http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


الإصلاح الديني

رحيم العراقي

2007 / 12 / 4

مؤلف كتاب الأصلاح الديني هو البروفيسور باتريك كولينسون أحد كبار أساتذة جامعة كامبردج في بريطانيا. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب هامة في علم التاريخ عن عصر الملكة إليزابيث الأولى، أي عصر شكسبير والإصلاح الديني في انجلترا.ومعلوم أن ذلك قد حصل في عصر النهضة عندما تحولت انجلترا من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي وقطعت صلتها ببابا روما والفاتيكان.وهو حدث خطير في تاريخ الانجليز بل ويشكل بداية الحداثة الدينية والفلسفية والسياسية لتلك البلاد.ويرى البروفيسور كولينسون منذ البداية أن الإصلاح الديني الذي حصل في القرن السادس عشر يشكل لحظة هامة ليس فقط بالنسبة للانجليز وإنما للحضارة الأوروبية بمجملها. فهو الذي شكل هوية أوروبا الحديثة عندما قضى على عهد المملكة المسيحية المقدسة الذي ساد العصور الوسطى وفتح الباب أمام تشكل القوميات الحديثة من ألمانية، وانجليزية، وفرنسية، الخ.
فقبل ذلك كان الجميع ينتسبون إلى العالم المسيحي ولا يتمايزون عن بعضهم البعض إلا قليلا. أما بعد الإصلاح الديني فقد انقسمت أوروبا إلى قسمين: قسم مع الإصلاح الديني وقسم ضده، قسم مع بابا روما المعادي للإصلاح الديني وقسم ضده يدعى بالمذهب البروتستانتي. وبدءا من تلك اللحظة أصبح الألماني يشعر بأنه ألماني قبل أن يكون مسيحيا. ومن الذي أشعره بذلك؟ إنه زعيم الإصلاح الديني الأكبر: مارتن لوثر.
فهذا الرجل الذي أعلن العصيان على روما واتهم البابا باستغلال الدين لأغراض شخصية وانتهازية هو الذي أيقظ الألمان من سباتهم العميق وأشعرهم بهويتهم وشخصيتهم التاريخية.
والواقع أن البابا كان يستغل الشعب الألماني ماديا بل ويضحك عليه إذا جاز التعبير. كيف؟ عن طريق اللعب على وتر العاطفة الدينية المسيحية وإقناعه بالبقاء في حضن الكنيسة من أجل ابتزازه وسحب عشرات الملايين منه سنويا وبناء القصور في روما للكرادلة والمطارنة وبقية رجال الدين الفاسدين.
ثم جاء لوثر وقال للألمان: هذا البابا يضحك عليكم منذ مئات السنين ويمص دمكم باسم الدين والإيمان وهو يعيش حياة البذخ والفسق التي نهى عنها المسيح. كفى غباءً واتباعا للبابا والفاتيكان. هؤلاء الناس خرجوا على الدين وأفسدوه ولم تعد طاعتهم واجبة أبدا.
ثم شن لوثر هجوما صاعقا على صكوك الغفران التي كان الفاتيكان يبيعها للشعب الفقير الجاهل موهما إياه بأنها ستدخله الجنة إذا ما اشتراها !وكان البابا يرسل رجالاته إلى كل أنحاء ألمانيا لبيع هذه الصكوك السخيفة التي لا علاقة لها بالإيمان ولا بالدين الصحيح من أجل جبي الضرائب أو الزكوات المقدسة والأموال الطائلة.
وعلى هذا النحو كانت ثروات الشعب الألماني وأمواله تنتقل إلى بلاد أجنبية أخرى، هي روما وإيطاليا والفاتيكان. نعم لقد أشعر لوثر الشعب الألماني بهويته ومصلحته وشخصيته القومية المختلفة عن بقية المسيحيين. وبدءا من تلك اللحظة لم تعد أموال الشعب تذهب إلى قصور الفاتيكان وإنما أصبحت تستخدم لبناء نهضة ألمانيا ذاتها.
ثم يضيف المؤلف قائلا ما معناه: لقد كشف لوثر الغطاء عن فضائح رجال الدين وألاعيبهم. وقال للشعب: احذروا هؤلاء الناس الفاسدين الذين يستغلون الدين لغايات شخصية وانتهازية مضادة لجوهر الدين ذاته.
ثم قال: أنتم لستم بحاجة إليهم لكي تفهموا دينكم ولكي تفسروا الكتاب المقدس. فالمؤمن له علاقة مباشرة مع ربه وليس بحاجة إلى وسيط. لقد انتهى عهد الوسطاء والسماسرة الذين يتاجرون بالدين ويزيدون الشعب جهلا على جهل وفقرا على فقر.
ثم قام لوثر بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية. ومعلوم أنه قبل ذلك كان يقرأ باللاتينية فقط: أي لغة الكنيسة التي تحتقر لغات الشعب وتعتبرها لهجات سوقية من انجليزية وألمانية وفرنسية.
لقد تجرأ لوثر على ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة عامية سوقية وأسس بذلك اللغة الألمانية بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وبالتالي فلوثر ليس فقط زعيم الإصلاح الديني وإنما هو أيضا مؤسس النزعة القومية الألمانية بل واللغة الألمانية.
ثم كسر لوثر قانونا آخر من قوانين البابوية، ألا وهو عزوبية رجال الدين. فراح يتزوج امرأة جميلة ويقول للمسيحيين الألمان: إن الله لم يفرض علينا العزوبية مدى الدهر كما يزعم بابا روما.
وعلى هذا النحو أصبح الزواج شرعيا في المذهب البروتستانتي في حين أنه لا يزال ممنوعا في المذهب الكاثوليكي. وأحد المطالب الملحة حاليا والمطروحة على البابا الحالي هو السماح للرهبان بالزواج. ولكن الفاتيكان لا يزال يرفض ذلك رفضا قاطعا، وهذا موقف رجعي في الواقع ولا يوجد أي سند ديني يبرره.
وهذا أكبر دليل على أن لوثر سبق عصره بأربعمئة سنة. فقد سنّ الزواج في المسيحية منذ القرن السادس عشر.
ثم انتقلت أفكار لوثر إلى كل أنحاء أوروبا وانتشرت انتشار النار في الهشيم. وعندئذ انقسمت كل البلدان إلى قسمين كما قلنا: قسم مع لوثر وقسم مع عدوه اللدود بابا روما.
وعموما فإن بلدان الشمال الأوروبي قلبت كلها في جهة لوثر والإصلاح الديني، نذكر من بينها ألمانيا بطبيعة الحال والبلدان الاسكندنافية كالسويد والنرويج والدانمارك. هذا بالإضافة إلى هولندا وانجلترا أو سواهما.
أما بلدان الجنوب الأوروبي فقد بقيت كاثوليكية في معظمها ومخلصة لبابا روما. نذكر في طليعتها إيطاليا بطبيعة الحال ثم فرنسا واسبانيا والبرتغال. وبعدئذ اندلعت الحروب المذهبية بين الطرفين طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر.
ودخلت أوروبا عندئذ فيما يدعى بالحرب الأهلية الشاملة على أساس مذهبي. وساد القتل على الهوية في كل مكان. ففي انجلترا جرت مجازر مرعبة بين الطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي، وهي تذكرنا بالمجازر التي تجري حاليا بين السنة والشيعة في العراق أو أفغانستان أو الباكستان، الخ.
فكل دين كبير منقسم إلى عدة مذاهب، والمجازر التي ارتكبها كرومويل ضد الكاثوليك في ايرلندا لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية حتى بعد مرور أربعة قرون على حصولها.
ولكن البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية مارست أيضا التعصب والقمع ضد اتباع المذهب البروتستانتي. وأكبر مثل على ذلك فرنسا. ففي عهد الملك الشهير لويس الرابع عشر حصلت مجازر طائفية أو مذهبية يشيب لهولها الولدان.
ومن أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي التي لا تزال ماثلة في الذاكرة الجماعية الفرنسية حتى الآن. وقد حصلت في الرابع والعشرين من شهر أغسطس عام 1572، أي قبل أربعمئة وخمسة وثلاثين عاما بالضبط. وذهب ضحيتها في ليلة ليلاء كل قادة الطائفة البروتستانتية وآلاف الناس الآخرين من رجال ونساء وأطفال دون تمييز. ولا يزال الفرنسيون يشعرون بالعار تجاه أنفسهم بسببها.
ثم يضيف المؤلف قائلا بما معناه: ينبغي العلم بأن زعيم الإصلاح الديني الثاني في أوروبا بعد مارتن لوثر الألماني كان جان كالفن الفرنسي. وهو من مواليد مدينة آميان. وبالتالي فالإصلاح الديني ذو أصل فرنسي أيضا وليس فقط ألمانياً.
ومعلوم أن هذا الزعيم الروحي الكبير غادر المملكة الفرنسية إلى جنيف حيث استقر وأصبح القائد الروحي لها. ولهذا السبب فإن مدينة جنيف بسويسرا هي عاصمة البروتستانتية مثلما أن روما هي عاصمة الكاثوليكية.
وفي سويسرا جرت أيضا حروب مذهبية طاحنة بين الطرفين قبل أن ينتصر صوت العقل والتنوير في القرن الثامن عشر. وعندئذ ظهر تأويل جديد للدين المسيحي غير ذلك الذي كان موروثا عن العصور الوسطى الطائفية المظلمة.
وعلى هذا النحو استطاعت أوروبا أن تخرج من ظلمات التعصب الأصولي إلى أنوار الحداثة الفكرية والتسامح الديني. وهكذا قضوا على التعصب المذهبي أو الطائفي بعد أن استنارت العقول وتخلصوا من تلك التيارات الأصولية المتعصبة التي تصب الزيت على النار.


http://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

http://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=117377