمليات الطبيعة (بما في ذلك العقل والمجتمع). إن شرط معرفة جميع عمليات (سير عمليات) العالم في "حركته- الذاتية"، في تطوره التلقائي، في حصيلته الواقعية ، معرفة هذه العمليات كوحدة أضداد.
التطور هو صراع الأضداد .
إن المفهومين الأساسيين (الاحتمالين الأساسيين، الملاحظين تاريخياً ؟) للتطور(النشوء) هما: التطور كنقصان أو زيادة ، كتكرار، والتطور كوحدة أضداد (انقسام الوحدة إلى أضدادها ذات الإقصاء التبادلي وعلاقاتها التبادلية).
في المفهوم الأول للحركة ، الحركة- الذاتية، القوة الدافعة، منبعها (مصدرها)، باعثها(حافزها)، محركها تبقى محجوبة (أو يجعل هذا المصدر خارجياً- الله، فاعل (ذات)، الخ..)
في المفهوم الثاني يوجه الانتباه الرئيسي بشكل صحيح لمعرفة منبع (مصدر) الحركة-" الذاتية"
المفهوم الأول عديم الحياة، باهت، جامد (مجْدب) ، المفهوم الثاني حيّ . المفهوم الثاني وحده (دون غيره) يمدُّ بمفتاح "الحركة – الذاتية" لكل شيء موجود بالفعل؛ إنه وحده يمدُّ بمفتاح "الوثبة" (الانتقال المفاجئ) و "بالانقطاع ضمن الاستمرارية"، بـ "التحول إلى الضد" ، إلى دمار القديم وانبثاق الجديد.
وحدة (تطابق، هوية (تماثل)، تأثير متعادل (فعل متساو)) الأضداد مشروطة، مؤقتة، عابرة (زائلة) ، نسبية. صراع الأضداد ذات الإقصاء المتبادل مطلق، فقط كتطور وحركة هو مطلق.
لاحظ جيداً؛ NB : الفرق بين المذهب الذاتي (المذهب الريبيّ، السفسطة، الخ..) والديالكتيك (المنطق)، بشكل عرضي، أن الفرق ذاته في الديالكتيك (الموضوعي) بين النسبي والمطلق نسبيّ. بالنسبة للديالكتيك الموضوعي يكون المطلق ضمن النسبي. بالنسبة لـ المذهب الذاتي والسفسطة، النسبي مجرد نسبي، ويقصي (يبعد) المطلق.
في كتابه رأس المال يحلل ماركس أولاً، العلاقة الأكثر بساطة، الأكثر اعتيادية، الأساسية، الأكثر شيوعاً، اليومية للمجتمع البورجوازي؛ السِلْعة(البضاعة). علاقة نواجهها بلايين المرات، قوّة vis . تبادل السلع. في هذه الظاهرة البسيطة جداً (في "خلية" المجتمع البورجوازي هذه) يكشف التحليل كل تناقضات (أو بزور جميع تناقضات) المجتمع الحديث .يظهر لنا العرض اللاحق تطور (كلا النمو والحركة) تلك التناقضات وهذا المجتمع [الرأسمالي] في Σ (مجموع) أجزائه المفردة، من بدايته حتى النهاية.
هكذا يجب أن تكون طريقة عرض (يعني، دراسة) الديالكتيك (المنطق) بوجه عام (بالنسبة لماركس، ليس ديالكتيك (منطق) المجتمع البورجوازي سوى حالة خاصة من حالات الديالكتيك (المنطق)).
البدء بما هو الأبسط، الأكثر اعتيادية، الشائع، الخ.. ، بأي كلام (بأي قضية): أوراق الشجرة خضراء؛ جون إنسان؛ فيدو كلب، الخ.. يوجد هنا مسبقاً ديالكتيك (منطق) (كما تعرفتها عبقرية هيغل): الفرد (الخاص) هو العام the individual is the universal . (قارن أرسطو طاليس، الميتافيزياء، ترجمة شفغلر) : (المنزل بوجه عام a house in general).. لأنه بالطبع ، لا يمكن للمرء أن يعتقد بإمكانية وجود منزل (بوجه عام) بصرف النظر عن المنازل المرئية (ملاحظة من الناشر).
وهكذا تكون الأضداد (الفرد الخاص ضد العام) متماثلة: يوجد الفرد الخاص فقط بالرابطة التي تقود إلى العام. ويوجد العام فقط في الفرد الخاص وعبر (بواسطة) الفرد الخاص. كل فرد خاص هو (بطريقة أو بأخرى) عام. كل عام هو (كسرة، أو مظهر(هيئة؛ صورة)، أو ماهية) فرد خاص. كل عام فقط على وجه التقريب يتضمن كل الأشياء المفردة (الخاصة).
كل فرد خاص يدخل بشكل غير تام في العام، الخ.. كل فرد خاص مرتبط بواسطة آلاف الانتقالات (التحولات) مع الأنواع kinds الأخرى للأفراد الخاصين (أشياء، ظواهر، عمليات، الخ..)
لدينا هنا الآن عناصر، بزور، ومفاهيم (أفكار) الضرورة ، الارتباط الموضوعي في الطبيعة، الخ..لدينا هنا الآن الطارئ (العرضي) والضروري، الظاهرة والماهية؛ لأننا حين نقول: جون إنسان، فيدو كلب، هذه ورقة شجرة، الخ.. فإننا نكون قد أهملنا (تجاهلنا) عدداً من الصفات (الخاصيات) الطارئة (العرضية)؛ نكون قد فصلنا الماهية عن المظهر (الظاهر)، ونضع الواحد ضد الآخر.
هكذا في أي قضية يمكن (ويجب) أن نكشف، كما في "النواة" ("الخلية") عن بزور جميع (كل) عناصر الديالكتيك(المنطق)، بالتالي يظهر أن الديالكتيك(المنطق) هو خاصية كل معرفة بشرية على العموم، وتكشف لنا علوم الطبيعة (وهنا يتوجب ثانية إظهارها بوضوح في أيّ مثل بسيط) موضوعية الطبيعة بكيفية مماثلة ، الانتقالات(التحولات) من الفرد (الخاص) إلى العام، من العرضي (الطارئ) إلى الضروري، الانتقالات، التعديلات، والارتباطات المتبادلة للأضداد.
الديالكتيك(المنطق) هو نظرية المعرفة عند (هيغل و) عند الماركسية. هذا هو وجه الأمر (إنه ليس "وجهاً"، لكنه ماهية الأمر) الذي بليخانوف، إذا لم نتكلم عن ماركسيين آخرين، لم يعره أي انتباه.
***

صُورت(مُثلت) المعرفة على شكل سلسلة من الحلقات (الدوائر) من قبل هيغل (انظر المنطق logic) ومن قبل الابستيمولوجيّ ("العِرفانيّ") العصري للعلم الطبيعي، والإلكترونيّ، عدو الهيغلية (الذي لم يفهمها!) بول فولكمان. راجعوا كتابه: Erkenntnistheoretische Grundzüge, S,
"حلقات" في الفلسفة: [هل التسلسل الزمني للأشخاص ضروري؟ لا]
الفلسفة القديمة: من ديمقريطس إلى افلاطون وإلى ديالكتيك هيراقليطس.
فلسفة عصر النهضة: ديكارت versus (ضد) غازيندي (سبينوزا ؟)
الفلسفة الحديثة: هولباخ- هيغل (من طريق via بركلي، هيوم، كانط).
هيغل- فيورباخ- ماركس.
الديالكتيك(المنطق) بوصفه معرفة حيّة، متعددة الجوانب(مع جوانب تتكاثر باستمرار) مع عدد غير محدود من التدرجات shades لكل اقتراب وتقريب للحقيقة (الواقعية) (مع نسق فلسفي يتخطى في نموه الكل خارج كل تدرج)- هنا لدينا محتوى غنيّ لا يمكن الإحاطة به بالمقارنة مع المذهب الماديّ "الميتافيزيقي"، الذي محْنته الأساسية عجزه في استعمال الديالكتيك (المنطق) في نظرية المعرفة Bildertheorie في عملية المعرفة وتطورها.
ليست المثالية الفلسفية سوى هراء، سفسطة nonsense من وجهة نظر مذهب ميتافيزيقيّ، فجّ ، ومبسّط . من الجهة الأخرى؛ من وجهة نظر مذهب مادي ديالكتيكيّ ، الفلسفة المثالية هي توسيع أحاديّ الجانب ، متضخم (مبالغ فيه) حسب تعبير يوسف ديتزغن ، (انتفاخ و نفخ) لواحدة من قسمات (صور) ، وجوه، سطيحات المعرفة إلى المطلق، مفصولة عن المادة، عن الطبيعة، مؤلّه.
حقيقة، المذهب المثاليّ هو ضرب من الظلامية الإكليريكية . لكن المذهب المثاليّ الفلسفيّ هو ("بشكل أكثر دقة" و "بالإضافة على ذلك" ) طريق إلى الظلامية الإكليريكية عبر واحدة من تدرجات معرفة (ديالكتيك) الإنسان المعقدة بشكل لا نهائي.
ليست معرفة الإنسان (أو لا تتبع) خطاً مستقيماً، ولكنها تتبع خطاً منحنياً، والتي تقترب بشكل مستمر من سلسلة حلقات (دوائر)، من خط "لولبيّ" .
أي كسرة، قطعة، جزء من هذا المنحني يمكن تحويله (بشكل أحادي الجانب) إلى خط مستقيم، منجز(تامّ)، ومستقل، الذي عندئذ (إذا لم ير المرء الغابة بسبب الأشجار) يقوده [هذا التحويل] إلى المستنقع، إلى الظلامية الإكليريكية (حيث تثبته المصالح الطبقية للطبقات السائدة).
الطابع المستقيم، أحادي الجانب، المتخشّب ، والمتحجِّر، الذاتوية والعمى الذاتي- voilá (تلك هي) الجذور العرفانية للمذهب المثالي. وبالطبع فإن الظلامية الإكليريكية (المثالية الفلسفية)، تمتلك جذوراً عِرفانية ، لا أساس لها (لا مبرر لها) ، يقيناً، إنها زهرة عقيمة، لكنها تنمو على شجرة حيّة، هي معرفة الإنسان الحيّة، الخصبة، الصلبة، القوية، الموضوعيّة، المطلقة، كلية القدرة.










فرج الله الحلو والغستابو
نجيب سرور

هذه قصيدة للكاتب المسرحي والشاعر والناقد المصري نجيب سرور.
عانى الشاعر بعد عودته من الاتحاد السوفييتي عام 1958 فترة قلق ومطاردة وبؤس ويأس وجوع وتشرد، ثم رحل عن دنيانا بعد معاناة مأساوية طويلة. و هذه القصيدة أطلقها الشاعر بعد اغتيال المناضل الشيوعي فرج الله الحلو.
ن يقال العشرون
والعام التاسع والخمسون
لكن لا أذكر حتى ما اليوم
والساعة لا أعرف كم
فهنا في جوف الزنزانة
خلف الشمس
يجري توقيت الغستابو
سألوني في زمن ما اسمك؟
تيلمان أو شهدي أو فوتشيك
أو قولوا الحلو
ما شئتم قولوا الاسم
عسّاف اسمي عسّاف
جنّ الغستابو وانفجرت
في وجهي آبار الدم
فبصقت دماً ملء الفم
في وجه الغستابو الجهم
وأنا أضحك
ركْله...!
زعقوا ما اسمك؟
إنسان أي إنسان
ابن العمال
من رأسي حتى قدمي
من أغوار أغوار القلب
جندي في جيش الشعب
قربان من أجل الحزب
في مصر أنا في سوريا
في لبنان
في العالم في كل مكان
أنا وطني في كل القارات
عسّاف اسمي عسّاف
وأعاد الغستابو الكرة
لا أدري في تلك المرة
من أي الآبار الثرّة
في جسمي كانت تتدفق
حاولت كثيراً أن أبصق
جاهدت
ولكن لم أبصق
وتدور الأرض تدور
والسقف الصخري يدور
وتدور الجدران تدور
ويلف الأشياء ضباب
وتغيب وجوه الغستابو
وأغيب أنا......
* * *
القرن يقال العشرون
والعام التاسع والخمسون
وحدي أنتظر الغستابو
وحدي وحدي
ومئات من حولي
ومئات من بعدي
وألوف ألوف العمال
في الخارج لا بل في قلبي
ورفاقي كل الشرفاء
في وطني يحضنهم شعبي
أنا وحدي!!!
كنت أسير
وسط دمشق
والساعة منتصف الليل
والبرد رصاص مسموم
والريح تنوح كما بوم
والشارع خال من نسمة
والليل ضرير....لم تبسم حتى
نجمة
ويجيء نباح الغستابو
يحيا القائد
هايل القائد
أذكر ...أذكر
يذكر مثلي فوتشيك
يذكر تيلمان يحيا الفوهرر
هايل هتلر
أذكر ...أذكر
يحيا حسني
والحناوي
والشيشكلي
اضحك اضحك
يضحك كل العالم
يضحك كل الشرق
تضحك كل دمشق
أين الفوهرر؟
صرتُ أفكر
أكبادي زوجي بيروت
أكبادي في سجن المزّة
وأبي زعبل
أكبادي في كل العالم
من مات ومن سوف يموت
أو يحيا من أجل الشعب
البرد رصاص مسموم
والريح تنوح كما بوم
والشارع خال من نسمة
ودمشق تلفلفها الظلمة
والنجمة تهمس للنجمة
هجمة..هجمة
فِرّي قد هجم الغستابو
ضربة...
آه....
لكأني أركب أرجوحة
تعلو تهبط...تعلو تهبط
غابت عني الرؤيا
أسقط...أسقط
* * *
القرن يقال العشرون
والعام التاسع والخمسون
مطروح مشلول الجسم
أتلوّى في بركة دم
بعظامي شيء بعروقي
بكياني يجري كالسمّ
نادوني باسمي فرج الله
لكني أحيا..متنكر في عسّاف
عرفوا اسمي؟!
ممن عرفوه؟؟
هابيل يطعنه أخوه
من قابيل؟ من قابيل؟!
كم غيري في سجن المزّة
قلبي يتخطى الأسوار
ويغافل كل الحراس
ليعانق كل الشرفاء
في حضن دمشق
(كيف حالك يا جار، لو تعرف
شو صار)
هل عرفوا أني بالمزّة
في قعر الجبّ
هل كشفوا خنجر قابيل؟
في ظهر الحزب
* * *
القرن يقال العشرون
والعام يقال الستون
وأنا فقي الجبّ
عيناي على الباب المغلق
أذناي في الصمت الأخرس
من باب فضول..ماذا في وسع
الغستابو؟؟
خلع أظافر
خلعوها من أول يوم
خرجت باللحم والدم
لن تنبت لي بعد أظافر
ماذا في وسع الغستابو؟؟
فوق التعذيب الوحشي
فوق الكيّ
أو صبّ الماء المغلي
فوق البارد
والبارد فوق المغليّ
أسناني..
هل بقيت سنٌّ في فكّي؟
عقب السيكارة في اللحم
حرقوا لحمي
هل يغرس عقب في العظم؟!
قطع لساني؟
هم أحوج مني للساني
ماذا في وسع الغستابو؟؟
لمناضل غير الموت
الموت لعينيّ رهيب
لكن في جبّ التعذيب
لا نخشاه ...نتمناه
فالموت لنا راحة
حلم الظمآن إلى واحة
والموت لهم للغستابو
يعني الصمت
فالميْت من دون لسان
والحي له ألف لسان
قد يضعف يوماً
قد يركع
يتخاذل ..يرضخ..ينهار
ويبوح بكل الأسرار
سأموت كي يحيا الشعب
حملوني فوق النقالة
هبطوا السلم
ساروا لفوا
دخلوا غرفة
داخل غرفة...داخل غرفة
وقفوا حطوا النقالة
ماذا بجراب الغستابو
من هذا..؟!
هل تعرف من..؟
وأشاروا للشخص الواقف
بصري من ألمي يضعف
لكن أعرف
أعرف من ؟! (لا، لا أعرف)
خان النذل
قال وقعت ووقع الكل
الخائن هذا قابيل
كم غيري في سجن المزّة
كم هابيل؟ كم هابيل؟
منذ متى أنت خائن؟!
يا خائن
خذ مني هذي البصقة
الخائن يضحك مني!
يزعم أني أحمق
ينصح أن أستسلم
قال خسرت اللعبة
لا لم أخسر
هذا أول شوط
هل تتكلم...؟
فضحكت وجنّ الغستابو
وأعادوا وصل التيار
قالوا: لا جدوى في الصمت
قل أو مت
لا تخجل قد قال الكل
تلك قديمة
قد شاخت حيل الغستابو
هاتوا الأخرى
لن أتكلم..لن أتكلم
وأعادوا وصل التيار
يا للصدمة!!!
قالوا: الحكمة أن تنقذ نفسك
ما كنية أعضاء اللجنة؟؟
منم يعمل من أجل الجبهة؟؟
أسماء بضعة أشخاص
تلك الحكمة..
قلبي يتخطى الأسوار
ويغافل كل الحراس
ليعانق أعضاء اللجنة
ويقبّل أنصار الجبهة
لا تخشوا لن نتكلم
لا لن نتكلم
لنجرب فيه المنفاخ
حيل الغستابو الملعونة
وأنا أنفخ كالبالونة
وأنا أنفخ كالبالونة
***
القرن يقال العشرون
والعام يقال الستون
الألم يموج في فمي
النار جحيم في حلقي
حلقي جفّ
أشرب...أشرب
رفعوا رأسي
صبوا قطرة
لكن لم يعطوني الأخرى
يا للبخل...!
نصفي مات
ويدب الموت إلى نصفي
لكن قلبي في صدري ما زال يدق
الشرقُ...الشرقُ
بيروت...دمشق
كل العالم
يا قلبي يا أعند قلب
يا قلبي ما زلت تدق
رفّت نسمة في أعماقي
غنوة...غنوة
تأتي من أحضان الأرْز
أرْزة..أرْزة
نغمة...نغمة
لكن ما كلمات الغنوة؟
ما الكلمات؟
بطل الثورة (إحنا معاك)
صمتاً صمتاً يا غستابو
الشعب هو الثورة
لكن ما كلمات الغنوة؟
ما الكلمات؟
بطل الثورة (إحنا معاك)
صمتاً صمتاً يا غستابو
الشعب هو الثورة
لكن ما كلمات الغنوة؟
أنا لا أذكر
أسمع صوتاً و زعيقاً في الظلمة
حارس
هايل هتلر..هايل هتلر
أسمع صوت المزلاج
يا تيمورلنك
يا زكريا
يا سرّاج
أهلاً ..أهلاً
ماذا في وسع الغستابو؟؟
لمناضل غير الموت
الآن تذكرت الكلمات
"نحنا ودياب الغابات ربينا
بالليل الداجي العتمات مشينا
للغابة ليالينا... للريح غنانينا
هيك..هيك..نحنا هيك ربينا
للشعب ليالينا...للشعب غنانينا
هيك هيك...نحنا هيك ربينا"
***
صوت:
مات بالحبس فرج
أيها العمال في كل مكان
منذ أن كانوا وكنا
منذ كان العبد يعمل
ثم لا يأكل
والسيّد يأكل
منذ كان القنّ يعمل
ثم لا يأكل
والمالك يأكل
منذ صارت قوة العامل سِلعة
تضمن الربح لرب العمل
قد أرادوها إبادة
حسناً..فليأخذوها لا هوادة
أيها العمال في كل مكان
مات بالحبس فرج
أيها العمال كونوا يقظين
نحن حبّات البذار
نحن لا ننمو جميعاً عندما يأتي الربيع
بعضنا يهلك من هول الصقيع
وتدوس البعض منا الأحذية
ويموت البعض منا في ظلام الأقبية
غير أنّا كلّنا ...لسنا نموت
نحن حبات البذار
نحن يا هتلر..يا فرعون نعلم
أن أطلال القبور
ستُغطى ذات يوم بالسنابل
وسينسى الناس أحزان القرون
وسينسون لسلاسل..والمقاصل
والمنافي والسجون
وسيكسون الأرض يوماً الزهور
وستأسو الفرحة الكبرى جراحاً
في الصدور
عندما يأتي الربيع
نحن إن نحيا فمن أجل الربيع
حكمة التاريخ أن يغتال هتلر
ألف حبّة
ألف شُهْدي وفرج
ألف فوتشيك
ألف تيلمان..وأكثر
قبل أن يسقط هتلر
غير أن الزرع يوماً سيقول
باسم حبات البذار
باسم كل الشهداء
يضحك التاريخ من هتلر
صوت:
مات من قبلي وقبلك
مات من أجلي وأجلك
مات من أجل الملايين التي حولي
وحولك
مات..مات فرج الله
صوت:
لا تقل مات فرج
هو في قلبي وقلبك
هو في كل الملايين التي من حولي
وحولك
في المصانع والمزارع والشوارع
والملايين التي تزحف وتزحف
قدماً لا تتوقف
هي كالأمواج صف بعد صف
كلما ماتت على الصخرة موجة
عاجلتها ألف موجة
هكذا البحر عنيد
أينما كان غنياً بالرصيد
بألوف كفرج...لا تقل مات فرج
صوت:
قالها من قبلك فوتشيك
نحن حبات البذار نحن لا ننمو جميعاً
عندما يأتي الربيع
بعضنا يهلك من هول الصقيع
يضحك ..ثم يضحك
عاش للشعب فرج
مات للشعب فرج
مات للشعب الفرج
مات فليحيا فرج
لا تقل مات فرج






أقلام الوطن تكتب جديد التاريخ
عمران

يا من تذود عن الكرامة والبلاد المجدُ لكْ
يا من سهرتَ على الزّناد جعلت قلبي منزلكْ
فكتبت ملحمة البطولة عندما الليل احتلكْ
ودفنت تاريخاً من النكبات عبئاً أثقلكْ
يا للبطولات التي في كل شبر تُمتلكْ
هذا الدم المهراق حبّاً بالثرى نجم الفلكْ
يا مارداً كيف اختزلت عظائماً لن أسألكْ!
يا رابضاً كالطود يا فجراً لشعب أمّلكْ
بك يبدأ التاريخ في عصر رديءٍ يا ملكْ
فالأرزُ أبهى حيث أنت وتاج أرزٍ كلّلكْ
تبقى الشعوبُ ومن يشأْ ذلّ الشعوب فقد هلكْ
أذهلتهم ببسالة! فتعجبوا من بسّلك!
مثّلتَ أحلاماً لنا لا ريب في من مثّلكْ
يا بحرَ تضحية ألا ذهب بيومٍ بدّلكْ؟!
أمن الجنوب تهبُّ ريحٌ كي تعمِّم مشعلكْ؟!
خوفي من المرتد يعبث بالدماء إذا سلكْ!
لكنّ شعباً صابراً أنف الخنا لن يخذلكْ
زحف البرابرة القساة وزحفهم قد أشعلكْ
زرعوا الدمار تفنّنوا حقداً على من أنسلكْ
في شرعهم للقتل أنت وللإبادة حلّلكْ
فأذقتهم كأس الهوان ولم تلوّث أنملكْ
يا من ذبحت صغارنا فالعار فيمن دللكْ
شُلّت يمينك حين تقصف آمناً ما أنذلكْ!
صوت الثّكالى و الأيامى بالمخازي جلّلكْ
أطفال قانا كيف طعم دمائهم هل أثملكْ؟
وزعمت أنك فاضل بئس الذي قد فضّلكْ
ربٌّ يعلِّم شعبه أن يقتلوا ربّ حلكْ
إن المبادئ حين تسمو بالورى لا تُهتلكْ






جنّة الدم
معروف الجراح
أحثَّ الخُطا..
في ربيعك يا سيِّد الشّوْكِ!
هذا قتادكَ. . قيدُك حَزَّ الوريدْ
وأنت تريد الذي لا أريدْ،
تريد انسكابي بمرج الشّقائقِ،
في روضة الأرجوان،
وجلنار باحتك الواسعة.
إنها باحة
من بنانك أنت. .،
وسجني أنا.
***
راعفٌ لون مرجك
يا سيد السيف!
لا أستطيع التلاؤم في لوحة من دماءْ،
ولا أستطيع البقاء
أسيراً
لمن شاء درب الفناءْ
مصيراً،
وشاء عروج السماءْ
طريقاً إلى جنةٍ رائعة.

إنّها جنةٌ اسمها: فاجعة.
إنّها فاجعة. .
إنّها فاجعة.
***
فدع لي خياري
أمارس فيه حياتي
أمارس فيه انتحاري،
أمارس وهْمَ انتصاري،
وأَمضي بهذا المسير،
أو الزَّحفْ
في رحلة الحرفْ،
دعني مع القلق الآدميِّ
ودعني مع الخوفْ
لستَ وصيَّاً
وليس لديك سوى حدّ سيفْ،
ووعدك كذبٌ،
ومَيْنٌ، وزيفْ
والجِنان التي تبتني خادعة.
***
دير الزور
الكتّاب الأعزاء: ساهموا معنا في العدد القادم:
محاور مقترحة للعدد القادم:
قضايا الماركسية ( الاقتصاد العالمي ، الإمبريالية الرأسمالية ، السياسات الليبرالية الجديدة ومسألة "العولمة "، النظرية والمنهج في الماركسية ، الديالكتيك المادي ، الديالكتيك وتاريخ الفلسفة ، التحولات في البنية الطبقية الحديثة ، الإمبريالية والثقافة، الماركسية، اللينينية، التجارب الاشتراكية ، الماركسية والديمقراطية، الماركسية والدولة، الحزب الثوري، النقابات ، المرأة والمسألة النسوية الخ..)
نقد التراث و العلمانية
قراءة في كتاب
ترجمة مقالة
إبداعات شعرية وقصصية
نقد شعر أو قصة أو رواية
نقد فني أو نقد مسرحي





http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=131496